الفصل 29: تحت الجلد

كانت الساعة تقارب الواحدة ظهرًا، والشمس في الخارج تضرب جدران المستشفى البيضاء بقسوة، حتى صار لونها أشبه بصفرة الشمع المذاب. الهواء في الممرات ثقيل، والمراوح المعلقة في السقف تدور ببطء كسلحفاة تحتضر. كان الجو خانقًا لدرجة أن حتى رائحة المطهّر الطبي بدت لزجة، تلتصق بالحلق.

جلست خلف مكتبي، أتابع الملفات أمامي، لكن حرارة النهار كانت تتسلل حتى إلى رأسي، تثقل أفكاري. في الجهة المقابلة، نافذة صغيرة مغلقة بستارة رمادية تتحرك مع كل نفس يزفره جهاز التكييف المتهالك. شعرت بصداع خفيف، وددت لو أن الجلسة القادمة تُلغى، لكن الحارس طرق الباب بصوت جاف، ودخل طفل لا يتجاوز التاسعة، يداه ترتجفان وهو يمسك بكم قميصه بشدة.

جلس على الكرسي الخشبي، قدماه بالكاد تلمسان الأرض، عيناه تراقبان الأرضية وكأنه يخشى أن يلتقي بعيني. كانت أظافره قصيرة لكنها متسخة، يمررها بلا وعي على جلده، يحك ساعده بحركة عصبية، ثم يغير مكان الحكة إلى رقبته، ثم ساقه.

– "مرحبًا… كيف حالك اليوم؟"

لم يرفع رأسه، واكتفى بهمهمة غير مفهومة.

– "هل تشعر بألم في مكان ما؟"

هز رأسه بالنفي، ثم فجأة قال بصوت خافت:

– "إنهم لا يتركونني."

توقفت عن الكتابة، ورفعت نظري إليه:

– "من تقصد؟"

رفع رأسه ببطء، وعيناه الواسعتان كانتا مليئتين بتعب أكبر من عمره:

– "الحشرات… إنها في جلدي… تمشي… أسمعها."

سكتُّ للحظة، أحاول أن أبقي ملامحي هادئة، لكن معدتي انقبضت.

– "أي نوع من الحشرات؟"

– "لا أعرف… صغيرة… لكنها تهمس أحيانًا. ليلاً، تتحرك ببطء، وتبدأ بالحفر."

مد أصابعه الصغيرة إلى عنقه وحكّ بقوة، حتى احمر الجلد.

– "انظر… هنا! هل تراها؟ إنها تختبئ."

اقتربت قليلًا، أُمسك بمعصمه برفق:

– "لا يوجد شيء الآن، ربما هو مجرد إحساس…"

قاطعني بعنف:

– "أنت لا تصدقني! لا أحد يصدقني! لكني أراها… حتى أمي تقول إني أتخيل، لكنها لا تعرف أنهم سيخرجون يومًا ما… ويأخذونني من الداخل."

كان صوته يرتفع تدريجيًا، وبدأت عيناه تدمعان، ليس من الحزن بل من الانفعال الحاد.

– "هل تظن أني غبي؟ أسمعهم يضحكون أحيانًا… يضحكون بداخلي."

حاولت أن أهدئه:

– "أنا أصدقك… أريد فقط أن أعرف منذ متى بدأ الأمر."

توقف للحظة، يتنفس بسرعة، ثم قال بصوت مهتز:

– "منذ الصيف الماضي، بعد أن لسعتني نحلة… في البداية كانت لسعة فقط… ثم بدأوا يأتون واحدًا واحدًا."

لاحظت أنه يتجنب النظر مباشرة إليّ، وعيناه تتحركان في أرجاء الغرفة وكأنه يراقب شيئًا غير موجود. كان يحك أصابعه بين الحين والآخر، ويهز قدمه بعصبية.

– "هل حاولت إخراجهم من جلدك؟"

ابتسم ابتسامة صغيرة لكنها كانت مشوهة، وقال:

– "مرة… جربت السكين، لكن أمي صرخت وأخذتها مني. لا بأس… سأجد طريقة أخرى."

ذلك الرد كان كفيلًا بأن أشعر ببرودة تسري في أطرافي. الطفل يتحدث عن إيذاء نفسه وكأنها فكرة يومية.

حاولت أن أغير نبرة الحوار قليلًا:

– "ماذا لو أخبرتك أنهم ليسوا حقيقيين، وأن عقلك فقط يتخيلهم؟"

ارتجف، ثم اقترب بكرسيه خطوة للأمام، همس وكأنه يكشف سرًا خطيرًا:

– "إنهم قالوا لي إنك ستقول ذلك… قالوا إنك جزء منهم."

عندها فهمت أنني أمام حالة متقدمة من متلازمة إيكبوم عند طفل، مع هلاوس سمعية وربما بداية فصام مبكر.

---

التشخيص الطبي:

الحالة تشير إلى متلازمة إيكبوم (Delusional Parasitosis) وهي اضطراب ذهاني يعتقد فيه المريض أن جسمه مصاب بالحشرات أو الطفيليات رغم عدم وجود دليل طبي. عند الأطفال، هذا الاضطراب نادر جدًا لكنه قد يرتبط بصدمة نفسية أو بداية اضطراب فصامي. الإحساس بالحكة واقتناع المريض بوجود الطفيليات يجعله عرضة لإيذاء نفسه. في بعض الحالات، يمكن أن تتطور الأعراض إلى عزلة اجتماعية أو سلوك عدواني تجاه الذات.

أمثلة واقعية:

– طفلة في العاشرة حاولت نزع جزء من جلدها بأظافرها لأنها كانت مقتنعة أن النمل يعيش تحت جلدها.

– مراهق في الخامسة عشرة غمر ذراعيه في ماء مغلي لقتل "الديدان" التي كان يتوهم وجودها.

---

الملاحظة الرمزية للطبيب:

"بعض الأجساد لا يسكُنها الألم فقط… بل أوهام تنمو كالحشرات، لا يراها أحد، لكنها تنهش من الداخل بلا توقف. وأحيانًا… أنا أشعر بشيء يزحف تحت جلدي أيضًا."

2025/08/14 · 29 مشاهدة · 613 كلمة
Siddi Maamar
نادي الروايات - 2026