الفصل التاسع: الطفل الذي لا يعرف الحزن

ملاحضة : سليم مجرد اسم مزيف

كانت السماء رمادية في ذلك الصباح، وكأنها غيمة ثقيلة جثمت على صدر المدينة.

المطر لم ينزل بعد، لكنه كان معلقًا في الهواء، رطبًا وباردًا، يخترق العظام قبل الجلد.

وقفت عند بوابة المشفى للحظة، أراقب الممر الطويل المؤدي إلى الجناح النفسي للأطفال.

ذلك الممر كان دائمًا أشبه بالأمعاء الملتوية لمبنى يحتضر…

جدران شاحبة، ألوانها تآكلت بفعل السنين، وأضواء فلوريسنت معلقة في السقف، تصدر طنينًا خافتًا وكأنها تتنفس ببطء.

تقدمت ببطء. كان الهواء هنا يملك رائحة مزدوجة:

المطهر الطبي الحاد… وفوقه طبقة باهتة من رائحة عفن الخشب المبتل، كأن المطر قد زار الجدران من قبل وترك أثره.

في نهاية الممر، كانت غرفة رقم (14).

ملف صغير ينتظرني على الطاولة أمام الباب: "المريض: سليم، 9 سنوات."

الملحوظة الأولى في الملف أربكتني قليلًا: "لا يظهر أي انفعال عاطفي – غير قادر على الإحساس بالحزن أو الخوف أو الفرح."

دخلت الغرفة، فوجدته جالسًا على الكرسي، قدماه تتأرجحان بهدوء في الهواء.

عيناه واسعتان، لكنهما بلا حياة، كأنهما لوحتان زجاجيتان تنعكسان فقط ولا تكشفان شيئًا.

ابتسمت ابتسامة هادئة وجلست أمامه.

> الطبيب: "صباح الخير، سليم."

سليم: "صباح الخير."

(قالها بنفس نبرة قراءة كلمة في كتاب مدرسي، بلا أي دفء.)

تأملت وجهه… لا شد في الحواجب، لا بريق في العينين، لا أثر لأي انفعال.

كان يراقبني ببرود كأنني حشرة علقت على زجاج النافذة.

> الطبيب: "كيف كان يومك؟"

سليم: "عادي."

الطبيب: "وماذا فعلت البارحة؟"

سليم: "أكلت… ونمت."

صوته كان مستقيمًا تمامًا… بلا ارتفاع أو انخفاض، بلا تردد أو حماس.

كأن الكلمات مجرد حجارة يسقطها واحدًا تلو الآخر.

قررت تغيير الأسلوب. أخرجت صورة من درج مكتبي، صورة كلب صغير يركض في العشب.

وضعتها أمامه.

> الطبيب: "ماذا ترى هنا؟"

سليم: "كلب."

الطبيب: "كيف تشعر حين تراه؟"

سليم: "لا شيء."

ثم أخرجت صورة أخرى: طفل يبكي ودموعه على خده.

> الطبيب: "وهذا؟"

سليم: "يبكي."

الطبيب: "لماذا تعتقد أنه يبكي؟"

سليم: "ربما وقع. أو أحدهم ضربه."

الطبيب: "وماذا تشعر تجاهه؟"

سليم: "لا شيء."

ذلك "لا شيء" كان كصفعة باردة في الغرفة.

ليس لأنه لم يفهم… بل لأنه لم يرَ معنى للشعور أصلًا.

تقدمت قليلًا في الحوار.

> الطبيب: "سليم، هل سبق أن شعرت بالخوف؟"

سليم: "لا."

الطبيب: "والحزن؟"

سليم: "لا."

الطبيب: "والفرح؟"

سليم: "لا."

ثم أضاف بعد لحظة، وكأنه يذكر حقيقة علمية:

> "أحيانًا أضحك… لكن ليس لأنني سعيد، بل لأن الناس يتوقعون أن أضحك."

شعرت بشيء ثقيل يستقر في معدتي. هذا الطفل لا يعرف المشاعر، لا يعرف ما تعنيه كلمة "أحبك" أو "أفتقدك".

هو يتعامل مع الحياة كما يتعامل عالم الحشرات مع عينة في مختبر: ملاحظة… وتصنيف… وانتهاء.

كتبت في ملاحظاتي: "اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع – شكل مبكر (انعدام المشاعر العاطفية). يحتاج إلى تقييم معمق."

---

أسباب محتملة للإصابة بهذا الاضطراب عند الأطفال:

1. العوامل الوراثية: بعض الدراسات تشير إلى أن نقص الاستجابة العاطفية قد يكون موروثًا جزئيًا.

2. الإهمال العاطفي المبكر: طفل لم يتلقَ حضنًا دافئًا أو لم يسمع كلمات طيبة في سنواته الأولى، يكبر كأنه يتعلم لغة بلا مفردات.

3. الصدمة النفسية المبكرة: حوادث عنيفة أو فقدان أحد الوالدين في سن صغيرة، قد تغلق نوافذ الشعور كآلية دفاع.

4. البيئة العدوانية: النمو في بيت مليء بالصراخ أو العنف، يجعل المشاعر عبئًا يختار الطفل التخلص منه.

---

عندما خرج سليم من الغرفة، بقيت جالسًا وحدي للحظة.

كان المطر قد بدأ بالخارج، يطرق الزجاج كأصابع تبحث عن ملجأ.

ورغم أنني طبيب، ورغم أنني أعرف التفسير العلمي لما رأيته…

شعرت بشيء غامض يزحف نحوي من الداخل، همسة تقول:

"حتى الجدران الباردة لا تبقى باردة إلى الأبد… بعضها يتعلم كيف يتجمد من الداخل."

2025/08/13 · 35 مشاهدة · 564 كلمة
Siddi Maamar
نادي الروايات - 2026