الفصل الخامس: المريضة رقم 42
حين دخلت، كان العطر يسبقها… لكنه لم يكن عطرًا بالمعنى التقليدي، بل خليط غريب من المسك القديم ورائحة شيء محترق.
جلست دون أن تنظر إلي، يداها متشابكتان بإحكام على حجرها، أظافرها منغمسة في جلدها حتى الاحمرار.
> "أنتِ في أمان هنا." — قلتها بهدوء، لكنني شعرت وكأنها لم تسمع.
عيناها كانتا تتحركان ببطء، تتفحصان الجدران، السقف، حتى قدميّ أنا.
ثم قالت بصوت منخفض:
> "كم مرة سيحترق البيت قبل أن يصدقوني؟"
كتبت ملاحظة سريعة: احتمالية اضطراب ما بعد الصدمة، مع محتوى وهامي محتمل.
سألتها:
> "ما الذي يحترق؟"
ابتسمت، لكن شفتيها كانتا ترتجفان:
> "البيت… دائمًا نفس البيت… نفس الغرفة… لكن النار لا تقتلني، فقط توقف كل شيء… حتى عقارب الساعة."
توقفت عن الكتابة لوهلة، هذا النوع من الصور الذهنية عادة ما يرتبط بصدمة قوية أو حدث متكرر.
> "منذ متى ترين هذا الحلم؟"
> "ليس حلمًا." — قاطعتني بسرعة، بنبرة حادة.
"أنا أعيش في بيت آخر… لكن كل بضعة أيام أستيقظ لأجد رائحة دخان حقيقية، وأحيانًا آثار سواد على جدران المطبخ، مع أن الموقد مطفأ. لا أحد يصدقني… حتى أمي تقول إنني أتخيل."
جلست في كرسيها وكأن جسدها يريد أن ينسحب إلى الداخل، مثل قوقعة.
ثم همست:
> "في كل مرة، أسمع خطوات في الممر قبل أن تبدأ النار… خطوات ثقيلة، بطيئة… تتوقف عند باب غرفتي."
بدأت أشعر بشيء من القشعريرة في رقبتي.
حاولت أن أتمسك بصوتي المهني:
> "وهذه الخطوات، هل هي صوت شخص تعرفينه؟"
أجابت بثقة غريبة:
> "لا… لكنه يعرفني جيدًا."
كتبت ملاحظاتي بصمت، لكنها أضافت:
> "لو قلت لك اسمه، سيتغير وجهك… ولن تستطيع النوم الليلة."
صمتت بعدها، وظلنا في حالة من الصمت الثقيل، حتى سمعت فجأة من خارج العيادة صوت حذاء يجر على الأرض.
لم أعرف إن كان صدفة… أم أن عقلها المريض بدأ يؤثر على أذني أنا أيضًا.
---
التشخيص:
اضطراب ما بعد الصدمة مع سمات وهامية وحسية شمية كاذبة (Olfactory hallucinations).
الخطورة: متوسطة، مع قابلية التصعيد إلى ذهان كامل إذا استمرت الأعراض بدون علاج.
---
أسباب الإصابة باضطراب ما بعد الصدمة المصحوب بالهلاوس الحسية:
1. التعرض المباشر لحدث صادم شديد:
مثل النجاة من حريق حقيقي، أو مشاهدة شخص يحترق، أو فقدان أحد الأقارب في حادث مماثل. الدماغ يعيد تشغيل المشهد باستمرار، وأحيانًا يضيف له عناصر جديدة (كالخطوات أو الروائح) لملء الفراغات.
2. الإحساس الشمي القوي أثناء الحادث:
الرائحة من أكثر الحواس ارتباطًا بالذاكرة العاطفية. إذا كانت المريضة قد شمّت دخانًا أو حريقًا في الحدث الأصلي، يمكن أن يعيد الدماغ إنتاج هذه الرائحة حتى في غياب مصدرها.
3. العامل النفسي الشخصي:
الأشخاص الذين لديهم طبيعة عصابية أو ميل للقلق الشديد أكثر عرضة لتطور الأعراض الحسية بعد الصدمات.
4. العزلة وقلة الدعم الاجتماعي:
عدم تصديق العائلة أو المحيط يجعل المريض يدخل في دائرة الانسحاب والانفصال عن الواقع، ما يفتح المجال لتضخم الأعراض.
مثال واقعي:
في دراسة على ناجين من حريق مبنى سكني، وُجد أن 30% منهم استمروا في شم رائحة الدخان يوميًا رغم غياب أي مصدر حقيقي، و15% تطورت لديهم أوهام بأن الحريق "سيعود" بشكل دوري.
---
ملاحظة الطبيب:
"هناك روائح لا تأتي من الخارج، بل من أماكن أعمق… حيث يختبئ الخوف نفسه، ويعرف طريقه لأنفك حتى في أعمق نومك."