الفصل السابع عشر: ما بعد لقاء الساتان

بعد أن أنهيت لقاءي مع ستان وغادرت منزله، وجدت نفسي أتابع خطواتي الثقيلة نحو الشركة، تلك الكبسولة المهيبة التي تقف شامخة كأنها حارس الزمن وذاكرة المستقبل.

لم يكن الطريق إليها مجرد انتقال جسدي من مكان إلى آخر، بل كان انتقالًا نفسيًا من حالة إلى أخرى، كأنني أخلع عني طبقة من الهدوء الذي تركه بستان خلفه وأرتدي بدلاً منها طبقة من التركيز المشحون بالقلق.

كانت خطواتي تتردد على الأرصفة في هدوء المساء، وكان الهواء يحمل رائحة الإسفلت الممتزجة بظل الأشجار التي تهتز بأوراقها مثل أصابع تعزف لحنًا لا يسمعه إلا من ينصت. كنت أستمع إلى أنفاسي وأراقب وقع قدمي، كأن كل خطوة تعلن لي بداية جديدة وتذكرني أن ما ينتظرني أكبر مما أستطيع احتماله في لحظة واحدة.

دخلت الشركة، الكبسولة التي طالما مثلت رمزًا للتطور والتقنية، وذهبت مباشرة إلى غرفة التدريب. كانت الغرفة واسعة، جدرانها باردة كالمعدن، وأرضيتها تعكس وهج الإضاءة البيضاء الحادة. هناك، وجدت نفسي أندمج مع جسدي في سلسلة من التمارين الطويلة، وكأنني أحاول أن أستخرج من داخلي كل ما يمكن أن يخرج من طاقة أو قدرة. ساعات طويلة انقضت، والعرق يتصبب مني كأنه ينحت أخاديد دقيقة على جلدي، وصوت أنفاسي يتردد في الغرفة كأنه موسيقى صاخبة يعرفها جسدي وحده. كانت كل حركة أشبه بمواجهة بيني وبين ذاتي، كل دفع للعضلات كان تحديًا لصمتي الداخلي، وكل لحظة تعب كانت مرآة تكشف ما بقي في داخلي من إصرار.

حين انتهى اليوم أخيرًا، لم أكن مجرد متعب، بل كنت منهكًا كأنني حملت الجبال كلها على كتفي ثم تركتها تسقط عني دفعة واحدة. عدت إلى غرفتي في السكن الخاص بالشركة، والغرفة كانت كما هي: بسيطة، جدران صامتة، وسرير وحيد يبدو في تلك اللحظة كأنه الجائزة الكبرى بعد معركة طويلة. كانت رائحة العرق لا تزال عالقة بي، ممتزجة بملمس القماش الخشن لثيابي، بينما يداي ترتجفان من الإجهاد الذي تسلل حتى إلى العظام.

لكن الليل لم يكن رحيمًا تمامًا. بينما كنت أتهيأ للاستسلام لراحة السرير، دوّى في الغرفة صوت رنين الهاتف. امتدت يدي تلقائيًا لفتح الخط، وما إن ظهر الهولوجرام حتى وجدت نفسي أواجه وجهًا مألوفًا: الدكتور بريف، ووراءه ظلت تطل بولما. كان الضوء المنبعث من جهاز الاتصال يلون جدران الغرفة بأطياف زرقاء باهتة، كأنني فجأة غمرت في بحر بارد.

رفعت صوتي بتهذيب، قائلاً: "مرحبًا سيدي.. مساء الخير". كنت أحاول أن أضبط نبرتي بحيث تحمل الاحترام دون أن تفصح عن الاضطراب الذي اجتاحني في تلك اللحظة. خلف كلماتي كانت الأفكار تتسابق: لماذا يتصل الآن؟ ماذا يريد بالتحديد؟ وهل سيكون سؤاله عاديًا أم امتحانًا لقدراتي؟

ابتسم الدكتور بريف ابتسامة عذبة وقال: "سعيد بإجابتك يا بني. كنت أتساءل متى سترسل النموذج الخاص بمحرك طاقتي الجاذبية. لقد أخبرتني ابنتي أنك تعمل عليه حاليًا، أليس كذلك؟" صوته كان مزيجًا من فضول العلماء وطمأنينة الآباء، وفي عينيه انعكست تلك الشرارة التي لا يملكها إلا من يرى أبعد مما يرى الآخرون.

لم أتفاجأ كثيرًا، لا لأنني توقعت اتصاله، بل لأنني كنت مستعدًا نفسيًا لأي طارئ، كمن يتوقع سقوط المطر حتى وإن كان الجو صحوًا. قلت له بهدوء: "بالتأكيد يا سيدي، لقد كنت جاهزًا". كنت في داخلي أحاول إخفاء شعورٍ متناقض: بين الثقة التي أريد أن أظهرها وبين قلق دفين يهمس لي أن أي خطأ قد يكشف حقيقة لا أرغب أن تُعرف.

