الفصل السادس والعشرون: حين ينكمش العالم ويتمدّد
كانت الأمطار هذه الليلة أثقل من المعتاد، وكأن السماء قررت أن تغسل كل شيء بالقوة. صوت قطرات الماء وهي ترتطم بالزجاج كان حادًا، يختلط مع أزيز الرياح التي تعبر النوافذ المتهالكة للمستشفى. ممرات الطابق الثالث بدت أطول مما اعتدتُ، أو ربما كان هذا شعوري فقط، فالمصابيح الفلورية تومض وتترك ظلالًا تتمدد على الجدران كأنها كائنات تتنفس ببطء.
كنتُ في مكتبي، أحاول أن أقرأ ملاحظات الجلسات السابقة، لكن كل حرف كان يبدو أكبر من الآخر، وكأن الصفحة نفسها تتنفس. أغمضت عينيّ للحظة وأخذت نفسًا عميقًا. ليس الآن… عليّ أن أكون ثابتًا.
فتحت الدفتر على صفحة جديدة. موعد المريض التالي الآن. طرق الحارس الباب، وفتح ببطء، ودخل رجل في منتصف الثلاثينيات. خطواته كانت مترددة، كأنه يختبر الأرضية قبل أن يضع قدمه، وعيناه تتحركان في كل اتجاه وكأنه في أرض غريبة.
جلس أمامي، لكن كرسيه ظل يتحرك قليلًا، أو هكذا شعرت… ربما هو من تحرك، أو ربما الكرسي فعلاً كان ينزلق إلى الوراء.
> الطبيب: "أهلاً بك… كيف تشعر الآن؟"
رفع نظره إليّ، وكأن المسافة بيننا أطول مما هي عليه، ثم قال بصوت هادئ فيه ارتعاشة:
> المريض: "أنت… بعيد جدًا. لا… قريب جدًا. وجهك يكبر… ثم يصغر… أنا لا أستطيع تثبيت عيني."
لاحظت أن يديه كانت تضغطان على ذراعي الكرسي بقوة، وكأن التمسك به هو الشيء الوحيد الثابت في عالمه.
> الطبيب: "هل هذا يحدث الآن فقط… أم طوال الوقت؟"
> المريض: "كثيرًا… أستيقظ في الليل فأرى الغرفة تكبر حتى أظن أنني نملة… أو تصغر حتى أشعر أنني محشور في صندوق صغير… حتى يدي أحيانًا أراها تكبر لدرجة أنني أخاف أن تتحطم أصابعي."
أخذ نفسًا متقطعًا، وعيناه تهربان مني كل بضع ثوانٍ، وكأن النظر إليّ يرهقه.
> الطبيب: "كيف بدأت هذه الأعراض؟"
> المريض: "منذ ستة أشهر… بعد أن أصبت بصداع نصفي شديد. بعدها… بدأ كل شيء يتغير. زوجتي… أحيانًا أراها بحجم طفلة، وأحيانًا أراها أطول من الباب. ابني؟ مرة رأيته بلا رأس… ثم عاد كما هو."
كان صوته يختنق عند ذكر العائلة، وشفته السفلى ترتجف. مددت يدي إلى فنجان القهوة لأشرب، لكن للحظة، بدا لي أن يدي أصبحت أطول من المعتاد… وأقرب إلى المريض من الطاولة. رمشت سريعًا وأبعدت نظري.
> الطبيب: "هل يجعلك هذا خائفًا؟"
> المريض: "ليس الخوف… بل الجنون. كيف أفسر لهم أنني لا أرى ما يرونه؟ كيف أعيش إذا كان كل شيء يتغير حجمه أمامي؟ حتى الطريق للعمل… مرة شعرت أن السيارات أصغر من ألعابي القديمة، وكدت أدهس واحدة لأنني لم أصدق أنها حقيقية."
أخذ يضحك فجأة… ضحكة قصيرة، متوترة، ثم وضع يده على جبينه وضغط بقوة.
> الطبيب: "أريدك أن تروي لي أكثر… ماذا تشعر بجسدك أثناء هذه النوبات؟"
> المريض: "أشعر أنني أنكمش… أو أنني أتمدد حتى يوشك جلدي على التمزق. أحيانًا أظن أنني سأعلق بين حالتين… صغير جدًا لأُرى، أو كبير جدًا لأتحرك."
لاحظت أن أنفاسه أصبحت أسرع، وعيناه تتسعان أكثر كلما وصف، وكأن عقله يعيد عيش التجربة الآن.
---
التشخيص الطبي:
الحالة تتوافق مع متلازمة أليس في بلاد العجائب، اضطراب عصبي نادر غالبًا مرتبط بالصداع النصفي، إصابات الدماغ، أو التهابات فيروسية (مثل فيروس إبشتاين–بار). المريض يعاني من تشوه إدراكي للأحجام والمسافات، وقد يشمل ذلك رؤية أجزاء الجسد أكبر أو أصغر من حجمها الفعلي. في الحياة الواقعية، هذه الأعراض قد تدفع الشخص لتجنب الخروج أو القيادة، خوفًا من فقدان إدراكه للمسافات.
---
الملاحظة الرمزية للطبيب:
"أحيانًا… يكبر الخوف حتى يملأ الغرفة، وأحيانًا ينكمش حتى يبدو تافهًا. لكن في كلا الحالتين… هو هناك. وأخشى أن أراه يومًا بالحجم الحقيقي."
أغلقت الملف، لكن حين رفعت رأسي، للحظة شعرت أن الغرفة أطول مما كانت، وأن باب الخروج بعيد… بعيد جدًا.