الفصل الثالث والعشرون: المريضة التي تحبك حتى الموت

كانت الساعة تقارب العاشرة صباحًا، والمستشفى يعيش هدوءًا مريبًا. في الخارج، الغيوم الرمادية لا تزال مكدسة فوق المبنى، تتوعد بالمطر لكنها لا تنفّذ. الهواء في الممرات بارد، ومع كل خطوة أشعر بصوت نعلي يرتد عن الجدران الخالية.

دخلت غرفة العلاج، جلست خلف مكتبي، وأخذت رشفة من قهوتي الباردة التي نسيتها منذ ساعة. كنت أحاول أن أفرغ ذهني قبل الموعد التالي، لكن إحساسًا خفيًا بالانقباض كان يضغط على صدري، كما لو أن جسدي يعرف ما سيأتي قبل عقلي.

طرق الحارس الباب، ودخلت المرأة. عمرها في منتصف الثلاثين، شعرها الأسود يلتصق بجبهتها كما لو أنها لم تهتم بتمشيطه منذ أيام. ملابسها غير متسخة، لكنها تبدو مرتدية بطريقة عشوائية، وكأنها لم تختَرها بل أمسكت أول ما وجدته.

دخلت بخطوات سريعة، وجلست دون انتظار إيماءة مني، وانحنت بجسدها إلى الأمام حتى شعرت بظلها يبتلع نصف المكتب. عيناها… كان فيهما بريق مضطرب، خليط من الأمل والتهديد.

> "كنت أريد رؤيتك منذ أيام… كنت أعدّ الساعات."

ابتسمت ابتسامة صغيرة، لكن ابتسامتها كانت مشدودة، كما لو أنها على وشك الانفجار.

> "هل قابلتني من قبل؟"

> "لا، لكنني أعرفك… أعرفك أكثر مما تتصور."

رفعت حاجبيّ:

> "وكيف ذلك؟"

> "أشعر بك… حتى قبل أن أراك. لا أدري كيف أشرح، لكنك الشخص الوحيد الذي يمكنه إنقاذي. إذا فقدتك، سأموت."

دوّنت في الملف: ارتباط مثالي بالطبيب، احتمالية عالية للتعلق المرضي.

> "وهل شعرتِ بهذا تجاه أشخاص آخرين؟"

> "أحيانًا… لكنهم يخيبون أملي. دائمًا يخيبون أملي."

> "وماذا يحدث عندما يخيبون أملك؟"

ابتسمت، لكنها لم تكن ابتسامة طبيعية:

> "أتأكد أنهم لا يخيبون أمل أي شخص آخر بعد ذلك."

شعرت ببرودة غريبة تزحف في ظهري.

> "ماذا تقصدين بالتأكد؟"

> "أغادر… أو أجعلهم يغادرون… الحياة."

صمتُّ لثوانٍ، أحدق في ملامحها التي لم تتحرك إلا ابتسامتها الصغيرة الثابتة.

> "هل فكرتِ يومًا في إيذاء نفسك؟"

أجابت بسرعة، وكأنها كانت تنتظر هذا السؤال:

> "كثيرًا… لكن ليس إذا كنتَ هنا. أنت الشيء الوحيد الذي يمنعني."

> "وماذا لو لم أكن هنا؟"

تغير وجهها فجأة، وكأن كل الدم انسحب منه:

> "لا تقل هذا… لا تختفِ عني. إذا فعلت… سأضطر للبحث عنك. وسأجدك."

> "تهددينني؟"

> "لا… أعدك."

توقفت يدي عن الكتابة. نظرتها لم تتغير، لكني شعرت أن ما قالته لم يكن مجازًا، بل وعدًا صريحًا.

> "كيف هي علاقتك بأسرتك؟"

ضحكت ضحكة قصيرة ومقطوعة:

> "أي أسرة؟ لم يبقَ أحد… هم من تركوني، أو ربما أنا من تركتهم. لا أتذكر الترتيب."

> "هل تشعرين بالوحدة؟"

انحنت أكثر، حتى شعرت بأنفاسها على يدي:

> "أشعر بالوحدة دائمًا… إلا عندما أكون معك."

> "لكننا بالكاد نعرف بعض."

> "لا، أنت لا تفهم… هناك أشخاص تلتقي بهم فتعرف أن حياتك قبلهم كانت خطأ. أنت حياتي الصحيحة… ولن أسمح لأحد أن يأخذك مني."

---

التشخيص الطبي:

الأعراض تشير إلى اضطراب الشخصية الحدية (Borderline Personality Disorder)، حيث يظهر خوف شديد من الهجر، تقلبات حادة في المشاعر، وسلوكيات اندفاعية مرتبطة بالعلاقات الشخصية.

الأسباب المحتملة:

صدمات في الطفولة، خصوصًا الإهمال العاطفي أو الإساءة المتكررة.

اختلال في تنظيم النواقل العصبية المسؤولة عن المزاج.

تجارب متكررة من الخيانة أو الفقد في العلاقات.

أمثلة واقعية:

مريضة في بريطانيا اتصلت بمعالجها النفسي أكثر من 80 مرة في يوم واحد، وعندما قلل جلساتها، اقتحمت منزله بسكين.

حالة لرجل في الولايات المتحدة أقام علاقة مثالية في عقله مع معالجته، وحين أنهت جلساته، حاول الانتحار أمام عيادتها.

---

الملاحظة الرمزية للطبيب:

"هناك من يحبك حتى آخر نفس… ثم يقرر أن يأخذ ذلك النفس معه."

وأنا أغلق الملف، شعرت أن كلماتها علقت بي… ربما كنت أعرف أن وجهي سيظهر في أحلك لحظاتها، وأنني سأكون جزءًا من نهايتها، مهما حاولت الهرب.

2025/08/14 · 23 مشاهدة · 571 كلمة
Siddi Maamar
نادي الروايات - 2026