العودة إلى الوطن
كانت أشعة شمس الظهيرة الذهبية تغمر ساحة القصر في مملكة آيرم، حيث تجمع الجميع لتوديع حلفائهم. لكن الجو لم يكن جاداً تماماً، لأن ريفرييا كانت مشغولة بمضايقة إنتوس كالعادة.
وقفت الملكة دنيا أمام باب القصر الرئيسي، ووجهها الشاحب يشرق بابتسامة خفيفة. كانت ترتدي فستانها الأزرق الداكن، وتاجها الزجاجي يلمع فوق رأسها. إلى جانبها، وقف ميكور بدرعه الحديدي الصدئ، ومستشارها العجوز، والساحر سلمي وتلميذته مريين.
أمامهم، وقف لينياس وحاشيته. كان يرتدي بدلته السوداء المطرزة بالذهب، وعباءته القرمزية ترفرف خلفه كالعلم. إلى جانبه، وقفت إنتوس، وعيناها البنفسجيتان تنظران إلى الملكة ببرود واضح.
"صاحبة الجلالة"، قال لينياس بصوته الهادئ. "لقد حان وقت عودتنا إلى ديارنا. لكن هذا ليس وداعاً. إنه بداية تحالف جديد."
الملكة دنيا أومأت برأسها، وعيناها الزرقاوان تلمعان بالدموع:
"شكراً لك، يا صاحب الجلالة. شكراً لكل ما فعلته من أجلنا."
"لا تشكريني"، قال لينياس بابتسامة خفيفة. "لقد فعلت ما كان يجب فعله."
وفي تلك اللحظة، همست ريفرييا في أذن إنتوس بصوت مسموع للجميع:
"انظري إلى الملكة المسكينة. إنها تنظر إلى سيدنا وكأنه حلوى شهية. أعتقد أنها ستقترح الزواج عليه مرة أخرى."
احمر وجه إنتوس غضباً، وصرخت بصوت عالٍ:
"اسكتي أيتها العجوز الشمطاء! سيدنا لا يهتم بالملكات البائسات!"
الملكة دنيا ارتبكت واحمر وجهها، بينما لينياس تنهد بتعب:
"إنتوس، ريفرييا، توقفا عن هذا. نحن في حضور ملكة."
"سامحني يا سيدي"، قالت إنتوس بخجل، ثم ألقت نظرة قاتلة على ريفرييا وأضافت: "لكن هذه العجوز تستحق صفعة على وجهها القبيح."
ريفرييا ضحكت ضحكة ساخرة:
"قبيح؟! انظري إلى نفسك يا فتاة! أنتِ تبدين كدجاجة مبللة بعد المطر!"
"أنا؟! دجاجة؟! وأنتِ شمطاء عجوز تبحث عن الشباب الأبدي!"
لينياس رفع يده وأوقفهما، وصوته كان حاداً:
"كفى! كلتاكما مثل طفلتين تتشاجران على لعبة!"
محمود الذي كان واقفاً إلى جانب الملكة، همس لـ رورا:
"هل هما دائماً هكذا؟"
رورا هزت كتفيها ببراءة:
"لا أعرف، لكنهما مضحكتان. أعتقد أنهما تحبان بعضهما."
ضحك محمود من أعماق قلبه، وجذب انتباه الجميع. احمر وجهه خجلاً، وقال:
"آسف... آسف... لقد كان مجرد... ضحكة عصبية."
لينياس نظر إليه بفضول:
"هل هناك شيء مضحك يا محمود؟"
"لا... لا شيء، يا صاحب الجلالة. فقط... رورا قالت شيئاً مضحكاً."
رورا نظرت إليه بدهشة:
"أنا؟! أنا لم أقل شيئاً مضحكاً! أنت الذي ضحكت مثل حمار!"
"حمار؟!" صرخ حمود باندهاش. "أنا لست حماراً!"
"أنت تبدو كحمار"، قالت رورا ببراءة. "عندما تضحك، تصدر صوتاً غريباً."
انفجر هيكروس ضاحكاً بصوته الهادر، وكاد يسقط من قوته:
"هاهاها! حمار! هذا مضحك! أنت فعلاً تبدو كحمار يا محمود!"
احمر وجه محمود خجلاً، وتنهد بتعب:
"لماذا الكل ضدي اليوم؟"
الملكة دنيا ابتسمت، وشعرت بارتياح غريب. كانت هذه المرة الأولى منذ سنوات التي تضحك فيها. حتى لو كان الضحك على حساب فارسها الشاب.
"محمود"، قالت الملكة بلطف، "لا تأخذ الأمر على محمل الجد. رورا فقط تمزح معك."
رورا نظرت إلى الملكة بدهشة:
"أنا؟! أمزح؟! أنا لا أمزح! أنا جادة! محمود يبدو حقاً كحمار عندما يضحك!"
انفجر الجميع بالضحك، حتى لينياس ابتسم ابتسامة خفيفة.
