وصل كُلٌّ من آسر و ساهر الى مكان عملهما ، كانا جديدان في وظيفتهما لذا لديهم تصرف سيء تجاه الوظيفه، إذ دخل آسر و بيده كوب شاي بينما ساهر يحمل هاتفه و يلتقط صورا لنفسه، توثيقا للحظاته، تم استدعائهم من قِبل رئيس عملهم .

استلم آسر مهمته الأولى .

إذ كان مُحققا، في حينِ أن ساهر مُحامي، لذا فقد كانت مهمة آسر هي ان يحقق في قضيةِ القتل التي حصلت خلف هذا المبنى و الذي يعمل فيه ! اما مهمة ساهر فلم تأتي بعد .

اطال آسر الوقت داخل اجتماعه مع الرئيس، و قد كان ساهر بإنتظاره خارجا.

خرج ملاقيا ساهر امامه .

ـ تبا انا مُتعب .

رفع آسر شعره للخلف و عدّل ساعة يده، فقد انغمس في وظيفته بهذه السرعه !

ابستم ساهر بإستفزاز قائلا " بدأت تتصرف كالبالغين أخيرًا !"

رمقهُ آسر بنظرةِ استصغار " تقول هذا و انتَ لم تستلم مهمة بعد؟ "

ـ حسنا ربما سأكون محاميا للمجرم الذي استلمته !

ـ لن تكون ندًّا لي على اي حال، هيا لنخرج من هنا بدأ المكان يثير إشمئزازي .

استقام ساهر و فتح مظلته، و وضعها فوق آسر و هم على وشك الخروج " المطر غزير ايها الغبي .. لا اعلم ماذا رأيتَ بالداخل، لكن لا اريد ان اتورط في مرضك حقا "

اخرج آسر سيجارته و اشعلها، انتهى منها بسرعه و كان يتصبب عرقا، التوتر واضح!

في حين ان ساهر يضعُ جهاز الربو في فمه تجنبا للدخان، و هو يرى أن آسر انتقل لسيجارته الثانية غضب منه و ضرب كفّ يده بجهاز الربو، سقطت السيجارة من يد آسر، و نقرَ كتفه بكوعهِ قائلا بتعجب " ماذا دهاك آسر ؟ ما الذي رأيته هناك ! انت مشتت و متوتر . "

وصلو الى مدينة العاب كانت مُقفِرة بسبب الامطار و الجو البارد، جلس آسر على احدِ المقاعد و كان فوقه سقف يقيه من المطر، اما ساهر فهو يقف حِذاءَ صديقه و ينظرُ لشعره الابيض و الذي اصبحَ مُجعّد نتيجة المطر فإن طبيعة شعر آسر مُجعّدة حين يبتل .

ـ ث..ثيو ... المجرمُ هو ثيو يا ساهر، إنه يطلب مني الامساك بأخي لإعدامه .

نطق بها آسر، لسانه مُثقل و يداه السمراء ترتجف، نظر اليه ساهر بصدمة من ما قاله .

ـ ثيودور؟ اتقصد صديق طفولتك؟ مهلا كفاكَ مزاحًا ماذا عسى لثيو ان يفعل في قائمة المجرمين؟ أتمزَح معي؟ و ايضا كيف علمت بأنه هو ! متأكدٌ انك قد اخطأت الفهم، سنعودُ في الغد لنتأكَّد، هيا انـــــ

ـ إنه هو .. قرأتُ الإسم، ايضا اذكر عندما تم اعتقاله، كان آنذاك شابًّا صغيرا، يستحيل ان اخلط بينه و بين غيره!

قاطعه آسر بهذه الكلمات، بحزنٍ و استياء واضعًا يداهُ على جبينه و يفركه، جلسَ ساهر بجانبه قائلا له " ماذا ستفعل إذن؟ "

وجّه آسر نظراته لساهر مع ابتسامة ميّته " ماذا تقصد .. سأجدهُ بالتأكيد، و أُبعدهُ من هنا "

ـ و تخون القانون؟

ـ نعم .

ـ في هذه الحالة .. ستكون انتَ من يُعدم و ليس هو.

ـ و ليكُن.

نهضَ ساهر بسرعة و اطال النظر بشعر آسر ، لكمَ رأسه قائلا " لا تكن متهورا يا ابله، ربما ثيو يستحق العقابـــــ"

ضرب آسر ساق ساهر بقوة حيث انزلق على الطين الرطب و ابتلَّ بالمطر.

ـ ايها الحقير , افسدت اناقتي! تبا لك و لثيو خاصتك ايًّا يكن !

اعتدلَ ساهر محاولا تنظيف ثيابه من الطين، و من ثم فركَ انفه نتيجة البرد الذي تسلل اليه، ابتسمَ و اخذ وشاحَ آسر بغفله، و مسحَ به انفه كإنتقامٍ منه، ضحك و من ثم نطقَ بسخرية من آسر " إذن كان ثيو ذاك مجرما في نهاية المطاف .. لن تقوى على فعل الامر من دوني، سأعينك "

توسّعت حدقتا آسر، رفع عينيه لساهر و رأى كيف يمسح انفه بوشاحه .. استقامَ بغضب و سحبَ الوشاح منه، اراد لكمه على ظهره، إلا انه لم يكن في مزاجٍ جيّد لاثارة المتاعب مع ساهر ، لذا اكتفى بالرد :

ـ لا .. انشغل انتَ بعملك .

