الفصل الثامن: المريض رقم 14 – أكل الظلال
كانت الساعة تشير إلى السابعة مساءً، والهواء في أروقة المصح يثقل مع كل خطوة. رائحة المطهّرات ممزوجة بشيء آخر… شيء يشبه الرطوبة القديمة التي تتسرب من جدران المباني المهجورة.
دخل المريض رقم 14 برفقة حارسين. لم يكن مكبّل اليدين، لكنهما لم يبتعدا عنه للحظة، وكأنهما يعرفان أن قيوده ليست معدنية… بل عقلية.
جلس أمامي دون أن أنتظر دعوته، وضع مرفقيه على الطاولة وانحنى نحوي ببطء، ابتسامة صغيرة متيبسة على شفتيه.
قال:
> "أتعلم ما المشكلة في العالم يا دكتور؟ الناس يخافون مما لا يستطيعون لمسه."
سألته وأنا أدوّن:
> "وأنت… لا تخاف مما لا يمكن لمسه؟"
ضحك، ضحكة طويلة وغير متناسقة، ثم اقترب أكثر حتى شعرت بحرارة أنفاسه:
> "أنا لا أخاف الظلال… أنا ألتهمها."
صمت لثوانٍ. كنت أراقب وجهه: عيناه لا تركزان عليّ مباشرة، بل على نقطة خلف رأسي، وكأن شيئًا يتحرك هناك.
سألته:
> "ماذا تقصد بأكل الظلال؟"
أجاب بنبرة طفل يروي سرًا خطيرًا:
> "عندما ينام الناس، تتسرب ظلالهم من تحت الأبواب… أنا أفتح النافذة وأدعها تدخل. ثم…"
أخرج لسانه ببطء، كما لو كان يتذوق ذكرى.
"ثم أبتلعها، كي لا تعود إليهم. بدون ظل، يصبح الإنسان… فارغًا."
كتبت ملاحظة: "هلاوس بصرية + منظومة فكرية طقوسية، احتمال اضطراب ذهاني مع سمات سادية".
سألته:
> "وماذا يحدث بعد أن يأخذ الشخص ظلّه؟"
ابتسم:
> "يتوقف عن الصراخ."
ارتجفت يدي دون أن أشعر.
سألته:
> "هل سبق وأن أكلت ظلّ أحد هنا في المستشفى؟"
أجاب فورًا:
> "كل ليلة تقريبًا. حتى أنت يا دكتور… لكنك لم تلحظ بعد."
ارتفع نبض قلبي. لم أرد أن يظهر عليه ذلك، فأغلقت دفتري بهدوء.
قلت:
> "هل تسمح لي أن أسألك، متى بدأت هذه… العادة؟"
جلس مستقيمًا وأجاب:
> "كنت في الثامنة، وكانت أمي تغلق النوافذ بإحكام. قالت إن الظلال تسرق الأطفال. لكنني كنت أرى الحقيقة… الظلال هي التي تُسرق. وأنا كنت المنقذ."
هنا، بدأ يصف بالتفصيل كيف كان "ينقذ" الناس من ظلالهم، مستخدمًا أوصافًا مرعبة: كيف تتحرك الظلال، كيف تصرخ بلا صوت، كيف تتشبث بالجدران.
كنت أدونه كلمة بكلمة، وأنا أحاول ألا ألتفت وراء ظهري.
---
التشخيص الطبي:
المريض يعاني من اضطراب ذهاني شديد مع هلاوس بصرية وسمعية، مصحوب بأوهام طقوسية. يظهر أيضًا ميل سادي ولذة في السيطرة على الآخرين عبر تخيّل إيذائهم على مستوى رمزي (أكل الظلال).
أسباب محتملة للإصابة بهذا النوع من الاضطرابات:
1. الصدمة الطفولية المبكرة: مثل العنف الأسري أو الإهمال، مما يولد منظومة رمزية بديلة لفهم العالم.
2. العزلة الاجتماعية المفرطة: تؤدي إلى فقدان تدريجي للاتصال بالواقع، مع ابتكار نظام إدراكي خاص بالمريض.
3. الوراثة: وجود تاريخ عائلي للأمراض الذهانية يزيد من قابلية الإصابة.
4. المحفزات البيئية: مثل العيش في أماكن مظلمة أو مغلقة لفترات طويلة، ما يضخم حساسية الدماغ للصور الظلية والأصوات الخافتة.
الملاحظة الرمزية للطبيب:
"بعض الظلال لا تسكن الأرض… بل تلتف حول عقولنا، حتى نظن أن ابتلاعها هو الطريق الوحيد للخلاص."