مدَّ يدهُ لفتح النافذة، و اتكئ على كرسيّه قربها، مكتبتهُ متوسطه الحجم نوعا ما، تحتوي على رفوف خشبية، يكون موقع جلوسه امام الباب مباشرة و بجانب النافذه، سند ساعديه على سطح المكتب و كِلتا يداهُ تُغطي عيناه، آسر في حيرةٍ لما وُضِع به ! ..
المجرم هو صديقهُ المقرب و هو بمثابة اخٍ له، بالتأكيد لن يسمح لنفسه ان يجرّهُ للإعدام، فكّر كثيرا و سرعان ما غفى على مكتبه فوق الورقة التي تحتوي على معلومات ثيو واضعا احدى ذراعيه تحت خده الايمن و ذراعه الاخرى تمسك قلما .
ـــــ العوده حيثُ اليوم الذي هرب به ثيو ...
ـ سيدي، من الضروري تفتيش المنازل المجاورة للمركز، اشكُّ بأنه قد ابتعد كثيرا، سأستعينُ بأحد امهر الكلاب لتتبع دمه، من المؤكد انه نزف في وسط الطريق، ايضا ثيابه لا تزال تحتوي رائحته .
قاله احد ضباط الرتبة العليا، استشاطو غضبا لموت الحارس و هروب الجاني، استعانو بكلابِ الصيد، و اخذوهم لتتبع رائحة ثيودور، و كما توقّع الضابط، كانت قطيرات الدم منهمره في بداية الطريق، لكن و لكون ان ثيو اوقف نزيف ساقه، فقد انقطعت الدماء و لم يجدو قطيرات اخرى، إلا ان الكلاب تتبعت رائحة ثيابه .
ـ أُمِرنا بتفتيش المنازل، مجرمٌ سفّاح لاذ بالهرب.
كانت هذه جملتهم عند اصحاب المنازل .
ـ سيدي المستشفى...
ـ لنتركه آخر مكان نفتش فيه، لن يسمح الطبيب بإبقاء مجرمين عنده على اي حال.
فُتّش منزل " لينا " الممرضه التي اعطت الطعام لثيو، و سرعان ما تذكرت ان الطبيب إبراهيم يخفي احد المجرمين .. انتظرت الى حينِ مغادرتهم، و هلعت الى المستشفى ناحية الدكتور مباشرة ...
ـ د..دكتور ... الشرطه إنهم بالخا...خارج، يبحثون عن مجرمٍ قاتل، اعتقدُ بأنه ثيو ..
تتكلم بتلعثم و خوف، و هي مسرعه لإبلاغ إبراهيم .
ابعد الدكتور الغطاء من فوقه و إعتدل بجلسته قائلا بإنزعاج:
ـ يا إلهي، كنتُ على وشك أخذِ قيلولةٍ قصيرة، إذن قد اتو الى هنا ... فتشو المنازل؟
ـ نعم دكتور.. و هم بطريقهم الى المستشفى مع كلابهم ... دكتور هل ثيو قاتل؟
ـ لا، ايضا لا تفشي بشيء لهم، سأذهب لجره الى مكان آمن .
نهض الدكتور و أخذ معطفه الطبي، خرج الى الممرضين، امرهم بأخذِ كل واحدٍ منهم مكانه، حتى يتعين عليه اخراج ثيو دون ان يلاحظه احد.
دخل مع لينا الى الغرفة التي في نهايتها الجاني، كان نائِمًا بعمق، نتيجة المخدر الذي حقنه إياه إبراهيم، إقترب الطبيب منه و قام بإزالة الأبرة الوريدية، حاول حمله إلا انه كان ثقيلا .
ـ ثيو استيقظ، الشرطه قادمة، ثيودور ... هيا فالتنهض لنخرجك من هنا، سأتركك ليجدوك إذن، لينا احضري دلو ماء .
اغمس الطبيب يده في الماء، ثم نثر قطراتٍ منه على وجه ثيو ليوقظه .
افاقَ ثيو لكن ليس بشكل كامل، كان نصف واعٍ و نصف نائم، سحبه إبراهيم من سريره و اخبره ان يتكئ عليه ...
ـ ثيودور ضع يدك على كتفي، فالنسرع يا فتى، لينا اجمعي الفراش و كل شيء قد لمسه ثيو، حاولي تعطير المكان بسرعه .
ـ نعم بالطبع .
جمعت لينا ابرة الوريد و العلاجات و حتى كأس الماء و الاغطية، و وضعتهم مع ثيو في قبوٍ تحت الارض، كان لا احد يعرف به سوى الدكتور و لينا، و الآن ثيو سيعرف به ايضا...
ـ السلام عليكم دكتور .. كيف حالك؟
دخل ضابط شرطةٍ الى المشفى و معه كلبُ صيد، كان الكلب يشمُّ و كأنه محتارٌ في الرائحة، اقترب الضابط و مد يده الى إبراهيم للمصافحه مع ابتسامة مستفزة.
