الفصل الحادي والثلاثون: الجمال الفارغ

كانت السماء زرقاء بشكل مزعج في ذلك الصباح، بلا غيمة واحدة لتكسر صفاءها. أشعة الشمس دخلت المستشفى من النوافذ الكبيرة، لكن لم تبعث الدفء في الممرات، بل بدت باردة كما الرخام تحت القدمين. كان صوت خطوات الممرضات يتردد في الجدران البيضاء، يصاحبه رنين خفيف من عربة معدنية تُدفع ببطء.

جلست في مكتبي أراجع ملفات المرضى. وبينما كنت أضع ملفًا على الآخر، توقفت عند اسم لم أره من قبل. الملاحظات الطبية كانت قصيرة بشكل يثير القلق: "طفلة… مظهر جميل بشكل استثنائي… عدم استجابة انفعالية… احتمال اضطراب عصبي – عاطفي."

حين فُتح الباب، شعرت للحظة أن المكان تغيّر. دخلت الطفلة بخطوات هادئة، متساوية، بلا أي تردد أو خجل. لم تتجاوز العاشرة من عمرها، شعرها الطويل الفضي تقريبًا ينسدل على كتفيها كخيوط ضوء، وعيناها الواسعتان بلون الرماد المائل إلى الأزرق، تشبهان مياهًا راكدة في بحيرة شتوية. وجهها كان مثالياً إلى درجة مربكة، لكن ما أفسد هذا الكمال هو غياب الحياة فيه… لا ابتسامة، لا حزن، لا قلق… فقط فراغ ثابت.

جلست أمامي دون أن أنبس بكلمة. وضعت يديها الصغيرتين فوق حجرها، وأبقت أصابعها متلاصقة، كأنها تعلمت هذا الوضعية من كتاب تعليم آداب الجلوس.

– "كيف تشعرين اليوم؟"

نظرت إلي مباشرة، بصوت خالٍ من أي نبرة:

– "لا أشعر."

– "لا تشعرين… بماذا؟"

– "بأي شيء."

أحسست للحظة أن الجواب لم يكن اعترافًا، بل حقيقة مطلقة بالنسبة لها. كتبت ملاحظة، ثم سألت:

– "هل يمكنك أن تخبريني آخر مرة شعرتِ فيها بالسعادة؟"

– "لا أعرف كيف تبدو السعادة."

– "والحزن؟"

– "الحزن كلمة أسمعها كثيرًا. لكن لا أعتقد أنني اختبرته."

رفعت حاجبيّ قليلًا، ثم حاولت اختبارها:

– "تخيلي لو أن أحدًا أخذ لعبتك المفضلة، ماذا ستفعلين؟"

– "سأخبره أن يعيدها. إذا لم يفعل، سأشتري غيرها. لماذا أزعج نفسي؟"

– "وإذا فقدتِ شخصًا تحبينه؟"

– "لن يعود… إذن لا داعي للبكاء."

كان ردها جملة مثالية من الناحية المنطقية، لكنها مجرّدة من أي حرارة إنسانية.

مددت أمامها صورة لقط صغير، عادةً ما تثير عاطفة الأطفال، لكنها نظرت للصورة لثانيتين فقط، ثم أعادت نظرها إلي.

– "إنه قطة… ماذا تريد مني أن أقول؟"

حاولت التعمق أكثر:

– "ماذا عن الضحك، هل تضحكين مع أصدقائك؟"

– "لا أرى سببًا يجعلني أضحك. الضحك تصرف غريب… تحريك عضلات الوجه وإخراج صوت مرتفع."

– "ولماذا تظنين أن الآخرين يضحكون إذن؟"

– "ربما… ليشعروا أنهم متشابهون مع بعضهم."

صمتّ للحظة وأنا أراقبها. كانت جالسة بلا حركة، تنظر إلي كما ينظر تمثال لزائره. حتى رمشاتها كانت بطيئة، محسوبة.

– "هل يمكنك أن تبتسمي لي الآن؟"

حركت شفتيها قليلًا في محاولة ميكانيكية لرسم قوس، لكن النتيجة كانت أقرب إلى grimace بارد.

– "هل هذا يكفي؟"

كتبت في الملاحظات: "احتمال اضطراب في الفص الجبهي أو خلل في نظام المعالجة العاطفية – انعدام المشاعر الإرادية."

عندما طلبت منها أن تخبرني عن حياتها قبل القدوم، قالت ببساطة:

– "كنت أعيش في بيت كبير. الناس هناك يتحدثون كثيرًا عن أشياء لا أفهم لماذا تهمهم. كانوا يحاولون أن يجعلوني ألعب، أو أبكي، أو أضحك… لكنهم يبدون متعبين لأنهم لم ينجحوا."

– "ومن هم هؤلاء الناس؟"

– "يقولون إنهم عائلتي."

---

التشخيص الطبي:

الحالة تشير إلى انعدام الوجدان العاطفي (Affective Flattening) أو انخفاض الاستجابة الانفعالية، وهي عرض قد يرتبط باضطرابات عصبية كإصابات الدماغ الأمامية أو بعض أشكال الفصام، أو قد يكون جزءًا من متلازمة نادرة تعطل القدرة على التعبير أو حتى الإحساس بالمشاعر. في الحياة الواقعية، يصف بعض المرضى الأمر وكأن "اللون اختفى من العالم".

الملاحظة الرمزية للطبيب:

"أحيانًا يكون أخطر ما قد يصيب الإنسان… ليس الألم، بل غيابه."

2025/08/14 · 19 مشاهدة · 554 كلمة
Siddi Maamar
نادي الروايات - 2026