لم يكن هذا العالم دائمًا كما هو عليه الآن. اليوم، من يولد فيه ينظر حوله بذهول، مأخوذًا بجمال السحر الذي ينساب في كل شيء، ممتنًا لأنه لم يكن أحد أولئك الذين وجدوا في العوالم السفلية، محكومين بقدرهم كوحوش أو شياطين. لكن لو أتيح له أن يرى الماضي، أن يتنفس ذلك الزمن، لفهم الحقيقة التي يخفيها بريق السحر.
قبل مئة عام، لم يكن العالم ساحة للأبطال ولا مملكة للسحرة المتزنين—كان فوضى خالصة. الأسياد الذين ظنوا أنهم يشكّلون الواقع كما يشاؤون لم يدركوا أنهم، في الحقيقة، كانوا يُساقون إلى هاوية لا قاع لها. الأسلحة السحرية لم تكن أدوات عظيمة، بل مجرد ألسنة نيران تروي حربًا لا تنتهي، والمقاتلون لم يكونوا سوى بيادق في صراع أكبر من إدراكهم.
في ذلك الزمن، لم يكن هناك توازن. كان الجنون يحكم كل شيء، وكان كل فرد يعيش فيه مجرد جزء من نسيج فوضوي، يترنح بين النجاة والضياع. لكن هذا الجنون… لم يكن النهاية، بل البداية لما جاء بعده.
لم يكن السحر دائمًا جزءًا من هذا العالم. لوقتٍ طويل، عاش الناس في جهلٍ تام بوجوده، غير مدركين لقواه الكامنة، غير واعين بأنه يحيط بهم في كل لحظة، مختبئًا في زوايا العالم التي لم يجرؤوا على استكشافها.
كان الأمر كله محض صدفة—مجموعة من الفضوليين، لا يبحثون عن المجد ولا يسعون وراء الأسرار العظمى، بل مجرد أشخاص يمضون وقتهم في اكتشاف الأمور الغريبة. ومن المثير للسخرية أن هؤلاء العاديين، أولئك الذين لم يكن لهم شأن في التاريخ، هم من اكتشفوا أول شرارة للسحر. كان الأمر بسيطًا في ظاهره: أحدهم رفع يده، وللمرة الأولى، اشتعلت كرة نارية في كفه صدفةً دون أن تلتهمه. لحظات قليلة من الذهول، ثم فوضى من الأسئلة.
ومنذ ذلك الحين، تغيّر كل شيء. بدأ العالم يتعلم شيئًا فشيئًا كيف يسخّر السحر، كيف يجعله جزءًا من يومه، وكيف يعتمد عليه أكثر مما يعتمد على نفسه. ومع مرور الأيام، أصبح السحر أساسًا لكل شيء—للعيش، للقتال، للشفاء، وحتى للحكم.
وكما هو الحال دائمًا، لم يكن كل شيء يسير بطريقة مثالية. فمع ازدهار السحر، بدأت سلبياته تتسلل ببطء، دون أن يلاحظها أحد حتى فوات الأوان. لأولئك الفتية الذين حملوا راية الاكتشاف، بدا الأمر وكأنهم أنجزوا شيئًا عظيمًا، وكأنهم صنعوا إرثًا سيُحكى عنه لقرون. لكن إرثهم، رغم عظمته، لم يكن إلا مقدمةً لشيء أعظم—وأسوأ.
ممتزجًا بالهواء، يحلق بحرية كما تفعل الطيور، ينزلق مع الماء في سكون، يداعب اللهب دون أن يحترق، ويتوارى في الظلال كأنه جزء من نسيجها. لم يكن السحر مجرد قوة أو أداة، بل كان نبض الكون ذاته، الأساس الذي بُني عليه كل ما يتحرك وما يسكن. تحت وهجه وُلدت الممالك، ازدهرت المدن، وحكم الملوك.
