24 - اللذي انطفأت ألوانه. (الكآبة)

الفصل الرابع والعشرون: المريض الذي انطفأت ألوانه. ( الكآبة )

كان الجو في ذلك الصباح باردًا على نحو غير مألوف، وكأن المستشفى يقع في مكان خارج الفصول الأربعة. الممرات شبه فارغة، والجدران البيضاء تنعكس عليها الأضواء الفلورية، فتصير أكثر برودة من برودتها الحقيقية. مررت بجانب النوافذ الطويلة التي تطل على الفناء الخلفي، كانت الأشجار هناك بلا أوراق، حتى العصافير التي اعتدت رؤيتها لم تظهر.

وصلت إلى غرفة العلاج، وضعت حقيبتي على المكتب، جلست على الكرسي، وأخذت نفسًا عميقًا. أصوات العيادة الأخرى تتلاشى شيئًا فشيئًا، حتى صار كل ما أسمعه هو صوت ساعتي الحائطية.

الباب انفتح ببطء، ودخل المريض. رجل في أواخر الثلاثين، قامة متوسطة، كتفاه منحنيتان وكأنه يحمل وزنًا لا يُرى. خطواته كانت ثقيلة، وبدا كمن يحسب كل خطوة قبل أن يخطوها. جلس على الكرسي المقابل بهدوء، لم يصدر عنه أي صوت سوى حركة القماش الخفيفة.

ظل ينظر إلى الأرض، عيناه نصف مغلقتين، ويداه متشابكتان بإحكام في حضنه. كان يتنفس ببطء شديد، حتى إنني اضطررت للتأكد أنه لا يحبس أنفاسه.

> "صباح الخير."

لم يرفع رأسه. فقط تمتم بصوت منخفض جدًا:

> "لا أعرف إذا كان صباحًا جيدًا."

> "هل لم تنم جيدًا الليلة الماضية؟"

هز كتفيه ببطء، إيماءة بالكاد ملحوظة:

> "لا فرق… الليل والنهار واحد."

لاحظت أن أصابعه تضغط على بعضها حتى صار لونها أفتح.

> "متى بدأت تشعر بهذا الإحساس؟"

رفع رأسه قليلًا، عيناه كانتا باهتتين، بلا بريق.

> "لا أتذكر بالضبط… لكن أظن منذ شهور. أو ربما أكثر. كل يوم يشبه الذي قبله… حتى وجهي في المرآة لم يعد يعني شيئًا."

> "هل فقدت الاهتمام بأشياء كنت تحبها من قبل؟"

ضحكة قصيرة خرجت من حلقه، لكنها كانت بلا أي فرح، أشبه بزفير ثقيل:

> "أحب؟ لم أعد أتذكر ما أحب. حتى الطعام… أشعر أنني أضع شيئًا في فمي لمجرد أن أعيش، لا لأنني أريده."

> "وماذا عن علاقاتك… أصدقاؤك أو أسرتك؟"

أدار نظره إلى الزاوية، وكأن الجدار أكثر أهمية من سؤالي:

> "انسحبوا… أو ربما أنا الذي انسحبت. لا أريدهم أن يروا ما أصبحت عليه."

شعرت أن صوته صار أضعف، وكأنه يتلاشى:

> "أحيانًا… أستيقظ وأتساءل لماذا أزعج نفسي بالنهوض أصلاً."

أخذت قلمًا، لكني توقفت قبل أن أكتب، أراقب كيف تتحرك شفته السفلى قليلًا مع كل كلمة، وكيف ترتعش رموشه عندما يرمش ببطء.

> "هل فكرت في إنهاء حياتك؟"

ظل صامتًا لثوانٍ طويلة، حتى صرت أسمع صوت أنفاسي أنا، ثم قال:

> "لا أرى سببًا للبقاء… لكنني أيضًا لا أملك الشجاعة للمغادرة."

> "ماذا لو قلت لك إن ما تمر به يمكن علاجه؟"

ابتسم ابتسامة باهتة، لكنها لم تصل إلى عينيه:

> "علاجي… يعني أن تعيد الشمس إلى سماء لا تعرف إلا المطر."

> "سنحاول معًا."

أدار رأسه نحوي أخيرًا، كانت عيناه محمرتين قليلًا:

> "لا تَعِدني إذا كنت ستتركني."

> "لن أتركك."

ظل ينظر إليّ بعمق، كأنه يبحث عن أي ذرة كذب في وجهي، ثم حرك رأسه إيماءة خفيفة.

---

التشخيص الطبي:

الأعراض تشير إلى الاكتئاب الشديد (Major Depressive Disorder): فقدان الاهتمام والقدرة على الاستمتاع، تغيرات في النوم والشهية، الشعور بالفراغ وانعدام القيمة، وأفكار انتحارية متقطعة.

الأسباب المحتملة:

عوامل وراثية تزيد من احتمالية الإصابة.

تغيرات كيميائية في الدماغ، خصوصًا في مستوى السيروتونين.

أحداث حياتية صادمة أو فقدان شخص قريب.

أمثلة واقعية:

رجل في كندا ظل على هذه الحالة عامين، حتى فقد عمله وأصدقاءه، قبل أن يبدأ العلاج بالأدوية والعلاج السلوكي المعرفي.

امرأة في اليابان عانت اكتئابًا حادًا بعد وفاة والدتها، وعاشت شهورًا بلا خروج من المنزل أو تواصل مع أحد.

---

الملاحظة الرمزية للطبيب:

"الاكتئاب لا يصرخ… بل يجلس بهدوء بجانبك، يطفئ الألوان واحدة تلو الأخرى، حتى تظن أن العالم كان رماديًا منذ البداية."

وأنا أكتب هذه الملاحظة، شعرت أن جزءًا صغيرًا من روحي فقد لونه أيضًا، لكنني، كعادتي، أعدت رسم ابتسامة لم تكن موجودة حقًا.

2025/08/14 · 20 مشاهدة · 591 كلمة
Siddi Maamar
نادي الروايات - 2026