الفصل الثامن عشر: قبول ساتان

في اليوم التالي، حين خرجتُ من الشركة، كان الصباح قد بدأ يُرسل أنفاسه الهادئة على المدينة، والريح الخفيفة تلاعب أطراف الأشجار المصفوفة على جانبي الطريق. شعرتُ أن خطواتي أثقل مما ينبغي، ليس لأنها مثقلة بالهموم، بل لأن داخلي كان مشغولاً بالقرار الذي ينتظرني عند منزل ستان، ذلك الرجل الذي وضعت في يده بالأمس عقداً لم يكن عادياً؛ عقداً قد يغيّر مجرى حياته ومجريات عملي على السواء. كنتُ أعرف أن الأمر لم يكن سهلاً عليه، وأنّ عينيه حين كان يتفحّص السطور لم تكن تنظر إلى كلمات مطبوعة وحسب، بل إلى احتمالات مستقبل بأكمله.

لم أرغب أن أضيّع وقتاً أكثر، فانطلقتُ في الهواء، محلقاً فوق مدينة ويست، كمن يهرب من ثقل الأرض إلى خفة السماء. الريح تضرب وجهي بقوة، والغيوم تمرّ تحت عينيّ كأنها سطور بيضاء تُمحى بسرعة من دفتر لا نهائي. كنتُ أحسّ أنّ جسدي صار أكثر خفة، أكثر مرونة، وأن طاقتي التي ارتفعت بعد تدريب الأمس إلى ستة عشر ألفاً تكاد تفيض من مسامي. لم يكن الأمر مجرد رقم، بل كان إحساساً داخلياً يهيمن على العضل والعصب، كأنني أملك بين يديّ عنان قوة تستطيع أن تغيّر شكل كل مواجهة قادمة.

كان التحليق فوق المدينة تجربة غريبة، فالبيوت المتراصة بدت كقطع صغيرة من لعبة، والسيارات التي تعبر الشوارع كحشرات معدنية لامعة. وبين حين وآخر، كان صوت الريح يتجاوز أذني ليغدو كصفير طويل، ممتدٍّ، يذكّرني بأنني الآن كائن مختلف، أسمع ما لا يسمعه الآخرون، وأرى ما لا تقع عليه أبصارهم. والمدينة نفسها، برغم صخبها اليومي المعتاد، بدت لي ساكنة من علٍ، كأنني أطلّ على لوحة مُحكمة الإطار، لا على واقع يموج بالحياة.

لم يستغرق الأمر سوى دقائق حتى وجدتُ نفسي أمام منزل ستان. البيت بدا شامخاً على الرغم من بساطته، تحيط به حديقة صغيرة ذات عشب أخضر فاقع، تتخلله أزهار متناثرة هنا وهناك، بعضها أبيض كابتسامة نقيّة، وبعضها أحمر كنبض حيّ يتجلّى في قلب ساكنيه. وللحظة قصيرة، وجدت نفسي أتمعن في شكل الباب الخشبي الكبير، وفي ملمسه الذي بدا متآكلاً من أثر السنوات، كأن الزمن قد مرّ عليه مرات عديدة، وترك فيه أخاديد صغيرة تشهد على حياة كاملة.

لم أكمل سوى ثانية واحدة حتى التقطت حواسي، التي باتت أكثر حدة بكثير من حواس البشر العاديين، وقع خطوات صغيرة تقترب من الباب من الداخل. كان صوتاً لا يكاد يُسمع لو لم تكن أذناي مدرّبتين على التقاط أضعف الذبذبات. كنتُ أعلم أنني سألتقي وجهاً مألوفاً، ومع ذلك ظلّ فضولي مشدوداً إلى تلك اللحظة الدقيقة التي يفتح فيها الباب.

وفعلاً، حين انفتح الباب ببطء، ظهرت أمامي فتاة صغيرة، شعرها ينسدل على كتفيها ببراءة طفولية، وعينيها الواسعتين تلمعان بصفاء. كانت فيديل، ابنة ستان، ذات العشر سنوات. رفعت رأسها إليّ بابتسامة خفيفة، وقالت بصوتها الطفولي الذي يختلط فيه الحياء بالفضول:

ــ مرحباً سيدي… والدي قال إنه ينتظرك.

في تلك اللحظة، شعرتُ أن بساطتها تنسف كل ثقل كنت أحمله في داخلي. لم يكن من السهل أن تقف أمام براءة بهذا النقاء، خاصة حين تعرف أنّ الطفولة وحدها تملك القدرة على النظر إلى أقسى الوجوه وأبردها دون خوف.

