الفصل الأول: ولادة من نهر القدر
---
خارج المنطقة الاساسية من غابة "ستار دو" العظيمة، حيث كان ظلّ الشجر يرقص على أنفاس الريح، جلست بيبي دونغ بجوار جثة أرنبٍ ذي عظام لينة، بالغٍ من العمر 100000عام ، . كانت تمتصّ بخاتمها الروحي التاسع آخر ما تبقّى من عظمته الروحية.
فتحت عينيها ببطء، وطوت شفتيها على ابتسامة باردة. التفت إليها أحد نبلاء "دولو" وسألها بلهفة:
— "جلالتك، كيف تشعرين؟"
ضحكت بيبي دونغ، وكان ضحكها كصليل الخناجر:
— "ههه... أفضل مما تتمنّون. لقد عملتم بجد، وعند عودتكم، سيتكافؤن جيدآ
فانحنى الحشد بخشوع:
— "نشكرك يا جلالتك!"
---
لكن في تلك اللحظة، اهتزّت السماء فجأة.
كأن ستاراً من نسيج الليل مزّقته يدٌ خفيّة، انشقت السماء الصافية عن وهجٍ أبيض غريب، ليس له شبهٌ برعدٍ ولا ببرق. كان نهراً نورانياً يتدفّق من شقّ الزمان، تموجت أمواجه بلازورديةٍ سائلة، وكأن القدر نفسه جرى في عروق الأثير. ،هبطت نحو الأرض بالقرب من بيبي دونغ، فارتطمت بصمتٍ تاركةً حفرةً تنبض بوهجٍ باقٍ.
سكت الجميع. حتى الريح توقفت.
تقدم دولو الذي يحمل اللقب القديم، وقال بصوتٍ مرتجف:
— "
"جلالتك... هذه الظاهرة ليست كأي شيء شاهدناه في حياتنا. لم تكن صاعقةً، ولا تحوّل وحشٍ روحي، ولا حتى لعنةً من روحٍ هائجة. لقد كان ضياءً غريبًا، باردًا وحارًا في آنٍ واحد، وكأنه نبض لكائن حي، لكنه ليس من روح ولا من جسد. لقد شعرت به في عظامي، يا جلالتك، شعرت وكأن شيئًا ما في السماء قد انفتح، وكأنه... وكأنه بابٌ لم يكن مفترضًا أن يُفتح. لم نتعلم عن مثل هذا في كتب الأسلاف، ولا في أساطير قاعة الروح . لكن قلبي يقول لي: هذا ليس من صنع البشر، ولا من صنع الوحوش الروحية. هذا شيء آخر، شيء أكبر. هل تأذنين لنا بالاقتراب ومعاينته؟""
حدّقت بيبي دونغ في الاتجاه الذي ارتطم به النهر السماوي، وقالت بنبرةٍ لا تقبل التردد:
— "حسناً. هيّا بنا."
ومشى الجميع خلفها كصفٍّ من الظلال، يخوضون في أرضٍ غدت فجأةً مقدّسة.
---
عند فوهة الحفرة التي شقّها النهر الأبيض ، لم يجدوا وحشاً، ولا كنزاً، ولا أثراً لروح.
وجدوا طفلاً.
كان يرقد في قلب الحفرة، محاطاً بغشاءٍ من ضوءٍ أزرق شفاف، كأن القدر لفه بشرنقة من حرير السماء. وجهه كالقمر في ليلةِ تمام، وعيناه مغمضتان بهدوئين لا يشبهان مولوداً هبط من احتضار الأثير.
رفع دولو الطفل بين يديه، ففاضت عينا الرضيع بالدموع وبكى. لكن حين حملته بيبي دونغ، هدأ فجأةً، ومدّ يديه الصغيرتين الممتلئتين نحو وجهها، فضحك كالأجراس.
ارتسمت على وجه البابا القاسية ابتسامةٌ لم يرها أحدٌ من قبل. كانت كطلوع فجرٍ على أرضٍ محروقة.
نظر الحاضرون بعضهم إلى بعض، مصعوقين. كيف لامرأةٍ توجّت بالحديد والدّم أن تلين أمام طفلٍ غريب؟ لكنهم عرفوا أن في قلبها ما لا يدركون، وأن سلطانها لم يكن ليناً بالصدفة.
---
قالت بيبي دونغ، دون أن ترفع عينيها عن الطفل:
— "لنعد."