رغم ذلك، البشر لم يعرفوا حدودًا ليلتزموا بها. السحر الذي بدأ كنورٍ يمنح الراحة والسلام، تحوّل شيئًا فشيئًا إلى عبء، إلى قوة تتجاوز الحكمة، إلى لعنةٍ سرت في العروق دون أن يدرك أحد مدى تأثيرها الحقيقي. وبهذا بدأت الجماعات التي تستخدم السحر بطرقٍ خاطئة في الظهور والبروز بشكل واسع، أولًا على أطراف العالم، ثم في قلبه، حتى بات البعض يحدّق إلى ما كان يومًا رمزًا للأمل بسؤالٍ واحد: هل كان السحر نعمةً حقًا، أم أنه كان كارثة تنتظر لحظتها؟
لم يكن الأمر واضحًا في البداية. المدن بدأت تتهاوى ببطء، الفوضى تسلّلت إلى الأزقة، والخوف وجد طريقه إلى القلوب. لكن كل هذا كان مجرد مقدمة، شيئًا يمكن تحمّله، شيئًا يمكن إعادته إلى نصابه بطريقة أو بأخرى… لولا ما جاء لاحقًا.
هناك، من بين الظلال، خرج شخصٌ لم يكن يشبه من جاء قبله. تعمّقه في السحر تجاوز حدود الفهم، طمس معالم المنطق، جعل المعرفة نفسها تبدو تافهة أمام ما وصل إليه. البعض يقول إنه لم يكن بشريًا تمامًا، آخرون يرون أنه لم يكن إلا نتيجة حتمية لجنون العالم. لكن الجميع اتفقوا على شيء واحد: عندما نطق التاريخ باسمه، لم يكن مجرد ساحر. كان الأسطورة التي وضعت نهايةً لعصر، وبدايةً لآخر.
هكذا ظهر كلاريديس—سيد الظلام وملك السحرة.
لم يكن مجرد ساحر، بل كان عاصفةً تهبّ بلا رحمة، قوةً تتخطى الحدود، ظلًا يمتد فوق الأرض، يسحق كل من يقف في طريقه دون أن يتردد. امتلك من السحر ما يكفي ليجعل الركب تنحني أمام جبروته، ليُرغم أقوى الجيوش على الاستسلام، ليُحوّل النور إلى خرافة تُحكى بين من نجوا. باسمه وحده، انتشر الرعب، وبقوته وحدها، بسط سلطانه فوق الأرض، مستخدمًا نوعًا مختلفًا من السحر يُسمّى "السحر الأسود"، لم يسبق لأحدٍ قبله أن روّضه أو فرض سيطرته على شيء كهذا.
لم يكن للناس خيار سوى أن يصبحوا عبيدًا للخوف، للغضب، للكراهية التي انتشرت كالنار في الهشيم. لم يكن كلاريديس بحاجة لعقود ليحكم قبضته، ولم يكن بحاجة لخطط طويلة؛ خلال عامين فقط، خضع له العالم بالكامل، وكان قد توّج نفسه ملكًا للسحرة، سيدًا لهذا العصر الجديد—عصرٌ حيث كان الانصياع لكلاريديس هو السبيل الوحيد للعيش. يقول البعض إن السماء نفسها تغيّرت يوم جلس على عرش حكمه، وكأن العالم أدرك أنه دخل زمنًا لم يكن يفترض به أن يوجد.
ولكن وسط هذا الظلام، ظهر رجلٌ لم يكن يشبه أولئك الذين سبقوه. لم يكن ملكًا، لم يكن حاكمًا، لم يكن حتى رجلًا ذا سلطة أو نفوذ. لم يكن لديه ثروة، لم يكن لديه جيش، لم يكن لديه حتى أرضٌ تحمل اسمه. كان بسيطًا ومتواضعًا، لكنه حمل في داخله شيئًا أثمن من أي تاجٍ يمكن أن يُوضع على رأسه.
كان يحمل إيمانًا واحدًا، فلسفة لم تتغير رغم كل ما مرّ به في حياته، فكرةً لم تكن بحاجة إلى سحرٍ لتصبح خالدةً حتى يومنا هذا. وكما ذكرت على لسانه: "البشر وُلدوا ليكونوا أحرارًا، لا ليكونوا عبيدًا لقوةٍ تفرض الخوف والكراهية عليهم. الجميع يستحق أن يعيش بسلام، أن يتلقى الحب والاهتمام، بغض النظر عن النسب والعرق، بغض النظر عن الظروف."
