........
لا شيء يضيع بسهولة… حتى الأشياء التي نعتقد أننا نسيناها، تبقى هناك، في زوايا لا نلتفت إليها.
أراقب عقارب ساعتي وهي تتحرك ببطء، أشعر كأنها تتعمد استفزازي. الدقيقة السابعة والثلاثون… لقد تأخر. خمس دقائق فقط، لكنها كافية لجعل الشك يتسلل إلى رأسي. هل كان عليّ أن آتي أصلًا؟
أرفع كوب القهوة إلى شفتي، لا لأشربه، بل لأشغل نفسي بشيء آخر غير التفكير. الطاولة أمامي فارغة، لا أحد يجلس على الكرسي المقابل. لكنني لا أشعر بالوحدة، ليس تمامًا… هناك دائمًا شيء يراقب، فكرة عالقة، ذكرى لم تُمحَ بعد.
لماذا الآن؟ لماذا بعد سنتين من الصمت؟
أحدق في الباب الزجاجي للمقهى، أراقب الوجوه التي تدخل وتخرج. لا أحد يبدو مألوفًا. في الطاولة المجاورة، هناك رجل يعبث بخاتمه، حركة متكررة تدل على توتره. النادلة تضع طلبات الزبائن لكنها تبدو شاردة. هناك رجل مسن يقرأ الجريدة لكنه لم يقلب الصفحة منذ أن دخلت. الجميع منشغلون، لكنني أشعر بشيء… كأن هناك توترًا غير مرئي في الهواء.
أخفض نظري إلى ملعقتي، أتلاعب بها على الطاولة بينما أقرر… سأنتظر خمس دقائق أخرى، ثم سأغادر. ربما كانت مجرد مزحة، أو ربما كان شيئًا آخر، شيئًا لا أريد التفكير فيه الآن.
لكن بالطبع، لا شيء يسير كما أريد.
لحظة اتخاذي قراري، يُفتح باب المقهى، ويصلني وقع خطوات ثابتة. أعرف هذا الإيقاع… أعرفه جيدًا.
أرفع رأسي ببطء… وعيناي تلتقي بعينين كان من المفترض ألا أراهما هنا.
…
يقف أمامي دون أن يقول شيئًا، تمامًا كما توقعته. حتى ملامحه لم تتغير كثيرًا، لا دفء، لا انفعال، فقط صلابة باردة. لا يتحرك، ولا أنا. وكأننا في مواجهة غير معلنة، وكأننا نقيس المسافة بيننا بعد كل هذا الوقت.
أرفع حاجبي قليلًا، لكنه لا يتحدث. بالطبع لن يفعل، لم يكن يومًا الرجل الذي يبدأ بالكلام.
أخيرًا، يسحب الكرسي المقابل ليجلس، يضع يديه فوق الطاولة كأنه في اجتماع عمل، ثم يقول بصوت هادئ لكنه خالٍ من أي شعور:
"لم أتوقع أن تأتي."
أبتسم بسخرية، أميل برأسي قليلًا، وأجيبه بنفس البرود: "وأنا لم أتوقع أن تتصل."
إنها أول مرة أسمع فيها صوت والدي منذ عامين.
أتنفس ببطء، محاولًا ألا أسمح لأي شيء قديم بالخروج إلى السطح. لم أعد ذلك الطفل الذي ينتظر منه شيئًا، لم أعد ذلك المراهق الذي كان يحاول لفت انتباهه… أنا الآن مجرد شخص يجلس أمامه، بلا توقعات، بلا مشاعر.
"كان يجب أن نلتقي." يقول، وكأنه يلقي جملة بلا معنى، شيء روتيني، شيء لا يحمل أي أهمية حقيقية.
لا أجيب. أنظر إليه، أتأمله كما لو أنني أراه للمرة الأولى. لا أشعر بشيء تجاهه. لا غضب، لا حنين، لا شوق. مجرد… فراغ.
يلاحظ صمتي، فيميل برأسه قليلاً، وكأنه يختبر ردة فعلي.
"أنت صامت."
"وأنت غامض."
ترتسم ابتسامة خافتة على وجهه، بالكاد مرئية. "لم تتغير."
أشعر بإرهاق مفاجئ، وأرد: "وأنت كذلك."
الصمت بيننا يصبح أكثر ثقلاً. الجو داخل المقهى دافئ، لكنه يبدو باردًا حول طاولتنا. أشعر كأنني جالس في غرفة مليئة بالجليد، حتى القهوة فقدت طعمها.
وأخيرًا، ينظر إليّ مباشرة ويقول:
"أنت تعمل في الشرطة الآن."
ليس سؤالًا، بل ملاحظة.
أضع كوب القهوة جانبًا وأصحح له: "محقق."
"أرى ذلك."
لا يوجد أي فخر في صوته، لا حتى اعتراف بسيط بأنني فعلت شيئًا يستحق الذكر. بالطبع… لم أكن يومًا الشخص الذي يريده، لم أكن الابن الذي يفخر به. كنت دومًا ظِلًا غير ضروري في العائلة، مجرد شيء موجود لكنه ليس مهمًا.
إذن، لماذا الآن؟
"لماذا أردت مقابلتي؟" سألته مباشرة.
عيناه تبقى ثابتة، وكأنه يفكر في الطريقة المناسبة للإجابة. ثم يقول، ببساطة شديدة، وكأنها حقيقة غير قابلة للنقاش:
"أخوك الأكبر في خطر."
…