محمود وضع يده على وجهه بتعب
بعد ساعات من السفر، كان لينياس واقفاً على ظهر تنينه الذهبي، ينظر إلى الأفق البعيد. الرياح كانت تعصف بشعره الأبيض الطويل، وعباءته القرمزية ترفرف خلفه كالعلم.
إلى جانبه، وقفت إنتوس، وكانت عيناها البنفسجيتان تنظران إلى الأمام بحلم. لكن ريفرييا كانت أيضاً هناك، وكانت تتثاءب بملل شديد.
"يا إلهي، كم هذا ممل"، قالت ريفرييا وهي تمدد ذراعيها. "ساعات وساعات ونحن نطير فوق هذا المكان الموحش. أليس هناك شيء ممتع لنفعله؟"
إنتوس نظرت إليها بغضب:
"مثل ماذا؟ أن تمزقي أحداً إرباً؟ أيتها العجوز المخبولة"
"فكرة ممتازة!" قالت ريفرييا بحماس. "لدي اقتراح: لماذا لا نلقي هذه الفتاة المزعجة من على ظهر التنين؟" قالت كلامها وهي تنظر إلي لينياس
إنتوس اشتعل غضبها، وصرخت:
"أنتِ ستموتين قبل أن تلمسيني!"
"جربي ذلك، يا صغيرة!"
لينياس تنهد بتعب:
"هل يمكنكما التوقف عن هذا لخمس دقائق فقط؟"
إنتوس و ريفرييا نظرتا إليه بخجل:
"سامحني يا سيدي."
"سامحيني يا صاحب الجلالة."
لينياس هز رأسه بتعب:
"أنا أتساءل كيف تحملت العشيرة كل هذه السنوات معكما."
ريفرييا ابتسمت ابتسامة ماكرة:
"لأنني جميلة، وهذا يعوض كل شيء."
إنتوس كادت تقيأ من هذه الكلمة:
"جميلة؟! أنتِ قبيحة من الداخل والخارج!"
"وأنتِ؟!" سخرت ريفرييا. "أنتِ مجرد خروف صغير لايعرف سوي النطح!"
لينياس رفع يده وأوقفهما بحدة:
"كفى! إذا لم تتوقفا، سأجبركما على السير على الأرض طوال الطريق!"
توقفت المرأتان فوراً، ونظرتا إلى بعضهما بغضب، لكنهما صمتتا.
سيريوس الذي كان جالساً بعيداً، همس لـ إنجوس:
"هل تعتقد أنهما ستتوقفان يوماً؟"
إنجوس زفر دخان سيجارته:
"لا. أعتقد أنهما ستستمران حتى نهاية العالم."
"نساء قلعتنا مجنونات بالفعل"، قال سيريوس بتعب.
وقفت إليفيا أمام بوابة القلعة مع مئات الخدم، تستقبل سيدها. كانت ترتدي فستاناً بنفسجياً طويلاً، وشعرها البنفسجي منسدلاً على كتفيها. إلى جانبها، وقفت سنوريا وهي تمسك برمحها الذهبي، وعيناها الذهبيتان تتألقان بالترقب.
انحدر لينياس من على ظهر التنين، وسار نحو البوابة. كان القادة العشرة يسيرون خلفه، وجيشهم المتألئ يسير خلفهم.
ركعت إليفيا على ركبة واحدة، وقالت بصوتها العذب:
"نرحب بعودة سيدنا المباركة. لقد افتقدناك كثيراً."
لينياس رفع يده وأشار إليها أن تقف:
"إليفيا، كم مرة أخبرتك ألا تفعلي هذا؟"
ابتسمت إليفيا ابتسامة خجولة:
"أنا أعلم، يا سيدي. لكن هذا واجبي."
ريفرييا التي كانت خلفه، همست لـ إنتوس:
"انظري إلى هذه الخادمة المتواضعة. إنها تحاول أن تبدو مثالية. أعتقد أنها تريد أن تكون زوجته."
إنتوس احمر وجهها غضباً:
"اسكتي! إليفيا خادمة مخلصة، وليست مثل بعض العاهرات!"
"أنا؟! عاهرة؟!" صرخت ريفرييا.
"كفى!" صرخ لينياس بصوت عالٍ لدرجة أن الطيور طارت من الأشجار. "سأغلق فميكما بنفسي إذا لم تتوقفا!"
ساد الصمت فجأة. حتى إليفيا تجمدت في مكانها وهي تنظر إلى سيدها الغاضب.
إنتوس و ريفرييا نظرتا إلى بعضهما ثم إلى لينياس:
"سامحني يا سيدي."
سنوريا التي كانت واقفة بجانب البوابة، همست لـ إليفيا:
"هل هما دائماً هكذا؟"
إليفيا تنهدت بتعب:
"هذه مجرد البداية. انتظري حتى يبدآن في تبادل الصفعات."
سنوريا اتسعت عيناها:
"صفعات؟!"
"نعم. إنه مشهد لا ينسى."
في زنزانة قلعة بنتوس، كانت لنخع ترتجف في الظلام. كانت مقيدة بالسلاسل الثقيلة، وجروحها لا تزال تنزف.