تجاوزتُ العتبة بخطوة هادئة، وأخذت عيناي تجولان في أرجاء البيت. كان المنزل واسعاً، تُزيّنه لمسات توحي بالراحة العائلية. ومع ذلك، بدا لي عادياً، بسيطاً، يكاد يخلو من البهرجة. ربما لأنني اعتدت على العيش في شركة الكبسولة، حيث الفخامة والحداثة تحيط بي من كل جانب، صارت الأشياء هنا تبدو متواضعة في عيني. لكن هذا التواضع ذاته كان يمنح المكان مسحة صدق، مسحة حياة حقيقية بعيدة عن صخب التقنية ومظاهر البذخ.

في ركن من أركان غرفة الجلوس، رأيت ستان جالساً، والعقد الذي أعطيته له بالأمس في يده. كانت أطراف الورق مثنية قليلاً، ما دلّ على أنه أمضى وقتاً طويلاً يقلبه، يقرأه مراراً وتكراراً. كنتُ أعرف أنه لم يترك سطراً دون تمعن، وأن ذهنه انشغل بتفاصيله حتى آخر لحظة. لم أرد أن أقطع صمته، فقد كان من حقي أن أترك له القرار النهائي دون ضغط أو استعجال. كل ما رغبت فيه هو أن ينطق بما وصل إليه، أن يخبرني بقراره كما هو، دون أن أجبره على شيء.

حين وقف أمامي مباشرة، رفع عينيه بثبات وقال بصوت متزن:

ــ حسناً، أنا أقبل العمل لديك… لكن اعلم، إن فعلتَ أي شيء مثير للشكوك فسوف أترك العمل مباشرة. لقد كان هذا مكتوباً في إحدى الفقرات، أن لي الحق في ترك العمل في أي وقت.

كلماته لم تحمل تردداً، بل حملت وضوحاً وصرامة. كان يعرف ماذا يقول، ويعرف حدود نفسه جيداً. وما قاله كان صحيحاً تماماً؛ فذلك الشرط موجود فعلاً في العقد، وقد وضعته أنا بنفسي. لذلك لم أجد حاجة للرد عليه بكلمات إضافية. اكتفيتُ بأن أدرتُ وجهي إلى الأمام، وقلت بلهجة هادئة غير مترددة:

ــ أنت تعرف أين تقع شركة الكبسولة، أليس كذلك؟ غداً سيكون يوم عملك الأول. أريد أن أراك هناك.

لم ألتفت إليه، بل تركتُ كلماتي تنساب إلى الفضاء كأنها أمر لا يقبل نقاشاً. غير أنني لم أستطع أن أغادر قبل أن تتعلق عيناي بالطفلة الصغيرة من جديد. كانت تنظر إليّ بفضول طفولي لا يخلو من لطف. قالت قبل أن أضع قدمي خارج الباب:

ــ سيدي، ألا ترغب بتناول الطعام معنا؟

توقفتُ لحظة، ونظرت إليها بعينيّ الزرقاوين اللتين لطالما بدتا باردتين، لا تكشفان عن انفعال. وكنتُ أعلم أنني مهما حاولت، فلن أستطيع التحكم في تعابير وجهي التي اعتاد الجميع أن يراها متحجرة، ساكنة. لكن صوتي خرج هذه المرة ناعماً، دافئاً على غير عادتي:

ــ سوف أفعل ذلك في أحد الأيام… أما الآن فعليّ أن أعود إلى العمل. أتمنى أن تهتمي بوالديك جيداً، فهو يحبك كثيراً.

لمعت عيناها لحظة، ثم ضحكت ضحكة صافية كخرير ماء، وقالت بصوتها الطفولي العذب:

ــ أعلم أن والدي يحبني كثيراً.

وقبل أن أغادر، لمحتها تركض إليه مسرعة، تلقي بذراعيها حوله وتحتضنه بقوة. كان المشهد بسيطاً لكنه أصابني في الصميم، إذ رأيت أمامي معنى الأمان كلّه متجسداً في حضن واحد. أما أنا، فقد أدرْتُ ظهري للمنزل، وانطلقتُ عائداً إلى الشركة، بينما ظلّت صورة الطفلة وهي تضحك وتحتضن والدها ماثلة في ذاكرتي، كأنها نقش أبدي على صفحة قلبي.

----

شكرا يا صديقي على قراءتك للفصل

اتمنى ان تخبرني رايك واذا كان هناك اي اخطاء مطبعيه لكي اقوم باصلاحها

اتمنى ايضا ان تذكر اذا كان هناك اي شيء سيء في الفصل انتقاداتك سوف يكون بتحسن

2025/09/15 · 25 مشاهدة · 966 كلمة
ONE FOR ME
نادي الروايات - 2026