الفصل 30: من يسكن بيتها ليس والديها

كانت الساعة التاسعة صباحًا، لكن ضوء الشمس لم يتمكن من اختراق الضباب الكثيف الذي يغطي المدينة. الأشجار خلف المستشفى بدت كظلال باهتة، والهواء في الممرات كان بارداً على غير العادة. أصوات الأقدام على الأرضية الملساء تتردد بين الجدران، مختلطة بصفير جهاز تعقيم الهواء في السقف. كان صباحًا صاخبًا على عكس الأمسيات المعتادة، إذ اجتمع عدد من الأهالي في بهو الاستقبال، كلٌّ يحمل ملامح القلق كمن يحمل حجراً ثقيلاً على صدره.

كنت في مكتبي، أحاول إنهاء تقرير عن حالة البارحة، لكن شعورًا غريبًا كان يرافقني منذ وصلت. ربما هو الضباب، أو كثافة المرضى الجدد، أو ربما ذلك الإحساس المزعج الذي يسبق مقابلة حالة غير عادية.

فتحت الباب لأطلب من الحارس إدخال المريضة التالية. وبعد دقيقة، ظهرت الطفلة. كانت لا تزيد عن تسع سنوات، بشعر بني داكن يتدلى على كتفيها، لكنه بدا غير ممشط جيدًا، وكأنها رفضت أن تلمسه يد أحد. ترتدي فستانًا بسيطًا لونه كريمي باهت، وجوارب طويلة، وحذاء أسود برباطين غير مربوطين بإحكام. كانت عيناها واسعتين، تحدقان بي من خلف خصلات الشعر المتساقطة على وجهها، وفي نظرتهما مزيج من الحذر والعداء.

جلست على الكرسي الخشبي المقابل لمكتبي دون أن أنتظر مني الدعوة. وضعت كفيها على حجرها، لكن أصابعها كانت تتحرك باستمرار، تفتل طرف الفستان وكأنها تخيط شيئًا وهميًا.

– "كيف تشعرين اليوم؟"

رفعت رأسها ببطء، وكأنها تزن السؤال.

– "لست هنا لأخبرك عن شعوري… أنا هنا لأنهم يريدون أن يصدقوني."

– "ومن هم الذين لا يصدقونك؟"

– "الكل… أمي، أو التي تدّعي أنها أمي… وأبي… أو الشخص الذي يحاول أن يتصرف كأنه أبي."

كتبت ملاحظة سريعة، ثم سألتها:

– "لماذا تعتقدين أنهم ليسوا والديك؟"

ضحكت ضحكة قصيرة بلا فرح، ثم مالت بجسدها للأمام، همست:

– "إنهم يشبهونهم… نعم. نفس الوجه، نفس الصوت، حتى نفس الملابس. لكنهم ليسوا هم. أمي الحقيقية لم تكن تضع الملح في الحساء بهذه الطريقة، وأبي الحقيقي لم يكن يطرق باب غرفتي قبل الدخول. هؤلاء يتصرفون كما لو أنهم قرأوا كتابًا عن عائلتي ويحاولون تمثيله."

– "ومتى بدأ هذا الإحساس؟"

– "في يوم الثلاثاء… أتذكر لأنني كنت عائدة من المدرسة. وجدت أمي في المطبخ، لكن طريقة وقوفها لم تكن صحيحة… أمي لا تضع يدها اليسرى على الخصر وهي تطبخ، هذه تفعل. عرفت فورًا أن هناك خطبًا ما."

كانت تتحدث وكأنها تقدم دليلًا في محكمة. يداها تتحركان لتوضيح النقاط، حاجباها ينعقدان عند ذكر التفاصيل.

– "هل تحدثتِ مع أحد قبل والديك عن هذا الأمر؟"

– "نعم… أخبرت معلمتي. لكنها قالت إنني أتخيل. وفي اليوم التالي، جاء 'أبي' إلى المدرسة لاصطحابي. لكنني لم أذهب معه. جلست في الفصل حتى غادر، لأنني كنت متأكدة أنه سيأخذني إلى مكانهم، حيث يحتفظون بمن يسرقونهم."

ارتجفت أصابعها وهي تروي ذلك، لكن لم يكن ارتجاف خوف، بل غضب مكبوت.

– "وماذا عن والديك الحقيقيين، أين تعتقدين أنهم الآن؟"

هزت رأسها ببطء، ثم قالت:

– "لا أعرف… لكني أسمع أصواتهم أحيانًا، في الليل، تأتي من الخزانة. يهمسون باسمي، ويقولون لي ألا أصدق أي شيء يفعله الآخرون."

شعرت ببرودة غريبة تسري في ظهري، لكن أبقيت وجهي بلا تعبير. كتبت: "هلاوس سمعية مصاحبة لمعتقدات اضطهادية – تطابق مع متلازمة كابغراس عند الأطفال."

– "هل تسمحين لي أن أسألك… هل تخافين منهم؟"

– "لا… لكنني لا أنام إلا إذا وضعت الكرسي أمام باب غرفتي. أحيانًا أضع السكين تحت وسادتي. إذا حاولوا أخذي…"

لم تكمل جملتها، فقط شبكت أصابعها بقوة، ونظرت إلى الأرض.

قضينا نصف ساعة إضافية نتحدث عن طفولتها قبل "الاستبدال". وصفت لي والدتها الحقيقية بدقة شديدة، كيف كانت تسرّح شعرها، كيف كانت تغني لها في المساء، وحتى كيف كانت رائحة معطفها. ثم انتقلت لوصف "المحتالين" بنفس الحدة، مؤكدة على اختلافات صغيرة ربما لا يلاحظها أحد غيرها.

التشخيص الطبي:

الحالة تشير إلى متلازمة كابغراس (Capgras Syndrome)، وهو اضطراب ذهاني يعتقد فيه المريض أن أشخاصًا مقربين تم استبدالهم بمحتالين متشابهين. عند الأطفال، قد يرتبط ذلك بالفصام المبكر، أو إصابات عصبية، أو حتى التهابات دماغية. في الحياة الواقعية، وُثقت حالات لأشخاص رفضوا الاعتراف بأحد أفراد العائلة، وأحيانًا كانوا يتصرفون بعدائية شديدة تجاه "المستبدلين".

الملاحظة الرمزية للطبيب:

"أصعب ما في الأمر أن تدرك أن عالم الطفل قد انكسر… لكنه يصر على إعادة تركيبه بصورة لا مكان لك فيها."

2025/08/14 · 19 مشاهدة · 654 كلمة
Siddi Maamar
نادي الروايات - 2026