كان هذا الرجل واحدًا من عامة الناس، لكنه أصبح رمزًا يُحكى عنه كما تُحكى الأساطير. كان يحمل اسمًا أصبح مرادفًا للنور وسط العالم الذي تدنّس بالظلمات: غراناديل—الفارس الأسطوري .
لم يكن شخصًا لا يُقهر، لكنه كان رجلًا لا ينحني. بين العروش التي تهدّمت، بين الممالك التي ابتلعها اليأس، بين الجيوش التي طأطأت رؤوسها، ظل واقفًا، بسيفٍ واحد، بعزمٍ لا يتزحزح، مدافعًا عن أولئك الذين لم يعد لهم صوت، الذين سُلب منهم الحق حتى نسوا أنهم امتلكوه يومًا. كان صوته صرخةً في وجه الطغيان، وكانت شجاعته جدارًا لم تهزه العواصف، حتى حين كان المد أقوى منه، وحتى حين أدرك الحقيقة المُرّة: أنه لا يستطيع هزيمة كلاريديس وحده.
ولم يكن ذلك وحده ما وقف في طريقه. لم يكن كلاريديس قوةً مجردةً فحسب، بل كان ملكًا لأشياءٍ لا تحمل في شكلها ما يشبه البشر، مخلوقاتٍ لم يرَها العالم من قبل، تتحرك كأنها جزءٌ من الظلال، تتنقل بين القارتين العجوزتين ناشرةً الرعب أينما حلّت.
لهذا، بدأ غراناديل سعيه نحو الأرض التي تحكى عنها القصص والأساطير، نحو أرضٍ لم يصدق أحدٌ وجودها إلا أولئك الذين لم يكن لهم خيار سوى الإيمان بها. أرضٌ لم يكن البشر جزءًا منها، ولم يكن يُفترض بهم أن يكونوا. هناك، حيث تعيش أقوى المخلوقات، مخلوقات انعزلت عن العالم، ليس ضعفًا، بل لأن وجودها نفسه كان أكثر مما يمكن له أن يتحمله. كان بقاؤها بعيدًا نعمةً للجميع، لأن قوتها كانت شيئًا لا يجب أن يُرى، لا يجب أن يُلمس، لا يجب أن يُستخدم: الأرض النقية—أرض التنانين .
في تلك الأرض، ربما كان هناك أمل. ربما هناك شيء قادر على الوقوف في وجه كلاريديس، في وجه سحره الذي يتخطى الفهم، في وجه مخلوقاته التي لم يكن لها اسم. غراناديل آمن بذلك، وانطلق في رحلته التي استمرت لأسابيع عبر البحر الشاسع.
قيل إن خلف ضباب البحر، حيث لا تجرؤ السفن على الإبحار، وحيث لا ترى العيون إلا ظلامًا كثيفًا، تتواجد **أرض التنانين**، مساحة لم تطأها أقدام البشر يومًا. هناك، حيث تعيش التنانين، حيث ينبض سحرٌ لم يمسّه جنون، هناك حيث يوجد ملكٌ لم يعرف الهزيمة، لم ينحنِ، لم يخسر حربًا في حياته.
سيد العرش السماوي—إيثريوس، التنين الفضي.
في اللحظة التي وطأت فيها قدما غراناديل أرض التنانين، لم يكن هناك أي ترحيب—لا كلمات، ولا نظرات ود. التنانين لم تكن كائنات ترحب بالبشر، ولم يكن إيثريوس حاكمًا يقبل أي تحالفٍ بسهولة. بالنسبة له، كان البشر ضعفاء، يستهلكون السحر كما يستهلكون الأرض، لا يفهمون التوازن، مخلوقاتٌ لا تستحق القوة التي لديهم، ولا التي يسعون إليها.
لكن شيئًا ما تغيّر حين سمع كلمات غراناديل. لا أحد يعلم كيف تمكن الفارس من زعزعة قناعة ملك التنانين، كيف تمكن من تجاوز كبريائه العظيم حتى أقنعه بالقتال إلى جانبه. لكن في النهاية، وافق إيثريوس، ليس عن ثقة، بل عن ضرورة.
