الفصل الرابع: المريض رقم 41
حين فُتح الباب هذه المرة، لم يدخل المريض فورًا.
بقي واقفًا عند العتبة، نصف جسده داخل الغرفة، والنصف الآخر في الممر، وكأنه لا يستطيع العبور كاملًا إلى أي مكان.
> "هل ستدخل؟"
> "لا أستطيع… ليس بعد." — قالها بصوت خافت، يراقب الزوايا الأربعة للغرفة بعينين متسعتين.
أدرت رأسي قليلًا نحو المقاعد، في إيماءة هادئة، لكنني في داخلي شعرت بشيء ثقيل، إحساس غير مبرر بأن الهواء في الغرفة صار أثقل.
بعد دقيقة كاملة، دخل بخطوات صغيرة، ووقف أمام الكرسي لكنه لم يجلس. كان يرتدي معطفًا أسود طويلًا، حتى في هذا الطقس الدافئ.
سألته:
> "هل أنت مرتاح للجلوس؟"
هز رأسه بالنفي، ثم أخرج من جيب معطفه دفترًا صغيرًا، أوراقه مهترئة ومغطاة بخط صغير متداخل.
وضعه على مكتبي، ثم تراجع خطوة للخلف.
> "هذا… سجلّهم."
> "سجل من؟"
> "الذين يراقبونني… كل تحركاتي. منذ خمس سنوات، أكتب عنهم، عن متى يمرّون أمام نافذتي، وعن الأصوات التي يتركونها خلفهم. كل ما هو هنا… دليل."
بدأت أفتح الدفتر، لكن يده أمسكت به بسرعة مدهشة، كأن فتحه دون إذنه سيحرر شيئًا لا يجب أن يُرى.
> "لا… ليس الآن. يجب أن تعرف أولًا القاعدة: إذا فتحت الدفتر، فلن يكونوا بعيدين."
كتبت في ملاحظاتي: اضطراب ذهاني مزمن – منظومة اضطهاد مترسخة، احتمالية فصام بارانويدي أو اضطراب وهامي.
سألته:
> "هل يقتربون منك جسديًا؟"
ابتسم ابتسامة صغيرة، لكنها كانت مليئة بالرهبة:
> "لا يحتاجون إلى ذلك… يكفي أن أنظر إلى أي ظل… وسيعرفون ما أفكر فيه."
جلس أخيرًا، لكنه أبقى المعطف مغلقًا بإحكام، ويداه مخبأتان في جيوبه، كأنه يحمي نفسه من هجوم محتمل.
> "قبل أسبوع، سمعتهم عند باب شقتي… كانوا يتهامسون… يذكرون اسمك."
توقفت عن الكتابة لثانية. قلبي تسارع بلا سبب منطقي.
> "اسمي؟"
> "نعم… قالوا إنك تعرف أكثر مما يجب… وإنهم سيراقبونك أيضًا."
لسبب لم أفهمه، وجدت نفسي أعدل جلستي، وأفحص الزوايا البعيدة من الغرفة، وكأن عقله المريض بدأ يزرع بذور حذره داخلي.
حاولت العودة لنبرتي المهنية:
> "هذه مخاوف شديدة، لكنها قابلة للعلاج… سنعمل على تهدئتها."
هو، بابتسامة باردة:
> "لن تهدأ… أنت فقط ستعتاد عليها."
أنهينا الجلسة بعد ساعة، لكن حين خرج، ظل الباب مفتوحًا بضع ثوانٍ. كنت أستطيع أن أقسم أن هناك حركة خافتة في الممر، لكنني لم أتحقق.
---
التشخيص:
فصام بارانويدي مزمن مع منظومة اضطهاد واسعة المدى.
الخطورة: مرتفعة من حيث استمرار الهلاوس السمعية والأفكار الاضطهادية، مع احتمالية ضعف الامتثال للعلاج.
الخطة: دواء مضاد للذهان طويل المفعول، مع جلسات علاج معرفي وتثقيفي.
---
أسباب الإصابة بالفصام البارانويدي (شرح الطبيب):
هذا النوع من الفصام غالبًا لا يظهر فجأة، بل يتطور على مدى سنوات. أسبابه خليط معقد من العوامل:
1. العامل الوراثي:
إذا كان أحد الوالدين أو الأقارب من الدرجة الأولى مصابًا بالفصام، تزيد الاحتمالية بشكل واضح. غالبًا ما نجد جذور القلق أو الاضطراب النفسي في شجرة العائلة.
2. الخلل الكيميائي في الدماغ:
زيادة نشاط مادة الدوبامين في مناطق معينة من الدماغ تخلق بيئة خصبة للهلاوس والأوهام. هذه الزيادة تجعل الدماغ يفسر الأصوات العادية أو الظلال العشوائية كتهديدات.
3. الضغط النفسي المستمر:
مثل العزلة الطويلة، فقدان الوظيفة، أو التعرض المستمر للتنمر أو الإيذاء النفسي. في حالة هذا المريض، خمس سنوات من العيش في خوف دائم جعلت عقله يبحث عن تفسير… حتى لو كان التفسير غير واقعي.
4. تعاطي المخدرات:
بعض المواد مثل الأمفيتامينات أو الحشيش بكميات كبيرة يمكن أن تسرّع ظهور الأعراض أو تزيدها سوءًا.
مثال واقعي:
في إحدى الدراسات، مريض شاب عاش وحده في شقة مظلمة لمدة سنتين تقريبًا، بدأ يسمع أصواتًا ليلاً، ثم تطورت إلى يقين بوجود أشخاص يراقبونه من خلال ثقوب في الجدران. نفس النمط تقريبًا تكرر هنا، مع اختلاف التفاصيل.
---
ملاحظة الطبيب:
"هناك كلمات، حين تُقال… لا تعود ملك قائلها، بل تصبح ملكًا لكل من يسمعها، وتظل عالقة في الهواء، حتى الطبيب نفسه قد يسمعها في ليله."