والتفتت نحو قاعة الأرواح، فتبعها الجمع كالموجة.
لكن أحد الأساقفة من رتبة "كونترا" تجرّأ وسأل:
— "جلالتك... وهذا الطفل؟"
توقّفت بيبي دونغ. ثم نظرت إليه بنظرةٍ باردة كثلج الأبدية:
— "من اليوم فصاعداً، هذا الطفل ابني."
ساد الصمت. حاول الأسقف أن يحتجّ بكلمةٍ عن "الزنا"، لكن كلماته لم تكتمل إلا في حنجرته. اخترقته روح بيبي دونغ القتالية كالسهم، فسقط جثةً هامدة.
رفعت صوتها، وهزّت الأرض تحت قدميها:
— "من يشكّ في قراري اليوم، سينتهي به المطاف مثله فهل فهمتم؟"
قالوا جميعاً بصوتٍ واحدٍ مرتجف:
— "فهمنا، يا جلالتك!"
---
وفي ذلك المساء، في أعماق الغابة، سمع التنين العملاق ديتيان صوتاً نسائياً يتردّد من كلّ صوب، كأن السماء نفسها تتكلّم:
— "ديتيان."
ارتجف الجبّار الذي يكسو السواد، وتمدّد على الأرض بكلّ ذلّ، عيناه الذهبيّتان تخفقان بالخوف. قال الصوت مجدداً:
— "احفظ هذا: متى أتى هذا الفتى إليك، فأطِعْه مهما طلب. وإن أخطأ... فأنت المسؤول."
شعر ديتيان ببردٍ يتسرّب إلى نخاع عظامه، لكنه أجاب بصوتٍ مبحوح:
— "حاضرٌ، يا سيدتي..."
وتساءل في نفسه: من يكون هذا الطفل حتى تحميه السيدة نفسها؟
---
وفي مكانٍ آخر، إلى جوار بحيرة الحياة، بكى أرنبٌ وردي صغير على جثة أمه المضرّجة بالدماء، يلهث:
— "أمي... أمي... لا أستطيع فتح عينيّ لأرى شيا وو..."
وبكى حتى انقطع صوته، وسماء الغابة صامتة لا تجيب.
---
داخل قاعة "ووهون"، كان الطفل الرضيع مستلقياً على سريرٍ من حرير، يغطّ في نومٍ أعمق من البحر.
دخل تشيان داوليو، شيخ البابا الأكبر، فرأى بيبي دونغ تحدّق في الطفل، ونظراتها ليست نظرات حاكمٍ، بل نظرات أمٍّ رأت بعد طول غياب.
سعل:
— "كح!"
رفعت بيبي دونغ رأسها، وعاد وجهها كالصوان.
قال تشيان ببرود:
— "سمعت أنك جلبت طفلاً من ستار دو؟"
ردّت بازدراء:
— "أجل. وهل هناكشيءغريب في ذلك ؟"
زمجر الشيخ:
— "أتدركين أن هذا يُسيء لسمعة البابا؟ طفل من لا يعرف أحدٌ أصوله، هذا جنون!"
فجأة، بكى الطفل. كان خائفاً.
فاشتعلت عينا بيبي دونغ، وأحاطت الطفل بطوقٍ من قوّتها، وقالت بصوتٍ لا يحتمل الجدال:
— "أنا البابا بقدرتي، وهذا شأني، وليس لك رأي في ذلك."
كان تشيان داوليو قد فقد ابنه قبل أيام، وغضبه حارّ. لكنه رأى الطفل، فرقّ قلبه رغماً عنه.
اقترب من السرير، ونظر إلى وجه الرضيع المضيء، فسكنت روحه.
قال بصوتٍ خافت:
— "اعتنِ به جيداً."
ثم استدار وغادر دون كلمةٍ أخرى.
---
بقيت بيبي دونغ وحدها مع الطفل. حملته بين ذراعيها، وأغمضت عينيها، وقالت بصوتٍ يكاد لا يُسمع:
— "لا تخف يا صغيري... من اليوم، سأكون أمّك. وسأحميك ولو كلفني ذلك كلّ ما أملك."
وفي تلك اللحظة، لم تكن بيبي دونغ بابا، ولم تكن قاتلة، ولم تكن شيئاً سوى امرأة تحتضن طفلها الأول.
وخلف هذا الحنان، كانت هناك قصّةٌ لم يروها أحدٌ بعد.
---
(نهاية الفصل الأول)