وبهذا، بدأ التحالف الذي لم يكن متكافئًا تمامًا—لم يكن قائمًا على الإيمان المتبادل، لكنه كان التحالف الوحيد الممكن. حين أرسل ملك التنانين بعض أتباعه إلى أراضي البشر، ليتعاملوا مع أتباع كلاريديس ذوي الأشكال الغريبة، السحر النقي ضد السحر الملوث، وحين بدا أن الأمور تتجه نحو شيءٍ أعظم، كان غراناديل وإيثريوس قد قررا مواجهة كلاريديس وجهًا لوجه، فانطلقا معًا عبر البحر الشاسع، متوجهين إلى حيث يتواجد ملك الظلام.
حين وصلا، وجدا نفسيهما أمام جزيرة ذات مساحة معتبرة، ليست عملاقة وليست صغيرة، حجمها كان كافيًا لتصبح ساحة معركة.
إيثريوس حلق في السماء بعد أن قفز غراناديل من على ظهره ليهبط على سطح الجزيرة. جناحاه العملاقان امتدا كستارٍ من الظلال الفضية، يطمسان آخر نورٍ متبقٍ من الشمس المحتجزة خلف الغيوم الكئيبة. جسده الذي يشبه هيئة البشر لكنه مغلف بحراشف فضية صلبة، يعكس الضوء كما يعكس قوةً لا يمكن إنكارها. زئيره شق السماء، أطلق موجةً اهتزت لها الأرض.
وهكذا بدأت المعركة.
غراناديل قاتل كما لم يقاتل من قبل، يداه تحكمان قبضته على السيف، جسده يتحرك بسرعةٍ لا مجال فيها للتردد. لكنه لم يكن يواجه خصمًا عاديًا، لم يكن يقف أمام قوةٍ يمكن إسقاطها بسيفٍ أو مهارة بكل بساطة. **كلاريديس كان أكثر من ذلك.** كل ضربة من سيف الفارس كانت تمزق الهواء، لكنها لم تمزق الظلام؛ فقد أعاد تكوين نفسه كما لو أن الموت لم يكن يعنيه. لكن الأمر لم يؤرق غراناديل، فقد كان يقاتل بالتزامن مع حليفه الأقوى الذي يهيمن على السماء.
إيثريوس لم يكن متفرجًا، زئيره تردد مرة أخرى، وانطلق كإعصارٍ يجتاح الجزيرة. سقطت ضرباته على كلاريديس بقوةٍ تصدّع لها الحجر، واندفعت ألسنة اللهب الفضية كعاصفةٍ أبادت كل شيء تحتها، حولت الجزيرة بأكملها إلى رمادٍ مندثر. كانت النيران أكثر من مجرد لهب، كانت إرثًا قديمًا، قوةً نقية لم يسبق لها أن تلطخت بالرغبات البشرية. امتزجت نيرانه بسحرٍ طغى على سحر كلاريديس ذاته، مما جعله يعاني للبقاء متماسكًا. هذا وحده كان إثباتًا على مدى قوة ملك التنانين المرعب.
لكن...
في لحظةٍ لم يكن يتوقعها أحد، حين بدا أن النصر قاب قوسين أو أدنى، حين أمسك غراناديل سيفه ليُوجه الضربة الأخيرة، وحين جهز إيثريوس أنفاسه ليطلقها كضربةٍ قاضية، تحرّك كلاريديس كما لم يتحرك من قبل. كان يعلم أن نهايته تقترب، لكنه لم يكن ملكًا يسقط بلا ثمن.
تدفق من جسده سحرٌ لم يكن يشبه أي شيء ظهر في المعركة حتى الآن، هالةٌ تتمايل بين الأحمر الداكن والأرجواني المسود، تتغلغل في سيفه كما لو أنه امتدادٌ له. حركة واحدة كانت كافية، ضربةً خاطفةً لم يكن هناك سبيلٌ لإيقافها، بها شق صدر إيثريوس حتى وصل إلى قلبه، جرحٌ لا يمكن إصلاحه.
صرخة الموت التي خرجت من حنجرة التنين الفضي هزّت الوجود بعينه، كانت إعلانًا، كانت لحظةً أوقفت العالم كله.
