الفصل الثالث :عشر الانهيار بعد الصدمه (نسخه خاصه)
أطبق الصمت على الغرفة حتى خُيِّل للجميع أن الهواء نفسه قد توقف عن الدوران. لم يعد هناك أي أثر للدفء، وكأن يدًا خفية أزاحت الستائر عن الشمس وأغرقت المكان في برودة مطلقة، برودة أشبه بما يسبق انهيار عاصفة ثلجية في ليلة شتاء طويلة. كانت البرودة حقيقية فيزيائيًا، لكنها قبل ذلك كانت معنوية، إذ غمرت النفوس وأثقلت الأكتاف، حتى صار كل نفس يخرج من الصدور يَحمل رجفة خوف غير مرئية.
جلست العائلة الصغيرة، المكوّنة من ثلاثة أفراد، تتبادل النظرات وهي تثبت أعينها على أوليفر، ذلك الشاب الذي بدا وكأنه جالس في وسط العاصفة دون أن يتأثر. كان يجلس ببرود أمام المائدة، يتناول طعامه وكأن عالمًا آخر يتشكل من حوله ولا يعنيه شيئًا. تحركت يده ببطء ودقة، تقطع قطعة الطعام ثم تضعها في فمها، وقد بدا في هذا الفعل وحده ثبات غريب، امتداد لصمتٍ أكبر لا حاجة له للكلام.
على الطرف المقابل وقف فيجيتا، أمير السايانز، كأنه تمثال حي من الكبرياء والتهديد. وجهه حاد الزوايا، وعيونه السوداوان كانت تلمعان بظلالٍ عميقة كشقتا ليل بلا نجوم. لم يعتد أن يمنح أحدٌ من بني البشر اهتمامه، لكن أمامه الآن كان إنسانٌ يحدق فيه بلا اهتمام، يشيح بنظره ثم يعود لمتابعة طعامه. كان هذا التجاهل أشد جرحًا من أي هجوم فعلي، فالكبرياء يتأثر حين يُهان بلا قتال. لذا ارتسم على ملامح فيجيتا عبوسٌ أسود، كقناعٍ نُسج من غيومٍ سميكة تغطي ما خلفها بركانًا من الغضب.
تقدم صوته أخيرًا، محملاً بسخريةٍ جارحة وكبرياءٍ جريح: "أنت.. أيها البشري. هذه أول مرة أتعرض لمثل هذه الإهانة. هل أنت مستعد لكي تموت؟" لكن لم يأتِ رد. استمر أوليفر في تقطيع الطعام بهدوء كما لو أن الكلمات لم تُلفظ. كان الصمت يرد عليه كأنما العالم بأسره يتلذذ بإحراج فيجيتا.
تغيرت حركة فيجيتا قليلاً، وضغط على صدره بيده ثم رفع ذقنه كمن يعلن تحديًا صامتًا، لكنه لم يطلق طاقة ولا لفظ تهديدًا آخر. تحوّل اهتمامه إلى مراقبة أدق التعبيرات في وجه أوليفر، متعطشًا لرؤية أي ارتباك أو خوف أو ارتعاشة تُرضي كبرياءه. كان يتربص كصيادٍ منتظرٍ أن تظهر إشارة ارتباك تسقط الصمت كصيد ثمين بين يديه.
في تلك الأثناء كانت بولما والدكتور بريف يتبادلان حديثًا بصريًا سريعًا. لم تُنطق الكلمات، لكن العيون كانت تتحدث. بولما بعينيها المرتبكتين بدت كمن تبحث عن خطة تخرجهم من هذه اللحظة قبل أن تتفاقم. قال نظرُها بلا صوت: "ما الذي يجري؟" أجاب والدها بعينٍ ترتجف قليلاً: "علينا أن نوقف هذا قبل أن يتحول إلى كارثة." كانت كل حركةٍ منهم توحي بأنهم على شفا قرارٍ حاسمٍ قد يغير مسار اللحظة.
وسط هذا التوتر المعلق ارتفع صوت آخر رتيب لكنه حاسم: صوت أدوات الطعام التي تلتقي بالطبق. كانت يد أوليفر تمضي في تقطيع البيض بحركةٍ شبه طبية، انسيابيةٌ دقيقة تُشعر الناظر وكأنها عرضٌ من نسقٍ آخر. لم تكن حركاته فوضوية بل متأملة، يفرّق بين قطع الطعام بعين جراح. عيناه الزرقاوان لم تكشفا شيئًا سوى فضولٍ باردٍ، لا حرارة غضب ولا خوفٍ صريح.