انتقلت سريعًا إلى مكتبي الصغير في الشقة، حيث يقبع الحاسوب وكأنه حارس لأسراري. كانت الغرفة مظلمة إلا من ضوء الشاشة، والهواء ساكن كأنه ينتظر قراري. فتحت الملفات، وتأكدت من النموذج، ثم أرسلت الرسالة بكبسة زر واحدة. سمعت صدى الإشعار في الطرف الآخر، ورأيت الدكتور يستدير نحو جهازه مع وصول الملف.

قال: "سوف أتحقق منه، وأرسل لك النتائج قريبًا يا أوليفر". ثم أغلق الاتصال، تاركًا الغرفة تستعيد صمتها الثقيل. كان انقطاع صوته مثل سقوط ستارة على مسرح فارغ، ووجدت نفسي فجأة وحيدًا من جديد، بلا أصوات سوى أنفاسي وأزيز الأجهزة من حولي.

ألقيت جسدي على السرير الناعم، واستسلمت للحظة من التفكير. قلت في رأسي: "لا يهم حقًا السبب الذي جعلني أحصل على هذا الاختراع. كل ما أعرفه أن استخدامي للوضع الذاتي أثناء زيارتي السابقة لمنزل بولما كان هو اللحظة الفارقة". كانت الذكرى تعود إليّ كأنها مشهد محفور، تفاصيله واضحة: الألوان، الأصوات، وحتى الإحساس بالرهبة الأولى.

في تلك اللحظة، دوّى في رأسي صوت النظام: "مستوى القوة: 15,000". ظهرت أمامي على الشاشة صورة "قوة الملك القرمزي"، لكنني لم أعطِ الأمر اهتمامًا كبيرًا، إذ جذبتني عيناي إلى قسم المهارات. هناك ظهرت أمامي المهارة: "التحكم بالكي".

قرأت وصفها: "الكي والقوة الخاصة بعالم دراغون بول، ومن خلال التحكم به تصبح أقوى وأسرع وأكثر مرونة، وتزداد قوة حواسك." كانت الكلمات تتردد في ذهني مثل وعود بعالم مختلف، كأنها أبواب لممرات لا تنتهي. تنهدت عميقًا. قلت في نفسي: "شهر من التدريب جعلني أصل إلى هذا المستوى. قد يبدو سريعًا جدًا بالنسبة لبشري، لكنه مقارنة بالوحوش القادمة من المستقبل، ليس أكثر من زحف سلحفاة."

وما إن ذكرت السلحفاة حتى خطرت ببالي فكرة: "هل أذهب إلى السيد روشي ليتولى تدريبي؟ لكن.. ماذا سأقول له؟ أنني أرغب في التعلم منه لأنني شاهدت الأنمي وأعرف أنه معلم بارع؟" كان التفكير مثيرًا للسخرية، كأنني أواجه معضلة يعرفها عقلي بينما يرفضها لسان الواقع.

ابتسمت بسخرية داخلية من غرابة الفكرة. الأكثر غرابة أن المعلم روشي يعرف بولما، بينما بولما نفسها لا تعرف حقيقتي. هي تعتقد أنني مجرد موظف في شركتها، يتيم تبنته منذ عشر سنوات، عبقري نشأ تحت رعايتها. لكن ذلك الوصف يخص "أوليفر" السابق، لا أنا. أنا لست عبقريًا، بل مجرد شخص وجد نفسه في هذا العالم مصادفة، لا يملك أي امتياز سوى رؤيته المسبقة لما سيحدث في المستقبل، كما عرفته في ذلك الأنمي.

غصت أكثر في أفكاري وأنا أحدق في السقف. كنت أرى الفراغ يتحول إلى شاشة لأسئلتي: ما دوري في هذا العالم؟ هل أستطيع أن أغير شيئًا مما سيحدث، أم أنني مجرد مسافر محكوم بمشاهدة الأحداث تتكرر؟ فكرت في خطتي مع ساتان: هل ستنجح؟ هل سيأتي بالفعل أم سيرفض العرض؟ كل سؤال كان يلد سؤالًا آخر، وكل إجابة كنت أحاول أن أتصورها تتبخر مثل دخان لا يمسكه اليد.

بينما كنت أتأرجح بين تلك التساؤلات، استسلمت أخيرًا لسلطان النوم، عازمًا على أن أرتاح قليلًا قبل أن يفرض الغد عليّ تحدياته الجديدة.

---

هذا فصل القصير اعتذر من اجله ولكن اتمنى ان تستمتعوا فكرت انه افضل من الفصول الطويله

2025/09/14 · 35 مشاهدة · 973 كلمة
ONE FOR ME
نادي الروايات - 2026