ـ لن اتركك تنغمس في الامر لوحدك , انا صديقك بالنهاية و ايضا ينتابني فضول للتعرف على ثيو هذا .

ثرثر ساهر بهذه الكلمات و هو يرتب سترته المبتله .

ـ لن اورطك في هذا، سأذهب، و لا يمكن ان نلتقي بعد الآن ساهر .. إن كنتَ قريبا مني لهذه الدرجه .. ستكون اول من يُشتبه به، خُذ سيارة أُجرة .

اخذ آسر بطريقه نحو سيارته، ركبها و توجّه الى بيته، يفكر طول الطريق بما سيفعله من حلٍّ لهذا، الآن عاد وحيدا، كل ما تبقى له بعض الوقت للتفكير في حل سريع، في حين أن ساهر استأجر سيارة في طريقه، كان كل ما يفكّر به هو لماذا اسم ثيودور اوروبي و ليس عربي؟ لم يكن يستطيع ان يكون جادا حتى في مثل هذا الموقف!

ـ حسنا، سأسأل آسر في المرة القادمه، هذا إن كانت هناك مرة قادمة .

_____

الآن و لبرهة فلننتقل الى احد الشخصيات الجانبية، طبيب في الثلاثينيات من عمره، يملك مظهرا حازمًا، شعره مصفف الى الخلف دائما، بشرته حنطيه و طوله يبلغ ال176 تقريبا ٫

كان اختصاصهُ جرّاح و تشريح، بالطبع لن ننسى إسمه " إبراهيم " .

كان طبيبا مشهورًا في مدينته، و هو جالسٌ على كرسيّه لفت نضره في الكاميرا شابّا يرتدي زي حارس الشرطه، كان يمشي ببطئ متكئ على الحائط، يُغطي نصف وجهه بيده، خرج الطبيب لرؤية الشاب، كان مصابًا بجروح و كأنه خرج من صالة تعذيبٍ و بالطبع كان شكّه في محلّه، اقترب من الشاب...

قدّم له كأسا من الماء " فالتشرب " .

قال إبراهيم للشاب الذي امامه و بيده الكأس و من دون مقدمات اخذَ ثيو الكأس من يده الا ان الماء امتزج بالدماء نتيجة النزيف في فمه، سعلَ ثيو و مسح الدماء " سحقا ٫ الطعم سيء اشعر و كأنني ابتلعت قطعة حديدٍ ذائبه " .

اخذ الطبيب كأسه من يده، و مسحَ فمه بمنديلٍ اخرجه من معطفه الطبي، كان ثيو لا يقوى على الجدال حتى، بالكاد يقف على قدميه ..، اسندَ الدكتور يد الفتى على كتفه و قال له " فالتأتي معي، لا يهم من انت الآن، بالداخل ستشرح لي كل شيء، لنقم بتعقيم الجروح اولا ".

استستلم ثيو بالطبع لا يوجد ما هو اسوء من هذا ليحدث، و مشى ببطئ و هو يرتكز على كتف الطبيب، دخل الى احد غرف المشفى، و جلس على الارض، كان الدكتور يضع فراشه بمكانه لذا فهو قد استراح فوق فراش الدكتور ...

كانت انفاس ثيو ضيّقه، فقد استنزفت قوته بشده، بينما يراقب حركات الدكتور .. فهو لن يثق بهذه السرعه، رمى اليه إبراهيم قطعه قماش " إمسح يديك " .

و من ثم احضر معقم و منديلا و جلس امامه مباشرة، "افتح فمك" .. فتحَ ثيو فمه و كان جرح كبير وواضح في لسانهِ و طرف فمه الداخلي . " سأضطر لخياطته اذن " .

نهض الدكتور ليجلب إبرة الخياطه من احد الرفوف و وجه سؤاله باستغرابٍ للفتى " ما اسمك " .

_ ليس شأنك .

كانت اجابة ثيو وقحه، مقارنة في مساعدة الدكتور له، الا ان لا احد يستطيع لومه على تصرفه، فقد تعرّض لخيانة و غدر ، فهو يفقد ثقته بمن حوله .

إبتسم الطبيب و قال :

-انا إبراهيم، طبيب جراحةٍ مشهور في هذه المدينه، الجو حار لان الساعة لم تصبح العاشره صباحا بعد .. لذا كنتُ على وشك أخذ قيلولة الصباح، إلا انني سرعان ما لمحت جروًا يزحف خارج مستشفاي و قد كان انتَ بالنهاية .

-لستُ مُجبرا على تحمّل إهانتك لي، فالتعلم بأني على استعداد للخروج و رفض مساعدتك السخيفه هذه ! .

الرد الثاني لثيو كان اوقح، لكنه لا يقل وقاحة عن كلام إبراهيم، لذا لن نلومه على هذا ايضا !

