27 - اللذي يسمع الهمسات خلف الجدران

الفصل 27: المريض الذي يسمع الهمسات خلف الجدران

(اضطراب الاضطهاد – البارانويا)

كانت السماء ملبدة بالسحب، والمطر ينقر على زجاج النوافذ بنغمة متقطعة، أشبه بطرق أصابع غامض على باب عقل مغلق بإحكام. المبنى العتيق للمستشفى النفسي بدا هذه الليلة أكبر وأثقل، جدرانه الرمادية المبللة وكأنها تمتص الضوء من مصابيح الشارع.

أمام الباب الحديدي الكبير، كانت الحراسة مشددة. حتى مع اعتيادي لهذه المشاهد، شعرت تلك الليلة بانقباض في معدتي… ربما بسبب ما قرأته في ملف المريض الجديد.

دخلت الممر الطويل، حيث يختلط صوت قطرات الماء المتساقطة من سقف قديم برائحة معقمات حادة تلسع الأنف. أقدام الحراس تصدر وقعًا متناسقًا، لكنه لا يطغى على همهمة بعيدة من أحد المرضى خلف الأبواب المغلقة. مررت بغرفة المراقبة، نظرت للحظات عبر الزجاج إلى الحراس الذين يحدقون في شاشات المراقبة، كل واحد منهم يبدل وضعية جلوسه بتوتر لا إرادي.

غرفتي كانت في آخر الممر. صغيرة، لكنها مألوفة، جدرانها بلون عاجي باهت، ومكتب خشبي غامق يتوسط المساحة، خلفه كرسي مريح يبدو مكانًا وحيدًا آمنًا في هذا المبنى. على الطاولة كوب قهوة بدأ يبرد، وملف المريض مفتوح على الصفحة الأولى، والصورة المرفقة لا تنقل سوى جزء من القصة: رجل في منتصف الثلاثينات، عيناه متسعتان أكثر مما يجب، ووجهه يحمل تلك النظرة التي تجمع بين الحذر المستميت والتهديد الصامت.

شعرت بصدري يضيق قليلاً قبل أن يُفتح الباب.

دخل الحارس أولاً، يسبق المريض بخطوة. الرجل كان طويل القامة، نحيفًا، يرتدي سترة رمادية مهترئة. عيناه تتحركان بسرعة بين الجدران والسقف والزوايا، وكأنه يفتش عن شيء. لم يلتفت إليّ مباشرة، بل أخذ بضع خطوات بطيئة داخل الغرفة، اقترب من الحائط الأيسر، وضع أذنه عليه لثانيتين، ثم ابتعد فجأة كما لو لسعته الكهرباء.

> أنا: "تفضل، اجلس."

رفع رأسه نحوي لأول مرة. لم يأتِ مباشرة، بل وقف خلف الكرسي لبرهة، يمرر أصابعه على حافته، قبل أن يجلس بحركة بطيئة، كمن يتأكد أن الكرسي غير ملغم.

> المريض: "هل أنت وحدك هنا؟"

أنا: "نعم."

المريض: "أنت تقول نعم، لكني أعرف أنهم خلف الجدار، يستمعون لكل كلمة."

أشرت للحارس بالخروج، وأغلقت الباب بنفسي، محاولًا تهدئة نبرة صوته المرتابة. لكن عيناه بقيتا تتحركان، تلتقطان أي تفصيل صغير، حتى كوب القهوة على مكتبي.

> أنا: "من تعني بـ'هم'؟"

المريض: "هم… أنت تعرف. الذين يضعون الأجهزة. الذين يرسلون الرسائل عبر الأضواء الوامضة في الممر."

أنا: "كيف تعرف أنهم يراقبونك؟"

المريض (يميل للأمام، يخفض صوته): "أسمعهم. أحيانًا، في الليل، يتهامسون عني. يضحكون حين أغمض عيني. حتى هنا… أسمعهم خلف هذا الحائط."

مد يده فجأة، يطرق على الجدار مرتين، ثم يبتسم ابتسامة صغيرة منتصرة، وكأنه أثبت وجودهم.

> أنا: "وماذا يريدون منك؟"

المريض: "يريدون أن يجعلوني أقول أشياء لم أقلها أبدًا. يغيرون أفكاري. أمس… جعلوني أفكر في قتل شخص، لكني لم أرد. لم يكن فكرتي، كانت فكرتهم."

أخذ نفسًا سريعًا، نظر إلى السقف، ثم إلى الباب.

> المريض: "هل ترى هذا الكابل؟" (يشير إلى سلك الإضاءة) "هذا ميكروفون. يسجل كل شيء. حتى الآن، وأنت تكتب، أنت تكتب لهم، أليس كذلك؟"

توقفت عن الكتابة للحظة.

> أنا: "أنا أكتب ملاحظاتي الطبية فقط."

المريض (بحدة): "لا تكذب!"

رفع صوته فجأة، ما جعل قلبي يخفق أسرع. نظرت إلى يديه، كانتا ترتجفان قليلًا، لكن قبضته مشدودة كما لو يستعد للهجوم. أخذت نفسًا عميقًا، وحافظت على نبرة هادئة.

> أنا: "لن أؤذيك، ولا أحد هنا يريد إيذاءك."

المريض (بضحكة قصيرة عصبية): "هذا ما يقولونه قبل أن يفتحوا رأسي."

جلس مرة أخرى، لكن جسده بقي مشدودًا، عيناه تتابعان كل حركة مني.

> أنا: "هل حدث شيء في الماضي جعلك تشعر أن أحدًا يطاردك؟"

المريض: "كنت أعمل في شركة… كنت مميزًا، أذكى منهم جميعًا. لكنهم لم يتحملوا ذلك. بدأوا يخفون أوراقي، يغيرون في بريدي، يرسلون أشخاصًا لمراقبتي في طريقي للمنزل. كنت أراهم في المرايا، خلفي دائمًا. ثم بدأت الرسائل تصل… على الراديو، في الأغاني، في الإعلانات. كل كلمة كانت عني."

صمته بعد ذلك كان ثقيلًا. بقيت أراقبه وهو ينظر للأرض، وشفتيه تتحركان بكلمات غير مسموعة، كأنه يتحدث مع أحدهم هناك.

---

التشخيص الطبي:

المريض يعاني من اضطراب الاضطهاد (Paranoid Delusion)، حيث يفسر المواقف والأحداث بشكل دائم على أنها تهديد أو مؤامرة ضده، حتى دون وجود دليل حقيقي.

قد تكون أسبابه خليطًا من العوامل البيولوجية (خلل في الدوبامين)، والصدمات النفسية السابقة، والعزلة الاجتماعية التي تزيد من حدة الأوهام.

من أمثلة الحياة الواقعية:

شخص يعتقد أن زملاء العمل يضعون السم في قهوته.

شخص يفسر إشارات المرور أو البرامج التلفزيونية كرسائل شخصية له.

شخص يظن أن هاتفه يُراقَب حتى وهو مغلق.

العلاج عادةً يشمل مضادات الذهان، مع جلسات علاج نفسي تدريجي، لكن غالبًا ما يرفض المرضى العلاج لأنهم يشكون في النوايا الطبية نفسها.

---

الملاحظة الرمزية للطبيب:

"الخوف العادي يجعلك تهرب… أما الخوف المزمن فيجعلك ترى العدو في كل الوجوه، حتى وجهك في المرآة. أحيانًا… أخشى أن أكون أنا الجدار الذي يهمس إليه."

2025/08/14 · 34 مشاهدة · 743 كلمة
Siddi Maamar
نادي الروايات - 2026