أُضِئَت القاعة بأضواءٍ ذهبية انعكست على عباءات التخرج السوداء، وتعالت ضحكات الطلبة وصرخات الفرح، بينما كانت عدسات الكاميرات تلتقط لحظاتٍ انتظرها الجميع طويلًا.
وقف آسر بين زملائه ...
أما ثيو، فكان يقف في إحدى زواية القاعة، شهادة تخرجه بين يديه، ربطة عنقه السوداء مرتبة، لكن توتره فضحه .
توقفت أنفاسه لحظةً حين لمح ذلك الوجه، رجلٌ لم يكن من المفترض أن يكون هنا.
وسط الزحام، الرجل يحدّق به بريبة، يرتدي بدلةً داكنة، وبصره مثبتٌ على ثيو وحده ... بجانبه يقف المدير، كان الرجل يناقش المدير و هو يؤشِّر على ثيو بنظراته .
اشتدت قبضة ثيو على شهادته، و هو يراقبُ العيون التي توشك ان تثقب ملامحه ..
لاحظ آسر توتره، و اقترب منه هامسًا:
ـ ثيو... ماذا دهاك ؟ وجهك شاحب، أتشعرُ بتوعّك؟ .
لكن ثيو لم يجب، فالرجل هناك ... ابتسم.
لم تكن الإبتسامة تحمل تهنئة... بل تهديدًا.
ـ هيو !
نگز آسر كتف ثيو بهاتفه، و سرعان ما إنكسرَ تشتيتهُ رادًّا بفزع :
ـ أخفتني! مهلا رأسي يؤلمني لما يجب ان ارتدي شيئا كهذا !
وقف ثيو يعدّل قبعة التخرج فوق رأسه بانزعاج، يحاول للمرة الخامسة أن يجعلها مستقيمة دون فائدة.
كان آسر يراقبه بصمتٍ لثوانٍ... قبل أن ينفجر ضاحكًا.
التفت إليه ثيو بحدة.
ـ تراهُ مُضحكًا؟
رفع آسر هاتفه أمام وجهه، لتظهر صورة التقطها له قبل لحظات.
كان ثيو في الصورة يعبس بشدة بينما قبعة التخرج مائلة بشكلٍ كارثي !
اتسعت عينا ثيو، يبغضُ أن يبتزه احد! و بشكلٍ خاص آسر ...
ـ إحذفها !
ابتسم آسر بخبث وهو يتراجع للخلف.
ـ مستحيل~... سآكُل على حسابك لأشهرٍ نتيجة هذه الصورة~
ـ آسر ! "يُقطّب حاجبيه" .
ـ نعم ؟ يا خريجنا العزيز؟
ـ أنا ... أشعرُ بـــــ
ـ ايها الخريجون ! لتصطفو سنلتقطُ الصورة ! ..
نادى بها المصوّر و هو يجهز الكاميرا
ـ هيا ثيو! هاتِ يدك لنقف بالصف الاول !
جر آسر صديقه من ذراعه، و هو يركضُ بحماسٍ بينما ثيو لاحظ ان الرجل لا يزال يحدق به، و المصيبة؟ انه تبعه ! و وقف بجانبه مباشرة ! .
ـ ما إسمك ؟
إبتسم له الرجل و هو يعدّل قبعة التخرج لثيو، بينما يتفحّصه من رأسه لنهايته.
ـ ثيودور نبيل ..
اجابه ثيو دون وعي، و هو يحكمُ على قبضته ممسكا بكفِّ آسر .
ـ ثيو، إرخي قبضتك !
لاحظ آسر توتر صديقه، و نقر خدّه تنبيها له : ركّز بالصورة ! حين ننتهي ستُعلمني بماذا انتَ شاغلٌ تفكيرك به الآن !
ما إن أوشكت الكاميرا على إلتقاط الصورة، رفع الرجل ذراعه و وضعها على كتف ثيو ..
تجمّد للحظة، و الكاميرا التقطت الصورة قبل أن يُظهر أي رد فعل.
ـ" مبارك يا شباب! " قال الرجل بابتسامة واسعة، مصفقًا لهم بكفيه .
اختفت الألوان من وجهه تدريجيًا، وانخفض تنفسه .
انتبه آسر لذلك، فالتفت إليه مستغربًا.
ـ ثيو؟
لكن لم يبدي أيّ إستجابة، ثبتت نظراته على الرجل الذي بدأ يبتعد بين الحشود.
وفي حركة مفاجئة، أمسك معصم آسر بقوة.
ـ تعال.
قالها بصوت منخفض و مهتز، رفع آسر حاجبيه باستغراب وهو يُسحب خلفه وسط الزحام.
ـ أين؟ الصورة التالية ... تبا ثيو معصمي يؤلمني !
تابع ثيو السير بسرعة، و قبضته تزداد قوة حول يد صديقه.
توقفا أخيرًا خلف مبنى الكلية، بعيدًا عن الضجيج، سحب ثيو نفسًا مضطربًا، ثم مرر يده المرتجفة خلال شعره.
حدق به آسر لثوانٍ قبل أن يقول بقلق:
ـ انتَ تتعرق، لم تكُن بخيرٍ منذ أن بدأ الحفل، اتودُّ الذهاب للعيادة؟
ـ اودُّ العودة الى المنزل ... لا اشعرُ بالراحة، الرجلُ هُناك يُقلقني ..
ـ من؟
ـ لا علم لي .. فقط ... " رجفة " .
ـ كما تريد، إنتظرني هنا و أنا سأذهب لإحضار الاغراض و من ثم نعود للمنزل .
ربتَ آسر على كتفه، محاولا تقليل الإضطراب الذي لحقَ به، فقد كان ثيودور حسّاسًا بنفسيته، إذ يعاني من نوباتِ هلعٍ مُفاجئة، إعتادَ آسر أن يتعامل معهُ بشكل صحيح في مثل هذا الموقف !
خشخشة ـ خطوات ..
ـ اتهربُ مني؟
"شهقة"