فيجيتا رد بسخريةٍ مدمجة بتهديد: "لماذا لا تجيبني أيها البشري؟ هل تريد أن تموت.. كنت أتوقع حينما قامت هذه المرأة بدعوتي أن الامر ان يكون عاديا.. يبدو ان عائلتكم البشريه تفتقر للعقل التحليلي اكثر من العقل العملي." كان ذلك السخرية تجاه بولما ضربة في موضعٍ أنثوي حساسٍ، فارتعشت ملامحها وغرَّت بيدها على الطاولة بقسوة.
لحظة طقطقة أدوات المائدة أوقفت الكلام، ورفع أوليفر عينيه ببطء، فتح فمه ونطق بسؤالٍ بسيطٍ لكنه محيّر: "مع من تتحدث؟" لم يكن هذا السؤال مجرد تجاهل بل كأنه تحدٍ هادئ يطلب تفسيرًا لمنطق التهديد الذي أمامه. صمت الغرفة ازدادت حدته، وكأن الوقت قد تجمّد ليلتقط نفسًا أخيرًا قبل انفجارٍ محتمل.
بولما وزوجاها حدقا بأوليفر كأنه فقد عقله، ليس بسبب جنون ظاهر بل بسبب قدرة السؤال على قلب توقعاتهم. شعرت بولما بأن الذكاء الذي ظنت أنه يملكه أوليفر انفجر في الهواء كفقاعة ماء. كان بمقدور الضحك أن يخرج من شفتيها، ضحكٌ لا يحمل طرافة بل سخرية مشوبة بصدمة.
ضحكٌ خافتٌ دار في أركان الغرفة، ضحكٌ سماويٌ ساخر نجَم عن استهجانٍ داخلي لدى فيجيتا. لكنه لم يطُل. بعد لحظاتٍ قصيرةٍ أضاءت في الهواء شحنة صغيرة من الطاقة، هالةٌ بنقطة، صغيرة كإبرة لكنها محتملة القوة، وإذا ما تكاثرت ستصبح كرة متوهجة تستطيع محو أي شيءٍ يقف أمامها. خرجت تلك القلّة من طاقةٍ كثيفة متجمعة بين يدي الأمير، ثم بدأت بالتوسع تدريجيًا حتى بلغ حجم كرة سلَّة.
فيجيتا كان ينتظر أن يرى ارتباكًا، صراخًا، أي نوعٍ من الاستجابة البشرية التقليدية. كان يريد أن يسمع تذرعًا أو توسّلاً أو أن يرى عينًا تترقرق بالخوف. كل هذه العناصر كانت تشكّل غذاءً لغروره. لكنه بدلاً من ذلك سمع صوت بولما الذي ملأ الغرفة: "انت ما الذي تفعله.. اوقف هذا فورا والا" وصوتها كان يختلط بالمسحة الحامية لشعورها بمسؤولية حماية أوليفر. تقدمت نحو الصبي وأمسكته من كتفيه محاولةً إزاحة الخطر، وكأن تدخّلها الفوري كفيل بصرف أي طاقةٍ عن الهدف.
الدكتور بريف وزوجته لم يقدرا على التحكّم أكثر من توقف أنفاسهما، كانتا محاولات ضعيفة لمقاطعة القوة التي تسفر عنها يد الأمير. الكرة التي تشع باللون الأحمر وبتوهجٍ موتّع كانت تُظهر مقدار القوة التي يحملها فيجيتا دون أن يحتاج إلى استنفاد الكثير من طاقته. كان يقف متحكمًا، وكأنه لم يستخدم حتى واحدًا بالمئة من قوته الكلية، مع ذلك كانت طاقته كفيلة بأن تذيب الأرواح عند ملامستها، فتبدّد الإنسان كأنه حشرة صغيرة أمام بركانٍ قديم.
ثم وقع صوتٌ آخر - ضحكة نابعة من مكانٍ غير متوقع - تلك الضحكة جاءت من أوليفر. كانت ضحكة غير متوقعة، ضحكة لا تشبه الفرحات المعتادة، بل كانت مزيجًا من الدهشة والسخرية الهادئة. ارتفعت لحظات ثم نزلت، لكنها أثارت انتباه الجميع. فيجيتا، بدلًا من أن يزداد تهديده تفجراً، بدا غارقًا في دهشةٍ غريبةٍ من هذا الرد البارد وغير المتوقع.
