مضت ثلاثة أشهر ...

ثيو تحت سبات المصير المحتوم، انفاسهُ مُثقلة، يَسمع خطواتٍ خفيفه تتجه نحو زنزانته، فُتِحَ بابُ الزنزانه و لَم يتم سحبُه بعنف، و لم يتِم اجبارهُ بأن يفشي عن شيء، و انما يدٌ ناعمة و دافِئه غطّت جِراحهُ، ابعدت شعرهُ المتناثِرَ من على جَبينِه،

دخل التنفيس الى اعماقه، لم يستطع تحريكَ ساكنٍ لخ، استعادت ضرباتُ قلبِهِ انتظامَها تدريجيًّا.

" هل حَمِلتَ قلبكَ ما يفوقُ طاقته؟ "

كانَ صوتًا حنونًا، يد ناعمة، اختار ثيو الصمت حتى لا يستطرد هذا الشعور، لم يَنطِق بشيء ..

ـ ثيودور .. هذا انا، آسر .. انا هنا لأُعيدك معي، هيا .

"فتح عينيه"

ـ حلمٌ سخيف آخر، عطشان .

أدارَ ثيو رأسه يمينًا و يسارًا، نظرَ لإبراهيم و وجده يغط بنومٍ عميق، كان شخيره كفيلا بتمزيق طبلةِ أُذنه، شغّل ضوء الهاتف، إشتراه له إبراهيم، كان يحتوي على رقمِ هاتف الطبيب فقط ..

حاول التغلب على نعاسه والمشي للوصول الى زجاجةِ الماء .

ـ الحمد لله .

اعاد الزجاجة الى مكانها، و توجه لإبراهيم، حدّق به لثوانٍ معدودة ثم خرجَ للحديقة التي تكمنُ خلف المستشفى، اصبحت مكانهُ المُعتاد، فقد أمضى هنا ثلاثة أشهر ...

لذا تنازل إبراهيم بحديقته اليه .

تكون ذي اسوارٍ عالية و زهورٍ حمراء، يدخل اليها و يَقضي وقتهُ بالرياضة و الرسم.

نظرًا لوقته الذي كان يقضيه بمفرده في السجن فهو يعوض الوحدة بالرسم ! .

و يجلس على المقعد الوحيد و المركون في الحديقة، إذ ان لا احدًا يدخلها سِواه .

و بعد جولةٍ من التمارين الفردية، غفى لدقائق قليلة و سرعان ما افاق نتيجة لمساتٍ لطيفة، نعم إنها قطة !

تتبعهُ ضَي الى هنا في كل مرة يأتي بها، مدّ يده الشاحبه على شعرها الاسود، قفزت بحضنه لتنام بهدوء.

في مُحاولته الثانيه ليغفو، انتفض على صوتِ زجاجٍ يندثرُ على ارضية الغرفة، نهض و اخذَ ربطةَ شعره، رفعَ شعره بها متمتما " تبا، لا مكان للراحة هنا " .

نظر الى ضَي ثم ضحِك " انتِ ايضا قفزتي خوفا؟ "

حسنا لنرى ماذا حدث، تعالي ..

حملها ثيو و دخل الى الغرفة بِبُطْءٍ، وجد إبراهيم يتمتم غاضبًا و هو يمسحُ الزجاج المبعثر " من الغبي الذي وضع زجاجة الماء هنا؟ "

عاد ثيو بذاكرته.. و أدرك أنه لم يرجعها لمكانها و إنما وضعها على الارض !

بخطواته و بخفّة للخلف، اسرع مع ضي للحديقة ضاحِكا " إن علِم بأنه انا سأُطرد !"

وضعَ سبابتَهُ على شفتيهِ وهمس: لا تُفشي بي.

ـ ميو~ .

ـ اتسائل أين رمى الحال بآسر، هل أكملَ دراسته؟ أبي و أمي ..

أمال بعينيه للأسفل و الخيبه تملأُ ملامحه، ضَي تلامسُ أنفهُ المستقيم، كأنها روحٌ ارسلها الله لتواسي هذا المُنخذل .

هبَّت ريحٌ باردة و قوية للحظاتٍ ايقضتهُ من شروده :

ـ تسائلتُ ماذا ترسم، هذا هو آسر إذن ؟

إبراهيم يقفُ قربَ المقعد، ممسكًا برسومات ثيو، تحتوي على شخابيطٍ مرسومة لآسر بعضها تحمل ملامحًا مخربشة و البعض الآخر لا تحتوي على ايّ ملامح ..

جرَّ الأوراق بغضبٍ وانزعاج، وهو يحاول إخفاء الرسومات الباقية عنه، توتر وشعر بحرجٍ شديد.

- " أنتَ لا يمكنك التجسس على ممتلكات غيرك! "

توقّف الآخر عن العبث بالأوراق، ثم رفع حاجبه بتعجّب .

اقترب إبراهيم بخطوة بطيئة، ثم لوّح بإحدى الرسومات التي انتزعها قبل لحظات.

ـ " ممتلكاتك؟ " قالها ساخرًا، وعيناه تتفحصان الخطوط المرسومة.

ـ غريب... لم أكن أعلم أن شعري يُرسم هكذا ايضا، انتَ لم ترسم آسر فقط !

اتسعت عينا ثيو، وانقضّ محاولًا سحب الورقة، لكن الآخر رفع ذراعه عاليًا، مبتعدًا عنه عمدًا.

ـ أعدها لي! .

ابتسم ابتسامة جانبية مستفزة:

ـ إذن كنتَ تخفي هذا عني كل هذه المدة؟ أعلم بأنك ترسم فقط من تثق بهم، لذا فأنا احد الذين فازو بِثقتك .

إحتكَّت أسنانه، ثم دفعه بعنفٍ على صدره.

- انا فقط لا املك ما أرسمه، انتَ كل ما أستطيع رؤيته هنا، و آسر هو من قضيت عمري معه لذا لا تغتر ! اعدها الآن .

ترنح الآخر نصف خطوة... لكنه بدل أن يغضب، ضحك، أخذ نفسًا طويلًا ثم أرخى قبضته عن الأوراق ومدّها نحوه.

ـ حسنًا... خذها.

إنتزع ثيو الرسومات بسرعة وضمّها إلى صدره .

حينها انفرجت شفتا إبراهيم عن ضحكة قصيرة.. اقترب منه، و رفع يده ليربت على رأسه بعبث، مبعثرًا خصلات شعره الطويلة .

ـ إهدَأ... لم أكن أنوي سرقتها، هذا إنتقامٌ لقطع الزجاج التي تناثرت ..

دفعه ثيو بكتفه و بقوةٍ محذرًا له :

ـ لا تلمسني، هيا ضَي تعالي لينا ستجهّز لنا الفطور !

شدّ القطة سريعًا فوق كتفه، واستدار دون كلمة أخرى.

ـ لكنها قطتي انا ! عجبًا القطط تخون ايضا .

بخطوات سريعة عبر ثيو باب الغرفة، ثم دخل إليها ليُخبئ الرسومات تحت فِراشه .

تمتم وهو يبتسم لنفسه:

ـ ما زلتُ سهلَ الإستفزاز...

2026/07/11 · 2 مشاهدة · 737 كلمة
نادي الروايات - 2026