الفصل السادس: المريض رقم 6
كانت الساعة تقترب من منتصف الليل حين دخل المريض رقم 6، وهو آخر موعد في جدول اليوم. أكره الجلسات الليلية… فالليل يترك المسافة بين العقول أضيق، ويجعل الهواجس أكثر جرأة.
كان رجلاً في منتصف الأربعينيات، طويل القامة، نحيلًا إلى درجة بدا وكأنه ظلّ شخص آخر. عيناه غائرتان، وجفناه يتحركان بخفة لا إرادية، كما لو كان يتابع حركة غير موجودة. جلس دون أن يطلب الإذن، وأسند ظهره إلى الكرسي ببطء، ثم أخرج من جيبه ورقة صغيرة ووضعها على المكتب.
> "هذه ليست رسالة، إنها قائمة."
تناولت الورقة. كانت مكتوبة بخط متعرّج:
الباب الأمامي.
النافذة الشرقية.
المرآة الكبيرة.
درج المطبخ الثالث.
سألته:
> "ما هذه القائمة؟"
ابتسم نصف ابتسامة، لكنها لم تصل إلى عينيه:
> "هذه هي نقاط الدخول. أماكن يمكنهم أن يأتوا منها. أنا أراقبها كل ليلة، وأدوّن أي تغير."
> "ومن هم؟"
> "لا أعرف… لم أرهم. لكني أشعر بهم… وأحيانًا أشم رائحتهم. مزيج من الصدأ والرطوبة."
توقف عن الكلام فجأة، وأخذ يحدق في زاوية الغرفة اليمنى، حيث لا يوجد شيء. لحظات طويلة مرّت قبل أن يرمش.
قلت محاولًا كسر الصمت:
> "هل تعيش وحدك؟"
> "كنت… لكنهم أخذوا زوجتي. لا، لم يقتلوها… أخذوها إلى مكان حيث لا يُسمع فيه الصوت."
أحسست بعضلة في فكي تشد نفسها، لكنني أخفيت انزعاجي بابتسامة صغيرة:
> "هل حاولت التحقق مما إذا كانت بخير؟"
هز رأسه ببطء:
> "اتصلت… لكن الهاتف يرن مرة واحدة فقط ثم يختفي الصوت. ليس انقطاعًا… بل صمتًا كثيفًا، كأن الخط يفتح على الفراغ."
كانت يداه ترتجفان وهو يتحدث، وأظافره قصيرة كأنه يقضمها كثيرًا. سألته:
> "هل تشعر بالخوف الآن؟"
أجاب دون تردد:
> "الخوف شعور قديم… أنا الآن في مرحلة ما بعد الخوف. أنتظر فقط اللحظة التي يقررون فيها أنني لم أعد صالحًا للمراقبة."
صمت، ثم أضاف بصوت أكثر انخفاضًا:
> "حتى أنت، يا دكتور… ربما لست أنت."
لم أعلّق، لكنني شعرت بنبضة سريعة في صدري.
---
التشخيص:
المريض يعاني من اضطراب ضلالات اضطهادية (Paranoid Delusion)، يتمثل في قناعة ثابتة غير قابلة للتغيير بأن هناك من يراقبه ويحاول إيذاءه. هذه الأفكار ليست قابلة للتفنيد بالمنطق أو الدليل.
أسباب الإصابة المحتملة:
1. العوامل النفسية: التعرض المستمر للضغط النفسي أو الصدمات السابقة، خاصة فقدان شخص مقرّب في ظروف غامضة أو مأساوية.
2. العوامل البيولوجية: اختلال في كيمياء الدماغ (الدوبامين خاصة)، مما يضخم استجابة الدماغ للمنبهات المحايدة ويحوّلها إلى تهديدات.
3. الأمثلة الواقعية:
شخص يفسر كل حركة غريبة في الشارع كعلامة على أنه مراقَب.
موظف يعتقد أن زملاءه يتآمرون لفصله رغم عدم وجود دليل.
ملاحظة الطبيب:
"كلما طال الليل، ازداد يقيني بأن جدران العيادة تعرف أكثر مما تقول… وأنا، رغم علمي، ما زلت أجلس هنا وأستمع."