الساعة 5:10 صباحًا
مكالمتان فائتتان من ساهر، و آسر يقفُ مُتكئًا على نافذة غرفته، كان النسيمُ باردًا، يُحرّكُ شعره الابيض مع تطاير دخّان السيجارة في الهواء، ما إن اوشك على إكمال سيجارته، لاحظَ سيّارة توقفت امام شقّته، من غيره؟
ـ إفتح الباب !
صرخَ بها ساهر و هو يقف تحت نافذة آسر، إبتعد آسر متجهًا نحو علّاقة المفاتيح، اخذَ مفاتيحهُ و القى بها على ساهر، صاح من فوق و قد كان صوته مختنقا بسبب الدخّان :
ـ إفتحه بنفسك و ادخل .
ـ مهلا انتَ تُشعرني و كأنني اعمل تحت إمرتك!
التقط ساهر المفاتيح من الاعلى و اقترب من قفل الباب، ضلَّ يجرب المفاتيح على القفل ... و نسمات البرد تضرب جسده !
ـ الجو بارد هيا فالتُفتَح ! و اخيرًا ! سأردها له بالتأكيد.
خلعَ حِذائه و استدار متجها نحو المطبخ، أخذ كأس ماءٍ و صعد لآسر، وجدهُ يقرأ المعلومات الخاصه بمهمته، و ربما هذه المرة العاشره التي يراجعها .
ـ خُذ .
قدّم ساهر كأس ماءٍ لآسر، وهو يُمعِنُ النظر في الأوراقِ التي بين يديه.
رفع آسر عينيه للحظة، ثم أنزلهما بعدم اكتراث " على الأقل فالتحضّر لي كوب شاي، إفعل الخير على أكمله"
ـ لم يكن هذا خيرًا، بصقتُ به اصلا.
رمى الماء من النافذه و جلس على الارض متكئ بظهره على طرف السرير، تماما كما كان آسر يجلس .
ـ لِمَ تتغافل عني؟ .
ـ أخبَرتُك .
ـ لم يُعجبني هذا .
ـ ماذا الآن اتشعرُ بالحزن ؟
ـ نعم .
ضحك آسر لجوابِ ساهر، و رفعَ الصورة اليه قائلا " انظر .. هذا هو ثيو، كان شابا ذا شعرٍ فحمي و بشرته شاحبه نوعا ما، كان والده شديد البياض، لذا فهو نسخته الثانية"
ـ قصّة شعره غريبه، ليست دارجة هنا.
كان ساهر يكبت ضحكة السخرية من منظر شعره، و هو يطيل النظر بها .
ـ نعم شعره كان بطبقات كثيرة بالأعلى، والأطراف الخلفية أطول قليلًا مع غرة أمامية ناعمة، لا اعلم لما كانَ يُفضل هذه القصة، لكنها تليق به اوليست؟ "
ـ يبدو كشخصٍ يجلبُ المتاعب، الآن انا مُقتنع بأنه مجرم.
وضع ساهر يداه خلف رأسه و اسند رأسه على السرير، محاولا إستفزاز آسر .
ـ الأمر معاكس تماما .. انا من كنت اجلب المتاعب و هو يتستر عليها .
آسر و هو يسترجع ذكرياتهم سويا، أظهر إبتسامة تحمل شوقا اليه.
ـ اعتقد بأنه فقد شعره هذا، بالنهاية من المؤكد انهم قد حلقوه بالكامل، اشعر بالشفقة تجاهه.
بعد ان لاحظ ساهر أن آسر اصبح اهدأ قرر ان يتصادم بالكلام بشيءٍ عفوي، علّه يساعد صديقه، إلا ان آسر كان على بعد ثوانٍ ليفاجئ ساهر بخطة غبية منه.
ـ ساهر، انتَ ستساعدني و لكن لن اورطك بشيء أي انك ستقوم بعملك فحسب .
اعتدل آسر بجلسته و اظهر ملامح الجدِّ، عقد حاجبيه و هو يحاول شرح الخطّة لساهر .
ـ ماذا تقصد ؟
كان ساهر غير مُطمئِن لما يفكر به صديقه لذا اكتفى بالاستماع اليه لنهاية حديثه ..