سمعت خطوات تقترب، ثم ظهر إنجوس أمام قضبان الزنزانة. كان يدخن سيجارته بهدوء، وعيناه الخضراوان تنظران إليها ببرود.
"لنخع، هذه هي زنزانتك الجديدة. ستعيشين هنا حتى نقرر ما سنفعله بكِ."
لنخع رفعت رأسها بصعوبة:
"أرجوك... أرجوك لا تتركوني هنا... أنا خائفة..."
"يجب أن تكوني خائفة"، قال إنجوس بصوته الثقيل. "لقد فعلتِ أشياء فظيعة."
فجأة، ظهرت ريفرييا من خلف إنجوس، وكانت تبتسم ابتسامة ماكرة:
"إنجوس، هل يمكنني أن ألعب معها قليلاً؟"
إنجوس نظر إليها بارتياب:
"ماذا تقصدين بـ 'تلعبين'؟"
"فقط... بعض المزاح الخفيف !!."
لنخع صرخت من الرعب:
"لا! أرجوك! ابتعدي عني!"
ريفرييا قهقهت وسحبت يدها:
"لا تقلقي، أنا أمزح. لكن إذا تصرفتِ بشكل سيء..." وتركت كلماتها معلقة في الهواء
إنجوس هز رأسه بتعب:
"ريفرييا، اذهبي واتركيها وشأنها. سيدنا يريدها حية."
"حسناً، حسناً"، قالت ريفرييا وهي تنسحب. "لكن المتعة ستأتي يوماً ما."
لنخع تنفست بارتياح، لكنها كانت تعلم أن أيامها القادمة لن تكون سهلة.
دخلت إنتوس الغرفة بهدوء، وحملت معها صينية فضية عليها كأس من العصير الذهبي. كانت ترتدي ثوب نوم أبيض بسيطاً، وشعرها الأسود منسدلاً على كتفيها كالحرير.
"سيدي، لماذا لا تشرب شيئاً؟ أنت لم تأكل شيئاً طوال اليوم."
لينياس لم يلتفت إليها، وظل ينظر إلى الأفق:
"لست جائعاً، يا إنتوس."
"إذن، على الأقل اشرب هذا العصير. إنه مفيد للجسم ."
التفت لينياس إليها أخيراً، وابتسم ابتسامة خفيفة:
"أنتِ دائماً تهتمين بي، أليس كذلك؟"
إنتوس احمرت وجنتاها:
"هذا واجبي، يا سيدي."
"أنتِ أكثر من مجرد خادمة، يا إنتوس. أنتِ... صديقتي."
ارتسمت ابتسامة عريضة على وجه إنتوس، لكنها تلاشت فجأة عندما سمعت صوتاً من الخارج:
"أوه، يا لها من لحظة رومانسية! هل يجب أن أغادر؟"
كانت ريفرييا تقف في الباب، وهي تبتسم ابتسامة ساخرة.
إنتوس اشتعل غضبها:
"ماذا تفعلين هنا؟!"
"جئت لأرى إن كان سيدنا بحاجة إلى أي شيء. لكن يبدو أنكِ تقومين بذلك بالفعل."
زمجرت إنتوس غاضبة
لينياس تنهد بتعب
"حسناً، حسناً. لكن تذكري يا إنتوس، إذا حاولتِ تقبيله، فسأكون هناك لأشاهد."
إنتوس صرخت ورمت وسادة على ريفرييا التي قفزت بعيداً وهي تضحك:
"هاهاها!!"
أغلقت إنتوس الباب بغضب، وعادت إلى لينياس بخجل:
"سامحني يا سيدي... هذه العجوز لا تفهم الاحترام."
لينياس ابتسم ابتسامة خفيفة:
"لا بأس، يا إنتوس. لقد اعتدت على جنونها."
"لكنني لم أعتد عليه!" صرخت إنتوس. "سأقتلها يوماً ما!"
في غرفة المعيشة العامة في قلعة بنتوس، كان القادة العشرة مجتمعين بعد العشاء. إنجوس كان يدخن سيجارته، هيكروس كان يأكل قطعة ضخمة من اللحم، سيريوس كان يقرأ كتاباً، وريفرييا وإنتوس كانتا تتشاجران كالعادة.
"أنا أقول أن سيدنا سيختارني زوجة له!" صرخت إنتوس.
"و أنا أقول أنه سيختارني!" ردت ريفرييا. "أنا أكثر جمالاً وخبرة!"
"خبرة؟! في ماذا؟! في مص الدماء كالباعوض؟!"
"لا، في التعامل مع الرجال!"
لينياس دخل الغرفة فجأة، وتوقف الجميع عن الكلام. نظر إليهم بفضول:
"ماذا تفعلان؟"
إنتوس و ريفرييا تبادلتا نظرات محرجة:
"لا شيء، يا سيدي."
لينياس نظر إلى الجميع بتعب:
"حسناً، طالما أن الجيع هنا... أريد أن أقول شيئاً."
وقف الجميع بانتباه