في لحظاته الأخيرة، نظر إيثريوس إلى غراناديل. لم يكن هناك ندم في عينيه الفضيتين اللامعتين، لم يكن هناك خوف، بل كان هناك شيءٌ آخر—شيءٌ لا يمكن ترجمته إلى كلمات. نظر إلى العالم الذي قاتل من أجله، نظر إلى السماء التي كانت شاهدةً على عظمته، ثم بصمتٍ مهيب، سقط على الأرض التي أحالها إلى رمادٍ بأنفاسه الأخيرة.
سقط ملك التنانين كما يسقط نجمٌ كان يضيء السماء، كما يسقط جبلٌ ظن الجميع أنه لا يمكن أن يتزعزع. حين رأى غراناديل جسد رفيقه ينهار، حين رأى العظمة التي قاتلت بجانبه تتلاشى أمام عينيه، لم يكن السحر هو ما حرّكه، لم تكن القوة، لم يكن الإرث، لم يكن السعي خلف المجد.
كان الغضب.
في نظر غراناديل، لم يعد النصر ذا قيمة، لم يعد هناك معنى للمعركة كما رآها في البداية، لم يعد يقاتل من أجل الحرية أو العدالة، كان يريد شيئًا واحدًا فقط—الانتقام. باندفاعٍ محمّلٍ بالغضب والحزن، وبضربةٍ أخيرة، حين امتزجت دماؤه بدماء إيثريوس على الأرض الميتة، وحين ارتسمت على وجه كلاريديس ابتسامةٌ لم تكن إلا تحديًا أخيرًا للموت، اندفع غراناديل بلا تردد. سيفه كان امتدادًا لروحه في تلك اللحظة، لم يكن هناك تفكير، لم يكن هناك تردد، بل كان هناك شيءٌ واحد فقط—**الرغبة في إنهاء كل شيء.**
غاص النصل في قلب كلاريديس، في أعماق الجسد الذي لم يعرف للرحمة وجودًا أبدًا، ومع تلك الضربة الأخيرة، ترنّح ملك الظلام للحظة، تراجع خطوةً للخلف، ثم هوى جسده على الأرض بلا حراك. لم يكن هناك مجالٌ للشك، النهاية وقعت، والظلال التي كانت تحيط به بدأت تتلاشى ببطء كما لو أنها كانت تعيش فقط بوجوده. غراناديل لم ينظر إليه أكثر من ذلك، لم يكن هناك حاجة، كل شيء انتهى.
كان هناك رماد، وكان هناك فارسٌ يقف وحده فوق أنقاض المعركة التي غيّرت مصير العالم. لكن بعد تلك اللحظة، لا أحد يعرف ما حدث حقًا. **أين ذهبت جثة التنين الفضي؟ أين ذهب غراناديل، أو ماذا فعل بعد تلك المعركة الطاحنة؟** لا أحد يعلم. هذه الأسئلة بقيت لغزًا لم يُحل، ورغم أن غراناديل عاد لاحقًا ليروي ما حدث، إلا أنه لم يذكر شيئًا عن جسد إيثريوس، ولم يسمح لأحد بأن يسأل.
لكنه تحدث عنه.
لم يكن مجرد ملكٍ سقط، ولا مجرد حليفٍ قاتل بجانبه، بل كان شيئًا أعظم. حتى في المجالس، كان غراناديل يتحدث عن إيثريوس بفخر، يحكي عن الحاكم العظيم الذي قاتل من أجل البشر ومات بشرف. لكن حين يخفت صوته ويتوقف للحظة، لا يتحدث عن المجد أو النصر، بل عن صديق... الصديق الأقرب، الذي لم يكن يجب أن يرحل بهذه الطريقة، الذي ترك خلفه فراغًا لا يُملأ.
ومع مرور السنوات، حين أصبح غراناديل ذكرى أخرى في التاريخ، بقيت كلماته، وبقيت ذكرى ذلك الملك الفضي، وبقيت الجملة التي تخرج منه في كل مرةٍ بدفءٍ خافت: "لقد كان غائبًا... لكنه لن يُنسى أبدًا.".