أوليفر قال بفضولٍ بريء، صوته خالٍ من التهديد رغم الجدية في نبرة الكلام: "رائع. ما هذه الكرة؟ هذه أول مرة أرى مثل هذه القدرة. هل هذا شيء طبيعي تستطيع أن تفعله ككائن فضائي؟" السؤال خرج كثف فعلًا من الغرابة، فبينما كان فيجيتا يتوقع أن ترى عاديات البشرية تصرخ وتتلوّى، جاءه هذا الكلام البسيط كمن يقرأ عن ظاهرةٍ علميةٍ بمحايد بارد.
فيجيتا أجاب بتجهمٍ مكتوم: "أوه يبدو انه حقا.. البشر يمتلكون ذكاء منخفضا جدا." قالها بنبرة تقلل من شأن العائلة ودوافعها، كمن يلقي قطعة نقود في بركة رثة من الازدراء. كانت هذه العبارة كافية لتأجيج كرامة بولما، فصرخت بنبرة مفعمة بالقلق والهيبة: "توقف عن ذلك فورًا.. عليك أن تغادر الآن.. سوف اصلح جهازك فورًا فقط غادر الآن." لكنها لم تتوقع أن تكون ردود الأفعال على هذا القدر من الغرابة.
البداية كانت بوصف بولما بأنها أرادت أن تُظهر لأوليفر ربما حقيقة وجود كائنات فضائية، أو على الأقل أن تكون تجربة تقربه أكثر من عالمٍ لم يكشفه لها من قبل. لكنها الآن شعرت أن نواياها الطيبة قد أدت إلى فتح صندوق من المشاكل. حاولت أن تشرح بعينها أن الهدف لم يكن إخافة الفتى بل جعله يدرك أن هناك عوالمًا أكبر. لكن ما حدث كان بعكس مقاصدها.
في لحظةٍ قصيرةٍ تغيرت ملامح فيجيتا إلى مزيجٍ من الاستياء والفضول، كمن يرى وجهًا يذكره بذكرياتٍ بعيدةٍ غير مفسرة. كان يقف أمام أوليفر، ووسط الصراع الداخلي بدا أن شيئًا قد أثار ذاكرته القديمة. لم تزل العيون تتلاقى بين الاثنين، الأزرق الصافي للفتى ضد السواد المتجمد للأمير، كصدام ألوانٍ يَعِد بحدثٍ أكبر مما هو ظاهر.
بولما صاحت بقلق: "توقف عن ذلك فورا.. عليك أن تغادر الآن.." وكانت محاولة لحماية أوليفر، لكنها لم تكن واثقة إن كان سيفهم ما يحدث. حاولت أن تكون حاسمة، لكن صوتها لم يكن كافياً لردع إرادة فيجيتا.
الطاقة التي كونها فيجيتا لم تتأثر. الكُرة الحمراء المتوهجة استمرت في الاتساع والقرب، وابتلعت في محيطها نورًا لا يرحم. كانت كفيلة بأن تشعل الديار لو لم يُقنَن استعمالها. وشيئًا فشيئًا أقبلت على رأس أوليفر، كانت هادئة وساكنة لكنها تحمل تهديدًا قاطعًا: لمسة واحدة وستفنى الأرواح.
أوليفر نفض عن وجهه أي ملامح خوف، وبمرأى الجميع ظل يتابع الكرة بعيون لا تعكس سوى لهاً من الفضول. ذلك الفضول بدا بريئًا وغير مرتبط بمكيدةٍ أو استهتار. ببرودٍ نادرٍ في قلب اللحظة، تَلَمَّسَ في داخله شغف الباحث الذي يريد فهم آلية الشيء قبل أن يليه ردة فعلٍ إنسانية.
صوت نقرٍ من فيجيتا، كمن يقرّر أن الوقت قد حان ليعطي الدرس، لكن بدلًا من أن ينال فيجيتا الصراخ الذي توقعه، جاءه سؤالٌ مُنفتح: "ما هو متوقع انتم البشر دائما ضعفاء" قطع أوليفا كلامه ثم قال بشكلٍ منضبطٍ كآلةٍ تقدم زناداً علمياً: "انا اعتذر لمقاطعتك ولكن هل يمكنني ان اسالك ما هي كره الطاقه هذا هل هي تحمل قوه تدميريه"
المشهد حول الطاولة تحول إلى ما يشبه تجربة علمية. الدكتور بريف لم يتمالك نفسه، لقد رآى في حديث أوليفر علاماتٍ ربما كانت تشير إلى جنون، لكنه أيضًا لم يتمكن من تجاهل عنصر الملاحظة العلمية التي ظهرت فجأة في كلام الفتى. كانت بولما تقف كمن تترقب هديةً قد تكون خطأها قد جمعتها.
