الفصل العشرون: المريض الذي كان يعيش أيامه بالعكس

كان النهار رماديًا باهتًا، والسماء الثقيلة تبدو وكأنها ستسقط على المستشفى في أي لحظة.

في الممرات، كان كل شيء يسير ببطء… الممرضون يتحركون بخطوات متثاقلة، والعربات المعدنية تصدر صريرًا يمتد في الفراغ.

لكن داخلي، كان الوقت يجري أسرع من اللازم… لأن ملف المريض الجديد كان غريبًا إلى درجة لم أرها من قبل.

على الصفحة الأولى، كتب بخط الممرضة:

"يدّعي أنه يعيش أيامه بالعكس… ويستيقظ كل صباح وهو يتذكر ما سيحدث لاحقًا، لا ما حدث أمس."

وضعت الملف على الطاولة، أحاول أن أستوعب العبارة. ثم طرق الباب الحارس، ودخل المريض. كان رجلاً في منتصف الثلاثينات، شعره غير مرتب، وعيناه تراقبان الغرفة كما لو كان يعرف كل ما سيحدث فيها.

جلس بهدوء شديد، دون أي حركة زائدة، وكأن جسده مدرَّب على الاقتصاد في الزمن.

> "هل تعرف سبب وجودك هنا؟"

ابتسم قليلاً:

> "بالطبع… لقد كنت هنا بالأمس… أو بالأحرى، سأكون هنا غدًا."

شعرت بالارتباك:

> "ماذا تعني بأنك كنت هنا بالأمس وسَتكون غدًا؟"

> "أنا لا أتذكر الماضي… أتذكر المستقبل. أعيش كل يوم على أنه الماضي بالنسبة لي."

> "تتذكر المستقبل… هذا يبدو غير منطقي."

> "غير منطقي لكم… أنتم الذين تعيشون في اتجاه واحد. بالنسبة لي، أنا فقط أستعيد أحداثًا عشتها بالفعل… لكنها بالنسبة لكم لم تأت بعد."

تقدمت بجسدي للأمام:

> "أعطني مثالًا."

> "تسقط القلم من يدك بعد دقيقة واثنتين من الآن… ثم ستسألني إن كنت أختلق الأمر. وبعدها سيُطرق الباب، وستدخل الممرضة لأن هناك مريضًا انهار في الرواق."

راقبته بصمت، ولم أعلق. ثم سقط قلمي من يدي كما قال… رفعت عيني إليه، فابتسم.

> "هل تريد أن أكمل؟"

حاولت أن أبقى متماسكًا:

> "هل تعرف نهايتك أنت؟"

هنا تغير وجهه، وأصبح أكثر جدية:

> "نعم… ولهذا جئت هنا. لأن نهايتي ليست في المستقبل… نهايتي كانت منذ زمن، وأنا فقط أعيش ما تبقى بشكل معكوس."

---

التشخيص الطبي:

الحالة المحتملة قد ترتبط بما يسمى اضطراب الإدراك الزمني العكسي (Reverse Temporal Perception Disorder)، وهو ليس مرضًا معترفًا به طبيًا رسميًا، لكنه يلتقي مع بعض حالات متلازمة ديجا فو المستمرة (Persistent Déjà Vu) أو اضطراب في عمل الفص الجداري والفص الصدغي المسؤولين عن دمج الذاكرة مع الزمن.

الأسباب المحتملة:

إصابة دماغية أثرت على مراكز الذاكرة الزمنية.

اضطراب نادر في الاتصال بين الحُصين (Hippocampus) والقشرة الجبهية.

صدمات نفسية شديدة جعلت الدماغ يعيد صياغة التجارب بشكل معكوس كآلية دفاعية.

أمثلة واقعية:

رجل في فرنسا عام 1999 ادعى أنه "يعرف" أحداث أيامه المقبلة لأنه يراها في أحلامه، واتضح لاحقًا إصابته بورم في الفص الصدغي.

مريض ياباني كان يصف كل محادثة سيجريها قبل حدوثها بدقة، بسبب نشاط كهربائي مفرط في منطقة الحُصين.

دراسة أمريكية عام 2014 وثقت حالة شخص فقد قدرته على تذكر الماضي القريب، لكنه كان "يتنبأ" بأحداث يومه بدقة مدهشة.

---

الملاحظة الرمزية للطبيب:

"الزمن سيف ذو حدين… نحن نسير فيه للأمام لنبقى عقلاء، لكن من يسير فيه للخلف يرى الحقيقة التي لا نحتملها."

وأنا أكتب هذه السطور، شعرت أنني لا أخشى أن أعرف المستقبل… بل أن أكتشف أنني أعيشه بالفعل، فقط في الاتجاه الخطأ.

2025/08/13 · 17 مشاهدة · 481 كلمة
Siddi Maamar
نادي الروايات - 2026