كان الدكتور جالسا على المقعد يجري ابحاثه بالكمبيوتر الخاص به، و حين دخول الضابط وقف إبراهيم مُحترما له و إبتسامه مرسومه على وجهه، كانت إبتسامة ترحيب بالطبع.
ـ و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته، اهلا وسهلا، انا بخير ايها الضابط و انتَ؟ ايضا ماذا يحدث هنا..
"تصافح"
ـ ارى أنك منشغل، حسنا لن آخُذ من وقتك كثيرا، انا هنا بأمرٍ من سليم .. يجب ان نفتش كل الاماكن لايجاد المجرم فقد ولّى هاربا، لا تمانع اولست؟
كان مع كل كلمة يتلفظها يفحص المكان بعينيه، و كأنه يبحث على دليلٍ مشبوه! .
ـ حقا ؟ لكن ايها الضابط المُحترم، الا ترى أنه من الوقاحة دخولكَ الى هنا مع كلبك هذا، اعني ربما من الادب دخولك اولا لإلقاء التحية و من ثم إحضار هذا الحارس معك.
تراجع إبراهيم و التقط هاتفه، قام بضبط عدّادِ المؤقت عليه، و ثبّت عينيه على الضابط منبها له : " حين ينتهي الوقت، ستخرج انتَ و كلبك، اعتبره ردًّا لوقاحتك "
حدّق الضابط بالدكتور للحظات و من ثم تنهد " اوف .. حسنا اعتذر على وقاحتي يا دكتورنا العزيز، سأفتش بسرعه و اخرج، يمكنك إكمال عملك "
خرج الضابط مع كلبه و بدأ بالدخول الى الغرف واحدة تلي الاخرى و خلفهم إبراهيم، هو لن يتركه يتسكع في مستشفاه كما يشاء، وصل لإحدى الغرف، توقف الكلب فجأة، و أخذ يتراجع رافضًا تتبّع أثر الجاني، إذ بدا أن رائحةً كريهةً قد نفرته، رفض التقدم لشعوره بإنزعاجٍ في انفه، جرّه الضابط قسرا لإجباره على التحقق، عقد الضابط حاجبيه مستغربا، في حين ان الرائحه الفاسدة انتشرت بشكل غير متوقّع، تدخّل إبراهيم فورا لتبرير الموقف قائلا :
ـ احد المرضى استفرغ هنا، ربما نسيت لينا تنظيفه .. حسنا لابدَّ من ان الكلب يكره القذارة .
ـ حقا؟ مقرف .. أظن بأنه تناول قطة ميّته على الفطور !
ظهرت نضرةُ ازدراءٍ في عين الضابط و سحب كلبه مباشره، و اتجه نحو مخرج المستشفى، التفت للخلف و القى تحية الوداع على الطبيب .
ـ حسنا، بالنهاية قد انتهيتَ قبل رنِّ المؤقت، و ايضا لا تنطق كلمة " مقرف " على المرضى هنا، جميعهم اطفالي و لن اسمح لك بإهانتهم هكذا .
ـ هذا جيد و بالنسبة لمريضك ... لست مهتما حقا، سأخرجُ فقط و اعتذر إن بدر مني ما ازعجك، اسم المجرم ثيودور نبيل، هذا إن صادف و إلتقيتَ به فالتتصل بنا من فضلك .
إبتعدَ فريقُ التفتيش عن المستشفى و حين تأكدَّ إبراهيم من ذهابهم، توجه مباشرة الى القبو، ارتدى قفازًا و و ازاحَ الفراش من فوق المدخل .
ـ يا إلهى إنه مقرف حقا، كانت فكرة سيئه ان اخلط عقاقيري الفاسده و ألقيها هنا، لكن ما عساي أن افعل ؟ اردت إخفاء هذا الشقي حقا ...
نزلَ الى نهاية القبو و وجد ثيو يحتسي كوبا من الشاي و كأنه غير مهتم، حسنا هو لا علمَ له بما حدث بالخارج، كل ما ادركه انه مُطارد، نظر له ثيودور و كأنه يحزرُ خطّة الدكتور و ردد بعدم مبالاة " سيتم تشريحي في هذا المكان إذن "
إبتسم إبراهيم بسخرية، جلس على اطراف قدميه و أمال رأسه قليلا و هو يرمقهُ بإبتسامة، أخذَ كوبَ الشاي منه " خيالك واسع، و لكن لا يجب عليك شرب هذا ... إنه فاسد فقد نسيته هنا لفترة طويله "
ـ احضرَتهُ لي الممرضه .
ـ اوه حقا؟ جيد لكن لنتركه الآن و نخرج من هــ
لمحَ إبراهيم شيئا اسودًا خلف ظهر ثيو، و ركّز به الا انها قطته! رفع حاجبه مُتعجبا .
ـ ضَي ! ماذا تفعلين هنا، و كيف دخلتي اصلا؟
استغرب إبراهيم من دخول قطته الى هذا المكان، و كيف انها انسجمت مع ثيو بسرعه !