رد فيجيتا بنغزةٍ في لسانه، ثم بغمزة استهزاءٍ قال: "انت مثير للاهتمام ايها البشري.. يبدو انك حقا انا مجنون ام انك لا تقدر حياتك بما يكفي" لكن في اللحظة التي كان يهم فيها بإغلاق هذا الحوار بعملٍ عنيف، بدأ يتراجع. كانت الكرة التي امسكها تتلاشى شيئا فشيئا، فهو لم يكن بحاجة لأن يؤذي أحدًا الآن؛ ربما كان يكفيه أن يرى الوجه الذي سيتلوى من الخوف.
مع انحسار الطاقة عاد فيجيتا إلى صمتٍ يختلط به الازدراء، ثم التفت عن الطاولة وخرج من المكان بخطواتٍ ثابتة، كما لو أنه كان قد منح درسًا بسيطًا لأصحاب المائدة. بولما أمسكت بكتفي أوليفر بقوة وقالت بحدة: "ما الذي كنت تفكر فيه ايها المجنون هل العلم اخذ دماغك ام ماذا كان سوف يقتلك"
أوليفر رد بصوتٍ أهدأ مما بدا عليه، كمن يحاول أن يشرح فرضية دون أن يجرح مشاعر الآخرين: "لا يبدو كذلك بالنسبة الي، كان يبدو وكانه يرغب باختباري. انا لا اعرف ما الذي اراد اختباره بالضبط.. لكنه بالتأكيد امر مثير للاهتمام ربما وجدت شيئا جديدا لدراسته .. شكرا يا انسه بولما" ثم استأذن أوليفر بهدوء وغادر إلى غرفته بخطواته الهادئة، وكأنه يترك وراءه بحرًا من التوتر يبرد تدريجيًا.
لو لم تكن عائلة بريف قد شاهدت ما حدث للتو لقالوا إن ما مرّ بهم ما هو إلا حلم. لكن الحقيقة كانت أن شيئًا ما تغيّر في ذهن أوليفر. بعد أن نزل إلى غرفته وحيدًا، بدأت نبضات قلبه تتسارع وقد اجتاحته موجة من الخوف العميق. كلماته الداخلية تكررها في نفسه كتعويذة: "مستحيل مستحيل مستحيل.. كنت سأموت كنت سأموت كنت سأموت.. تبا لك تبا لك تبا لك" كانت تلك العبارات تنفجر داخله كشرارةٍ لا تهدأ.
العرق بدأ يتصبب من جبينه وقطرات الماء المتصاعدة كأنها مطرٌ مصغر على وجهه. كان يشعر بوجود فجوةٍ زمنية بين ما حدث وبين ما كان يمكن أن يكون. لقد نجا بأعجوبة، وداخل صدره صمتٌ مُنهِكٌ. لم يجرؤ على التفكير في الاحتمال الأسوأ إلا في همسات مشوشة متقطعة.
فجأة بزغت في شاشة عقله رسالة تشبه نظامًا آليًا: (تهانينا لقد حققت انجاز) (لقد قمت بالحصول على اعتراف بنسبة 5% من امير الساينز فيجيتا) (المكافأة دليل استخدام الكي) (بفضل تحقيق انجاز بسرعه فائقه) - (يحصل المضيف على جائزة اضافيه) (يتم مضاعفة القوة القتالية للمضيفه مباشره) (مستوى قوة المضيف: 1400) (مستوى قوة الملك القرمزي: 14000)
هذه الكلمات الرقمية على شاشة داخله لم تكن مجرد أرقام؛ كانت بوابة لفهمٍ أعقد. ارتسمت على وجهه مجموعة من المشاعر المتناقضة؛ فرح بخفية لأنه نجا وارتباكٌ لأن القوة التي كادت أن تمسحه كانت حقيقية، ومزيجٌ من شغف الباحث الذي رغب في استكشاف مصدر هذه القوة. لكن قبل أن يتمكن من ترتيب أفكاره تمامًا، سقط الفصل في سكونٍ طويل، ثم تلاشى الغضبُ والرهبة شيئًا فشيئًا، ما تبقى كان رائحة حدثٍ لم يزل يتردد صداه في أركان البيت.
