الفصل واحد و العشرين: المريض الذي يختفي حين لا يراه أحد
كانت الساعة السادسة مساءً، والمطر قد بدأ يضرب سقف المستشفى بوقع رتيب، كأن السماء نفسها تشارك في إيقاع هذه الليلة الغريبة.
في الممر الطويل المؤدي إلى جناح العزل، كان الضوء الفلوري يرمش كل بضع ثوانٍ، محدثًا ذلك الوميض المفاجئ الذي يجعل كل شيء يبدو مشهدًا مقتطعًا من فيلم قديم.
رائحة المطهرات الثقيلة امتزجت برائحة العفن الخفيف القادم من جدران لم تُجدد منذ سنوات، وكان هذا المزيج يذكّرني دومًا بأننا لسنا في مكان للشفاء… بل في مكان للاحتفاظ بالأشياء التي يخشاها العالم.
مكتبي كان في آخر الرواق، غرفة ضيقة ذات جدار رمادي باهت، وطاولة خشبية قديمة تئن تحت ثقل الملفات. النافذة نصف مفتوحة، والريح الباردة تتسلل منها لتداعب أوراقي كأنها تحاول قراءتها.
في داخلي، كان هناك ثقل غريب، خليط من الفضول والتوتر، لأن الملف الذي أمامي لم يشبه أي ملف قرأته من قبل.
كتب الحارس على الغلاف:
"المريض يختفي إذا لم يكن أحد يراقبه. شوهد يختفي في الزنازين الانفرادية أكثر من مرة."
لم أكن أؤمن بمثل هذه الأشياء، لكني أعرف أن بعض الحالات النفسية قادرة على جعل الناس يتصرفون بطرق تثير الشك في قوانين الواقع نفسها.
طرقات الباب الثلاث جاءت هادئة، لكنها كانت كافية لتجعل قلبي ينبض أسرع.
فتح الحارس، ودخل رجل في أوائل الأربعينيات. كان نحيفًا للغاية، بشرته شاحبة، وعيونه غائرة وكأنها حفرت لتخزن أسرارًا لا يجب أن يعرفها أحد.
جلس على الكرسي دون أن ينتظر إذني، ووضع يديه على الطاولة، لكن الغريب أنه كان يرمش قليلًا جدًا، وعيناه مثبتتان عليّ بلا انقطاع.
> "هل تعرف سبب وجودك هنا؟"
> "أعرف… لأنهم لا يستطيعون تحمل فكرة أنني لست موجودًا طوال الوقت."
> "غير موجود؟ أنت هنا أمامي الآن."
ابتسم ابتسامة صغيرة لم تصل لعينيه:
> "هذا لأنك تنظر إلي."
> "وماذا يحدث إذا لم أنظر؟"
> "أختفي. ليس مجازًا، بل جسديًا. كما لو أنني لم أكن موجودًا منذ البداية."
شعرت بالانقباض في صدري، لكنني تمسكت بالهدوء:
> "أعطني مثالًا على ذلك."
> "في زنزانتي، حين يذهب الحارس… أفتح عيني لأجد نفسي في مكان آخر. أحيانًا في نفس الغرفة لكن بعد ساعات، وأحيانًا في أماكن لا أعرفها. لا أتحكم بهذا… يحدث فقط حين لا يراقبني أحد."
> "وهل تعرف إلى أين تذهب؟"
> "لا. لكنني أعود دائمًا… أحيانًا مبللًا بالمطر، وأحيانًا بتراب على ملابسي. مرة عدت ويدي ملطخة بدم جاف، ولا أعرف لمن هو."
صمت، لكن عيناه بقيتا مغروستين في وجهي. لم يرمش.
> "هل تشعر بألم، أو فقدان للوعي حين تختفي؟"
> "لا. فقط انقطاع… لحظة كنت هنا، ثم أعود لأجدكم غاضبين لأنني خالفت قوانين المكان."
بدأ العرق يتجمع في كفيّ، ليس من حرارة الغرفة، بل من الإحساس بأن ما يقوله ليس مجرد أوهام.
---
التشخيص الطبي:
هذه الأعراض قد تتقاطع مع حالات اضطراب الانفصال الحاد مع فجوات زمنية (Severe Dissociative Fugue)، حيث يفقد المريض وعيه لفترات ويقوم بأفعال لا يتذكرها، لكن في حالته هناك عنصر إضافي يوحي بنوع من الهلوسة الإدراكية المتقدمة أو اضطراب إدراك الذات والوجود.
في علم النفس، هناك تقارير عن مرضى يشعرون بأنهم "يتلاشون" حين لا يُلاحظهم أحد، وهو مرتبط باضطرابات الهوية التفارقية أو حتى أعراض ذهانية شديدة.
الأسباب المحتملة:
صدمات نفسية مبكرة أدت إلى تفكك حاد في إدراك الذات.
نشاط غير طبيعي في الفص الجداري الخلفي المسؤول عن الإحساس بالمكان والجسد.
نوبات صرعية جزئية في الفص الصدغي تؤثر على استمرارية الوعي.
أمثلة واقعية:
حالة مريض بريطاني عام 2007 كان يختفي من كاميرات المراقبة في فترات قصيرة بسبب نوبات صرعية متكررة تجعله يتجمد في الظل دون إدراك.
تقرير في مجلة Psychiatry Today عن امرأة تفقد وعيها تمامًا كلما وجدت نفسها وحيدة، وتستيقظ في أماكن مختلفة دون أن تتذكر كيف وصلت.
---
الملاحظة الرمزية للطبيب:
"الوجود أحيانًا يعتمد على عيون الآخرين… وربما نحن جميعًا نتلاشى قليلًا حين لا يرانا أحد."
وأنا أكتب، شعرت أنني أنا أيضًا قد أختفي يومًا ما، لا فجأة… بل ببطء، مع كل لحظة يقضيها أحدهم وهو لا ينظر إلي.