25 - أصوات من الغرفة اللتي لا أبواب لها

عنوان الفصل:

"أصوات من الغرفة التي لا أبواب لها"

---

كانت السماء خارج المستشفى تمطر بغزارة منذ الفجر، والرياح تصطدم بجدران المبنى القديم فتطلق صفيرًا متقطعًا، كأنها تهمس بأسماء من مروا من هنا ولم يغادروا حقًا.

الممرات داخل المستشفى شبه خالية، لا تسمع إلا خطوات الحراس الثقيلة وصوت الرطوبة وهي تلتهم الجدران. رائحة مطهّر قديم، ممزوجة بعبق الورق العفن، تغزو المكان.

دخلت مكتبي في الطابق الثالث. الغرفة ليست كبيرة، جدرانها بلون أصفر باهت، سقفها تتدلى منه لمبة وحيدة، تهتز أحيانًا بفعل التيار الكهربائي غير المستقر. في الزاوية مكتبة صغيرة، فوقها تراكم غبار يشي بأن الكتب هنا لا تُلمس كثيرًا. الطاولة الخشبية أمامي تحمل دفتر الملاحظات، كوب قهوة لم يعد ساخنًا، وساعة توقفت منذ أشهر لكني لم أغير بطاريتها — ربما لأنني لا أريد معرفة الوقت فعلًا.

قلبي كان يخفق بشكل مختلف هذا الصباح. هناك توتر غريب، إحساس بأن الجلسة اليوم لن تكون مثل غيرها.

طرق الحارس الباب، وأدخله… المريض.

كان في أواخر الثلاثينيات، بنظرة تتبدل كل ثانية وكأن في رأسه أكثر من عقل يتصارع. جلس على الكرسي أمامي، يديه تتشابكان ثم تنفصلان بتوتر، لكنه لم ينظر إلي مباشرة إلا بعد أن أغلقت باب الغرفة.

> أنا: "كيف تشعر اليوم؟"

ابتسم نصف ابتسامة، ثم قال بصوت مختلف عن آخر مرة:

> المريض: "أنا سامر… اليوم كل شيء على ما يرام."

كانت هذه أول شخصية. "سامر" هادئ، منظم، صوته ثابت. يتحدث عن يومه كما لو كان يعيش حياة طبيعية: عمل، أصدقاء، وجبة فطور عادية. لكنه حين ذكر طفولته، بدأ صوته يضعف.

> أنا: "هل تذكر شيئًا محددًا من طفولتك؟"

سامر: "أذكر… رائحة التراب بعد المطر، وصوت أبي وهو يصرخ على أمي."

ارتجف، ثم أدار رأسه فجأة وكأن شخصًا آخر داخله قرر السيطرة.

---

الشخصية الثانية ظهرت دون إنذار: "رائد".

عيناه اتسعتا، جلسته انفتحت، وصوته صار خشنًا:

> رائد: "كفى حكايات طفولية… لن تغيّر شيئًا."

> أنا: "ومن أنت؟"

رائد: "أنا من يهتم بالبقاء حيًّا. سامر ضعيف… أنا أحميه."

كانت يداه ترتجفان قليلًا، لكن ليس من خوف… من رغبة في السيطرة. تحدث عن مواقف عاشها، عن شجارات، عن أشخاص حاولوا "إيذاءه" كما قال، وكيف أنه لا يتردد في الرد بعنف.

---

ثم ظهرت الثالثة: "لينا".

صوت أنثوي ناعم، لكن محمّل بحزن ثقيل:

> لينا: "أنت لا تفهم… سامر لا يريد أن يتذكر، ورائد لا يعرف كيف يتألم. أنا فقط… أبكي بدلهم."

بدأت تحكي ذكريات عن غرفة مظلمة، عن برد شديد، عن يد غليظة تمسك بها وتجرها بعيدًا. كانت عيناها تلمعان بالدموع، ثم تغمضهما بقوة وكأنها تحاول أن تحبس الصور.

---

كنت أعتقد أنني عرفت الشخصيات الثلاث جيدًا… لكن عند نهاية الجلسة، حدث شيء لم أكن مستعدًا له.

توقف المريض عن الكلام فجأة. رأسه مال للخلف، عينيه نصف مغمضتين، شفتاه تتحركان بكلمات غير مسموعة. ضحكة منخفضة خرجت من صدره، ليست سامر، ولا رائد، ولا لينا.

> أنا: "من أنت؟"

لم يرد، بل اكتفى بالتحديق بي لثوانٍ طويلة. ثم بصوت مشروخ، أشبه بصفير معدني:

> المريض: "…لا اسم."

كانت يداه تتحركان على الطاولة ببطء، ترسم دوائر وخطوطًا متقاطعة — شبكة ما.

> أنا: "لماذا ترسم هذا؟"

لا اسم: "هذا… المكان الذي وضعونا فيه."

كلمة وضعونا جعلتني أبتلع ريقي بصعوبة.

> أنا: "من هم؟"

لا اسم: "أنت كنت هناك."

تجمدت يدي على القلم. لم أكن هناك، بالطبع… لكن الطريقة التي نطق بها، وكأنه يصف شيئًا أعرفه، جعلت جزءًا مني يتساءل.

بدأ يسرد صورًا متقطعة: أصوات خطوات ثقيلة، باب معدني يُغلق، رائحة دم، أصابع صغيرة ترتجف تحت طاولة. كل جملة كانت كصفعة باردة.

ثم انكمش على نفسه، وأسند رأسه على ركبتيه، يتنفس ببطء حتى بدا وكأنه يختفي. وعندما رفع رأسه مجددًا… عاد سامر، مرتبكًا، لا يعرف ما الذي حدث.

---

التشخيص الطبي:

الحالة تمثل اضطراب الهوية الانفصامية، مع وجود ثلاث شخصيات واضحة، وظهور رابع غامض — "الحارس الصامت" أو "ظل الصدمات". هذه الشخصية الرابعة غالبًا ليست مكتملة، بل هي مستودع لذكريات حسية وصور من صدمات الطفولة التي لم تُعالج. ظهورها في الجلسة مؤشر على اقتراب المريض من أعمق طبقات ذاكرته المؤلمة. مثل هذه الشخصيات نادرة لكنها قد تحمل مفتاح العلاج… أو تكون سبب انهيار المريض.

---

الملاحظة الرمزية للطبيب:

"هناك غرف في عقول الناس، بلا أبواب ولا نوافذ. تظن أنك مجرد زائر، لكنك حين تغادر، تكتشف أن شيئًا من هوائها الفاسد قد دخل رئتيك… وأنك لن تتنفس النقاء بعدها أبدًا."

2025/08/14 · 25 مشاهدة · 673 كلمة
Siddi Maamar
نادي الروايات - 2026