بقيت الغرفة تهوى على نفسها لفترة قصيرة بعد رحيل فيجيتا. تبخرت حرارة المواجهة ببطء وكأنها شحنة كهربائية تركت وراءها صدأًا في الهواء. جلس الجميع في صمتٍ مثقلٍ، يستوعبون ما حدث، يحاولون فهم كيف أن لحظة واحدة يمكن أن تختزل كل أنواع الأسئلة التي قد تراود الإنسان في حياته. بولما لم تكف عن النظر إلى المكان الذي وقف فيه الأمير قبل دقائق، فيحاول عقلها العلمي أن يفك طلاسم ما حدث، بينما قلبها الأمومي يلح عليها ألا تترك ابنها يتعرض لمخاطر لا تُحمد عقباها.
كان طبيب العائلة، الدكتور بريف، يقف عند النافذة متكئًا على إطارها وكأن الجدار قد منح له تبريرًا لعدم تحرّكه. نظاراته كانت مائلة قليلاً، ويداه تتصببان ببطء من عرق لم يسبق له أن ارتبط به في مثل هذا الوضوح. لم يكن الدعم العلمي وحده ما يشغل باله، بل السؤال الأخلاقي: كيف تتفاعل الإنسانية عندما تواجه قوة لا تعرف عنها إلا ما يرويه الخيال؟ وكيف يجب على عقلٍ باردٍ مثل عقل الإنسان أن يرد عندما تُعرض حياته على مِحك تجربةٍ لا ترحم؟
أعاد بولما ترتيب الأطباق على الطاولة بعصبية، كأنها تحاول إعادة ترتيب الفوضى إلى نظامٍ يمكن للعقل فهمه، لكن الإصلاح الخارجي لا يعيد ترتيب ما في الصدور. المطبخ بدا هادئًا، إلا من أصوات صغيرة كانت تهمس بين جدرانه؛ صوت صدى الكراسي، طقطقة مواقد لم تُطفأ تمامًا، نفسُ ساعة معلقة على الحائط تنبض أكثر من اللازم، وإن كانت تواصل دقّاتها كأن شيئًا لم يحدث.
أوليفر كان في غرفته وقد أغلق الباب خلفه، لكنه لم يغلق النور لأن عقله لم يسمح للظلال أن تختلط به. جلَس على حافة الفراش، يمد ساقيه على الأرض الباردة، ويضع يديه على ركبتيه. كانت عيناه تحدقان في سقف غرفته كما لو أنه يبحث في تلك الشقوق عن معنىٍ لما كاد أن ينتهي به.
أحس بطعمٍ معدنيٍ في فمه، طعم الدم المخبأ الذي لا يكشف عن نفسه إلا عندما تقترب من الموت وتشعر بأن الهواء الذي حولك لم يعد يملك مكانًا لك فيه. بدا قلبه وكأنه ثقيلٌ بحمض يُقاس بآلات لم تُخترع بعد، وينبض بسرعةٍ تقيم إحصاءاتٍ أخرى لا يمكنها أن تخفي حقيقة الخطر.
استدعى نفسه أن يتنفس، أن يضم الهواء كما يُضم كتابًا قديمًا رشّحته الأيام، لكن التنفس كان قصيرًا ومقطوعًا. توقّف لوهلة وأغمض عينيه ليستمع لصوت داخلي كان يكرر كلماتٍ لا تريدها الشفاه: "كنت سأموت.. كنت سأموت.. تبا لك". وصل إلى مغسلة غرفة نومه، وضع ماءً باردًا على وجهه، وشعر بالقطرات تتسلل عبر شعره وتنساب على جلده كما لو أنها تنقّي جسده من لحظةٍ سُجِّلت في ذاكرته بلا إذنٍ مسبق.
جلس مجددًا، أمسك يديه وكأنه يحاول إلقاء شبكةٍ فوق أشياءَ مختلطة في داخله، يريد أن يجمع شتات ما تبقّى من روتينٍ بشريٍ بسيط يستطيع التعرّف عليه: التنفّس، ضربات القلب، حرارة الجسم، لون الصدر الذي يصعد ويهبط في كل نفس. التفكير العلمي بدا له الآن كقاربٍ رفيعٍ في محيطٍ هائج، لكن القارب وحده لا يكفي ما لم يكن لدى الصياد مفتاحٌ لسلوك الموج. كان شغفه بالمعرفة يدفعه لأن يسأل عن الكرة، عن نواتها، عن تركيبها، لكن هذا الشغف لم يكن وحده؛ كان محفوفًا بخيطٍ رفيعٍ من الرعب إنه رعب واعٍ.
