الفصل الثالث: انعكاسات على الزجاج المكسور
دخل عليّ شاب نحيل، كتفاه منحنيتان وكأن العالم يضغط عليهما بثقل لا يطاق. كانت عيناه واسعتين، لكنهما لا تركزان في نقطة محددة؛ تتحركان كما تتحرك أيدي الغريق بحثًا عن أي شيء يمسك به. جلس على الكرسي المقابل، وبدأ يحدّق في زجاج نافذتي المشروخة، الزجاج الذي لم أجد وقتًا لإصلاحه… أو ربما لم أرد إصلاحه.
— "هل ترى ذلك؟"
لم أجب.
— "هناك وجه خلف الزجاج. ليس وجهك."
ابتسمت، ابتسامة الطبيب المتمرّس الذي سمع آلاف الجمل الغريبة من مرضاه، لكن في داخلي… شعرت بشيء يلتف حول معدتي. لأنني أنا أيضًا، في الليلة الماضية، رأيت شيئًا خلف ذلك الزجاج.
بدأ يحكي، صوته متقطع، كأن كل جملة كانت معركة:
"هو ليس إنسانًا. يشبهني… لكنه أكبر، جلده مشدود، وعيناه بلا جفن. كل ليلة يقف هناك، يطرق ببطء، ويقول إنه جاء ليحلّ مكاني."
كتبت الملاحظات: احتمال فصام مع هلاوس بصرية وشمية (ذكر لاحقًا أنه يشم رائحة صدأ عند حضوره).
لكن قلمي توقف للحظة… لأني كتبت الجملة نفسها في ملف مريض آخر قبل أسبوع — ذلك المريض لم يكن سوى انعكاس وجهي في المرآة عندما لم أنم ثلاثة أيام.
سألته عن طفولته، فحكى عن أم كانت تغلق باب غرفته بإحكام، تقول إنها تخاف عليه من "شيء في الظلام". لم يره حينها، لكن منذ عام، بعد وفاة أمه، بدأ يراه يوميًا.
تفسير منطقي: حزن شديد حفّز الذهان الكامن.
تفسير آخر، لا أجرؤ على كتابته: ربما هو الشيء نفسه الذي يزورني.
تغير صوته فجأة، صار أبطأ، أعمق:
"أنت تعرفه، أليس كذلك؟ هو حدثك عني قبل أن آتي."
شعرت بالعرق البارد يتجمع أسفل ظهري. حدّقت فيه طويلاً… وكتبت: تحويل ذهاني، إسقاط معتقدات على الآخرين.
لكن في تلك الليلة، حين غادرت، وجدت على نافذة مكتبي الأثر الواضح لراحة يد… يد أكبر من يدي.
---
بعد أيام، جلست في مقهى بعيد، أمام طبيب نفسي أعرفه منذ سنوات. حكيت له القصة — أو على الأقل، الجزء الذي أستطيع نطقه دون أن أفقد مصداقيتي. أنصت بصمت، ثم أخرج دفتره وكتب:
> "أعراضك ليست كلها انعكاسًا لمشاكل مرضاك. بعض الأعراض… أصيلة."
سألته ماذا يعني. فقال وهو يضع يده على كتفي:
> "أنت لا تراقب الجنون فقط، أنت تغرق فيه. ببطء… لكن بثبات."
لم أرد. فقط نظرت إلى الشارع، حيث انعكس وجهي في نافذة الحافلة المارة. للحظة، أقسم أن الوجه الذي نظر إليّ… لم يرمش.
---
تحليل الحالة:
المريض يعاني من فصام ذهاني متقدم مع هلاوس بصرية وشمية، مرتبطة بصدمة فقد الأم وتاريخ بيئة قمعية.
لكن… في مكان ما، بين السطور، ربما يوجد مريض آخر لم نذكره في التقارير.
ملاحظة الطبيب (بخط مرتجف):
> أحيانًا، لا يكون الفرق بين الطبيب والمريض سوى توقيع أسفل الصفحة.