حضّر إبراهيم ادوات الخياطه و طلب من ثيو الاستلقاء، لبسَ على رأسه عصابة محتوية مصباحًا خاص من اجل الطوارئ، خيّط جرحهُ بخفّةِ يد، و من ثم عقمه ..

-ارجو بأنك لم تشعر بألم الخياطة، انا ماهر في هذا و ايضا لم اخيّط الجرح الذي بلسانك سيلتئم على اي حال، لكن نظرا لساقك، سأضطر لفحصها .

قالها الدكتور و هو يمسح اثار الدماء المتبقيه على وجه ثيو الشاحب، و من ثم انتقل الى ساقه، فتح العقده التي عليه، " رائع انتَ جيّد في ايقاف النزيف، ربما هذه ليست المره الاولى في تعرضك لهذا "

كان و هو يمسح ساقه و يفحصها برفق، قال هذا لثيو بإنبهارٍ و ثناء .

-بالطبع .. من يعتاد على الظلم سيجبر على تعلم اشياءٍ لا يريدها، ايضا فمي يؤلمني تبا متى سيلتحم هذا ! .

ردّ ثيو بكلماته و بصعوبة نتيجة الغرز في فمه ٫ و هو يعتصر كفه محاولا ان يقاوم الم ساقه .

-ستضطر الى البقاء هنا لفترة، هذا لصالحك على اي حال، ساقك مكسورة لذا سأجبّرها لك، و ايضا اثق بأنك لا تملك مكانا للمكوث، فالتبقى لبعض الوقت هنا .

"صمت"

اكتفى ثيو بالصمت و لم يرد هذه المرة، لم يكن يملك ردّا اصلا، كل ما قاله الطبيب صحيحا.

__ بعد ساعات قليلة .. افاقَ ثيو و كان قد تم تجبير ساقه و خياطة جروحه و تعقيمها، كانت اشعّة الشمس تغمر سريره الذي بجانب النافذه، مسح فمه ليرى يده، كانت و لأول مره منذ زمن لا تطبع الدماء على يده .

دخلت اليه ممرضه في الاربعينيات من عمرها " استيقضتَ يا بُني؟ الحمد لله انك بخير .. خُذ و كُل، قال الطبيب انك بحاجه لتعويض الدماء التي فقدتها . "

كان هناك ثلاث اطباق الاول يحتوي على اللحم و الثاني على فخذ الدجاج و الثالث على خضراوات و زبيب، من الواضح ان إبراهيم قام بشرائهم من ماله الخاص، اكل ثيو ببطئ نتيجة الغرز في فمه، لم ينهِ اطباقه الا انه اكتفى و شبع، شرب كأس الماء و ارتوى به، نظر لأبرة الوريد في يده، شرد ذهنه و سرعان ما فُتِح الباب

كان الطبيب .. " هل استعدت قوتك ؟"

اغلق الباب خلفه و احضر كرسيّه، جلس جانب سريره و وضع دواءًا في ابرة الوريد .

-لماذا تفعل هذا من اجلي ؟

كان رد ثيو قصيرا و غريبا كالعاده !

في ما ان الدكتور يواصل المسح على يد ثيو ليتوزع الدواء، رد عليه " افعل هذا لانه عملي فحسب "

- صحيح.

اغمض الشاب عينه لثوانٍ و تمتم قائلا " ثيودور..".

-اسمٌ غريب، من اطلقه عليك؟

- ابي .. كان طالبا في اوروبا، و قد اعجبه الاسم كان لاحد زملائه هناك ...

- هذا مُثير للاهتمام، اراكَ شابا صغيرا، كم عمرك يا ثيودور ؟ و لما انتَ في هذا الوضع ! .

رمى إبراهيم علبة الدواء الفارغه و اتكئ برأسه على الحائط، ينتظر من ثيو الجواب .

مرّت ثلاث دقائق حتى اجاب ثيو :

- خمسة و عشرون سنة، تعرضت لتهمة قتل، أُخِذ بي الى السجن قبل ست سنوات، كنت طالبا في سنتي الاولى بالجامعه، سُلبَ مني مستقبلي لشيء لم افعله انذاك .

-ما تخصصك؟

- مُهندس .

ـ و والداك؟

ـ تبرأ ابي و امي مني، ضنًّا بأنّي مجرم ...

حدّق الدكتور لبرهة في وجه ثيو، ثم عدّل جلسته سائِلًا اياه :

ـ ليس لديكَ إخوة؟

ـ انا مُتعب .

مسحَ ثيو عينيه كان من الواضح انه يشعر بنعاسٍ شديد .

نهض إبراهيم و اطفئ النور، طلب من ثيو ان يستريح قليلا، و سيكملون الحديث حين يستعيد نشاطه .

اخذ الاطباق التي تحتوي على بقايا طعامه، و خرج قائلا بإبتسامه " يُصبح اقلَّ شراسة حين يشعر بالنعاس "

2026/07/11 · 2 مشاهدة · 1777 كلمة
نادي الروايات - 2026