تعالت في رأسه أسئلة تقنية: ما الذي جعل من تلك الكرة شيئًا يمكن تسويقه كقوة؟ هل هي طاقةٌ سحريةٌ قائمة بذاتها أم تقنيةٌ متقدمة؟ وكيف تقاس قوة مثل هذه الظاهرة؟ وكيف يقارن ذلك مع درجات السايانز التي تربى عليها فيجيتا؟ كانت الأسئلة تنهال، بعضها علمي بحت، وبعضها سؤال وجودي يختزن الاحتمالات الكارثية.
في الأسفل، بقية أفراد العائلة لم ينزعوا عيونهم عن الغرفة التي رحل منها فيجيتا. بولما وقفت أمام باب الممر، تضغط كفها على صدرها، كأنها تحاول أن تمنع أنفاسها من الانطلاق كما لو أنها تتوقع أن أي صوتٍ مرتفعٍ سيثير عودةً محتملةً لمشهدٍ لم يكتمل. قال لها والدها بصوتٍ منخفضٍ وصارم: "دعينا نستعد لذلك. لا نعرف ما الذي نواجهه بعد الآن." قالها كمن يقرأ في كتابٍ خفيٍ لا تظهر صفحاته إلا حين يحين موعد الخطر.
ثم تلاشت حدة المشاعر قليلاً، لكن الانطباع بوجود حدثٍ استثنائي باقٍ. كأن الغرفة كانت قد استهلكت من الهواء قدرًا يجعل من العودة لطبيعتها مهمة تحتاج وقتًا وعملاً وصبرًا.
ظل قلبه ينبض في صدره بقوة، كأن كل نبضة تذكره بقرب الموت الذي كاد يزاحم قلمه على صفحة حياته.
شعر بجلد يرمق جسمه كما لو أن المكان قد تذكره فجأة كضيفٍ لم يكن مدعواً.
أدرك أن لكل لحظة تُقاس الآن أبعاد أخرى، أبعادٌ تتضمن احتمال الفناء واحتمال الفحص والاكتشاف.
نظر إلى يديه، كأنهما يخصان شخصًا آخر، اليدان اللتان قطعتا خبزًا وتناولا طعامًا، أصبحتا الآن مجرد وسائل لقراءة ما حدث.
سقطت ثياب اللحظة كقشرة عن ثقبه، وبقيت الحقيقة عارية أمامه تنتظر تفسيرًا يعيد التوازن.
تساءل كيف يمكن أن يمزج عقلٌ بشريٌ بين الخوف والفضول دون أن ينفطر أحدهما لصالح الآخر.
أحسّ أنه إذا لم يكتب ما حدث فورًا فسوف تتلاشى الحقيقية وتتبخر إلى روايةٍ لا يمكن التحقق منها.
تساءل كيف يمكن أن يمزج عقلٌ بشريٌ بين الخوف والفضول دون أن ينفطر أحدهما لصالح الآخر.
وجد أن لديه رغبةً قديمةً في فهم القوة أكثر من رغبته في النجاة فقط، رغبة الباحث الذي يرى في كل تهديد فرصةً للمعرفة.
أخذ يكتب ملاحظاتٍ قصيرة على منديلٍ ورقي، يحاول أن يربط بينها خطوطًا منطقية حتى ولو كانت مرتعشة.
كان الصمت في الخارج يجرح أعماق البيت، كان ثقيلاً بقدر النِقمة، يحبس الأصوات ويمنعها من الخروج.
جلس وحيدًا على السرير يستعيد تفاصيل المشهد في ذهنه، يعيد بناء السبب تلو السبب كما لو أنه يحول الأشباح إلى معادلات.
التفاصيل الحسية تلاشت في ذهنه أحيانًا، لكنه تذكر طعم الهواء البارد، تذكر رائحة الأطباق، تذكر حركة بولما التي لم تكن سوى محاولة دفاعٍ فوري.
ظل طعم اللحظة العنيف عالقًا في فمه وذكراه لا تندثر ولا تغيب.
----
من هو الافضل برايكم
الفصل الثالث عشر ام هذا
اريد ان تخبرني بالتعليقات
وشكرا لكم يا اصدقاء 😍😍😍😍