مسح ثيو على رأسها كانت قطة ذات لونٍ اسود و شعر ناعم، حملها ثيو و نظر اليها " دخلت من الخلف، يوجد فتحةٌ خلفَ هذا الجهاز "
اجاب ثيو و هو مُستلقي على الارض، رافعا احدى ركبتيه و القطة جالسة على ساقه المكسورة، و يحدّق بها.
ـ يا إلهي انتِ ذكيّه حقا، لم اتوقع هذا .
وقفَ الدكتور و قام بفرقعةِ اصابعه، و من ثم جرّ قطته الى الخارج و التفت لثيو، أبعدَ الغطاء عنه و ضرب كتفه بخفّة " هيا يا فتى , لنخرج من هنا "
إضطر الطبيب ان يحمله مع إعانة ثيودور له، بالكاد استطاعَ إخراجه من تحت، و ألبسه كمامة تقيه من الرائحه التي تفوح من العقاقير الفاسدة، أخذهُ لغرفته .
ـ حسنا لا أريدك ان تستغل الموقف ... لم أُنقذكَ لأجل شيء، كل ما في الامر انني لا استطيع ان اجلب الانظار لي، سأتورط بحق ان وجدو مجرما في هذه المستشفى ...
ـ انا لم أُجبرك على إنقاذي، كما قلتَ لي إن هذا عملك و انتَ تقوم به فقط، لستُ ممتنًا لك لذا لا تتأمل كثيرا.
استلقى ثيو على سرير الدكتور، كان قد اخذَه إبراهيم لغرفته الخاصة و ليست غرفة المستشفى، هذا يقلل احتمالية تعرضه للخطر .
احضرَ الطبيب بعض الأدويه و وضعها أمامَ ثيو، و هو يخلط بينما يُكلّمهُ بإنشغال:
ـ لست مهتما للإمتنانك، اخبرني الآن يا ثيو.. كيف قتلت الحارس؟
ـ ايُّ حارس؟
اتسعت حدقة ثيو بصدمه، و نظر للدكتور مستغربا، كيف علم بأمر الحارس؟
ـ ماذا دهاك؟ اعلم بأنك قد قتلت احدهم، اخبرَني الضابط بهذا، لما عساهم يبحثون عنك اذن؟
إسترخى ثيو و نظر الى ضَي و هي بحضنه، كانت عيناه شاحبه و متعبه، اطال نظره في عين القطه و تمتم " لم اكن اريدُ قتله "
ـ انا أُصدقك، لكن القانون لن يكتفي بهذا، كيف ستنجو الان؟ حتى و إن لم تكن مجرما، فقد اصبحتَ كذلك في النهاية .. ايضا لما انتَ وحيد ؟
و اصلا .. لم تجب على سؤالي بخصوص إخوتك.
دَمعت عين ثيو، كان من الواضح أنه يريد إنهاء الامر فحسب، ارتجفت شفتاه قليلا :
ـ ليس لدي إخوة .. كان هناك شخصٌ واحد فقط، لكنه تخلى عني ايضا، لم يقف احد الى جانبي، و لم يصدقوني و بسببهم انا انتهى بي الامر بمجرمٍ حقيقي، لكن أُقسم برب العباد .. هم من ظلموني، دكتور انا قاتلٌ الآن و لكن اريدُ منك ان تساعدني بشيء واحد فقط.. "مسح عيناه ".
أحضَرَت لينا العشاء لهما. و اغلقت الباب عند خروجها، قام إبراهيم بتشغيل إضاءة اخرى للغرفة، وضع الطعام امام ثيو و جلس بالجانب الآخر " بماذا ؟ "
ـ شربَ ثيو رشفة من كوب الشاي، و اعطى قطعة دجاج للقطة و هو يحدّق بها :
ـ ساعدني بالوصول الى أخي آسر .
إستغربَ إبراهيم و عقدَ حاجبيه سائِلا" اخاك ؟"
ـ هو صديقٌ لي .. اريدُ لقائه فقط.
ـ لماذا؟ اعني هو تخلى عنك، لماذا مازلت تريد لقائه؟
ـ لأسألهُ عن سبب تخليه عنّي ... و من ثم سأسلّم نفسي، ليس لدي سببٌ للهروب بعد الآن..
كان ثيو يتكلم و عيناه تشرحان إنطفاء روحه، لم يكن مترددًا بقراراته، فهذا دليلٌ على أنه غير مُدرك بالخطر النفسي الذي هو به.
ـ إذن انتَ تريد إجابة لسؤالك هذا .. تريدُ معرفة سبب اقرب شخص لك على غدرك، ليست مشكله لكن الآن ..
قطع الدكتور رغيف خبزٍ و وضع داخله قطعةَ لحم و قدمها لثيو " كُل، لتقوى على الصمود حتى لقاءك به"
ـــــــــــــــــــ