ـ انا سأُحقق بقضية ثيو، سأكشفُ المجرم الذي القى التهمة عليه، من الجيد ان ثيو بريء سيُسهل هذا عملي , حين اجده سأُخفيه بالطبع لحين إكمال القضيه .. و سأُفتّش عن عائلة الطفل، اما انتَ ستكون المحامي في نهاية الطريق امام القاضي .
كان ساهر يُصغي اليه ساندًا ذقنه على كفّ يده، شعر بالقلق و رد عليه " ماذا لو كان ثيو قاتل؟ اعني ربما ارتكب جريمة حقا "
ـ يأتي دوركَ هنا، انتَ ستقوم بتلبيس التهمة لي.
بُهِتَ فأعتدلَ بجلسته، اخذ الاوراق من يد آسر و رماها بعيدا و هو يصرخ " انتَ غبي ؟ بحق الخالق هل تطلب مني ان أُلبسك تهمة قتل؟ و تُعرضك للاعدام ! ايضا تهمة باطلة، أُصبت برأسك اليس كذالك، من ذا ثيو حتى تضحي لاجله هكذا .. أين هو الآن؟ هو بالسجن مجرم قاتل، يستحق الموت لقتله بريئا، ماذا دهاك يا آسر انتَ و من المستحيل أن تغلبك عاطفتك، أُنظر لنفسك.. مُثيرٌ للشفقة و تريد ان تصبح مجرما "
تنهد ساهر لأخذ نفسٍ عميق، و خلع معطفه فقد اصبح الجو حارا الان بعد نوبة الغضب التي اعتلته .
ـ إن لم تفعل هذا سأطلب من غيرك، سأرشيهم بالمال، لا يهم .. و ايضا كما انتَ تَعتزُّ بي الآن فأنا ايضا اعتزُّ بثيو، كان خليلي و أخي، لم يكن بمقدوري مساعدته، فعمري انذاك واحد و عشرون سنة.
حين اخذوه و منذ تلك اللحظة لم اراه، لقد وعدته بالزيارة، و بمحاولتي زيارته قيل لي بأنه تم إعدامه، تعرضت لصدمة نفسية، لكن الآن و حين علمتُ بأنه على قيد الحياة، انا سعيد بهذا.. لا يهمني إن كان مجرما ام بريئا، سأُضحي بما لدي من اجله، اوليست الصُحبة هكذا؟
كان آسر يتكلم و هو يحدّق بالاوراق البعيده التي رماها ساهر، و في كل كلمة ينطِقها يشعر و كأن سكاكين حادّة تُغرسُ في حلقه .
لفّ ساهر رقبته لفرقعتها، كان و قد أُصيب بصداعٍ بسبب آسر، إنه في حيره بهذا الموقف، على دراية بأنهُ لن يُغيّر رأيه، و هو إن رفض مساعدته فسيطلبها من غيره، لذا قرر قبولها متأملا ان ثيو ليس بمجرم .. قرر عدم التشائُمِ و سيمضي بهذا، غير متأكد بما ينتظره !
ـ حسنا، كما تريد و لنرى الى اين نصل .
نهض من مكانه و جرّ معطفه، توجه لباب الغرفه، التفت لآسر " ماذا تفعل ؟ لديكَ عمل هيا تجهّز، سأُقلّك "
ـ صحيح، و لنذهب و نفطر عند العم صالح، انا جائع .
كالعادة تأنّق آسر و اعتنى بتسريحة شعره، خرجا معا لسيارة ساهر و إبتسم آسر كاشفا كذبة صديقه " كُنتُ اعلم أن والدك لم يأخذ السيارة "
رفع ساهر حاجبيه و امال رأسه ناحية آسر، اخرجَ طرف لسانه سخريةً منه :
ـ بالطبع، لماذا أصرفُ الوقودَ ما دُمتَ انتَ من يقلني، فالتصعد بسرعه انا ايضا جائع.
ـ لن ترى سيارتي حتى بأحلامك .
ـ مهلا ! لا تغلق الباب بهذه الطريقة، انتَ ... !
**************