الفصل 28: شرارة لا تنطفئ
كانت الساعة تشير إلى الثامنة والنصف صباحًا، لكن المستشفى بدا وكأنه يعيش في زمن آخر؛ ضوء النهار بالكاد يتسلل عبر النوافذ العالية الملطخة بآثار المطر، والممرات تضج بصوت خطوات متقطعة وحفيف أوراق الملفات التي يحملها الممرضون. رائحة القهوة الباردة اختلطت برائحة مطهرات الأرضية، لكن شيئًا ما في الجو كان يحمل توترًا غير مرئي، كأنه يستعد لانفجار.
في مكتبي، جلست أحاول قراءة تقرير عن مريض جديد، لكن الكلمات كانت تتراقص أمام عيني، ليس بسبب قلة النوم فحسب، بل بسبب إحساس غريب… إحساس بأن هذه الجلسة لن تكون عادية.
المكتب نفسه كان صغيرًا، جدرانه بلون باهت لا يوحي بالراحة، وعلى الطاولة مصباح مكتبي قديم يبعث ضوءًا أصفر مائلًا للخضرة. الكرسي المقابل لي ظل فارغًا، لكنه كان يفرض حضوره، كأنه ينتظر من سيشغله ليبدأ العرض.
دُفع الباب فجأة، دون طرق. دخل المريض بخطوات سريعة وابتسامة عريضة، كأنه في موعد عمل مهم وليس في مستشفى نفسي. كان في منتصف الثلاثينات، شعره مبعثر لكنه يبدو وكأنه يراه أنيقًا، يرتدي قميصًا بألوان فاقعة غير متناسقة، وحذاءً رياضيًا متسخًا.
جلس على الكرسي دون أن أطلب، ثم نهض فورًا، وبدأ يتجول في الغرفة، يلمس الكتب على الرفوف، يقلب أوراق الملفات، يقترب من نافذتي وينظر خارجها، ثم يعود ليجلس… لكنه يقف مجددًا في ثوانٍ.
> المريض: "دكتور! أنا لا أحتاج علاجًا، أحتاج فرصة. فكرة! سمها ما شئت… بالمناسبة، هل تعلم أنني كنت على وشك اختراع آلة توقف المطر؟ أقسم أنني كنت قريبًا جدًا!"
> الطبيب: "أجلس من فضلك…"
> المريض: "أجلس؟ لا لا، الجلوس يقتل الدماغ. الدماغ يحتاج حركة! انظر، انظر… لو ربطنا الدراجة بثلاجة يمكننا حفظ الطعام بلا كهرباء، بل… بل يمكننا إنقاذ العالم من الجوع!"
كانت كلماته تتدفق بسرعة غير طبيعية، صوته مرتفع ومتقطع، يضحك فجأة في منتصف الجملة، ثم يقفز لموضوع آخر بلا رابط.
> الطبيب: "أخبرني، كم نمت في الليلة الماضية؟"
> المريض: "نمت؟" يضحك "دكتور، النوم مضيعة وقت! لماذا أنام وأنا أملك مليون فكرة تنتظر التنفيذ؟ بالمناسبة، فكرت أن أكتب كتابًا… أو ربما فيلمًا… أو ربما أترشح للرئاسة! أنت ماذا ترى؟"
> الطبيب: "أرى أنك مشتت قليلاً، وهذا قد يكون بسبب—"
> المريض: "مشتت؟! لا، أنا متصل بكل شيء! أنت فقط لا ترى الروابط، لكنها هنا… هنا!" ويشير إلى رأسه بقوة حتى احمر جلده
ثم اقترب من الطاولة فجأة، انحنى للأمام، وبدأ يهمس بصوت conspiratorial:
> المريض: "لكن هناك شيء… شيء لا يعرفه أحد… إنهم يراقبونني، ليس لأنني مجنون، بل لأنني عبقري. وأنا… لن أسمح لهم بسرقة أفكاري."
> الطبيب: "ومن هم هؤلاء؟"
> المريض: "الشركات… الحكومات… ربما حتى أنت، من يدري؟" يضحك ضحكة قصيرة ثم يصفق بيديه فجأة "لكننا يمكن أن نكون فريقًا، دكتور، تخيل ذلك!"
جلس أخيرًا، لكنه ظل يهتز على الكرسي، يغير وضعية جلوسه كل ثانيتين، يلوح بيديه، يقطع كلامه بالضحك أو الصراخ القصير.
سألته عن ماضيه، فأخبرني أنه كان يعيش حياة طبيعية، لكن منذ أشهر شعر بانفجار طاقة داخله، بدأ يسهر الليالي بلا تعب، يضع مشاريع خيالية، يتحدث بلا توقف، وأحيانًا يغضب فجأة إذا لم يواكبه الآخرون.
---
التشخيص الطبي:
هذه الأعراض تتطابق مع نوبة هوس، وهي حالة من النشاط الزائد والطاقة المفرطة، أفكار متسارعة، ثقة مفرطة بالنفس، وانخفاض الحاجة للنوم. غالبًا تكون جزءًا من اضطراب ثنائي القطب، لكن في بعض الحالات تظهر منفردة.
الأسباب قد تشمل اختلالات كيميائية في الدماغ، خاصة في النواقل العصبية مثل الدوبامين، أو عوامل وراثية، أو محفزات مثل التوتر الشديد.
في الحياة الواقعية، نوبات الهوس قد تدفع الشخص لاتخاذ قرارات مالية كارثية، الدخول في مشاريع غير واقعية، أو التصرف بعدوانية إذا تعارض الآخرون مع اندفاعه.
---
الملاحظة الرمزية للطبيب:
"هناك طاقة في بعض المرضى تشبه النار… تدفئ من بعيد، لكنها تحرق كل من يقترب أكثر من اللازم. وأنا… لا أعرف إن كنت أدفأ بها أم بدأت أشتعل."