ـــ بعد ثلاثِ ساعات .....

آسر يقفُ ساندًا بجسده على الحائط، مائِلا برأسه، و الى جانبه والدا ساهر، الاب في السبعينيات من عمره، اما الام فقد تجاوزت الستينيات مُرتدية حجابا اسودا تمسك بيدها المُجعّدة سترة ابنها المصاب، و هي تبكي و تدعو الله ان يُنجي إبنها .

, الممرضون يحاولون مواساتهم، و آسر يتآكل و بهدوء، يضربُ بأصابعه و بخفّةٍ على فخذه، .. ينظر لعقارب الساعه و هي تتحرك بِبُطء ...

ـ مُحقق، إنه منديل مبلل .. اعني يداك ملطخة بالدماء منذ ساعات، .. فقط نظفها.

قدَّمهُ له احد موظفين المركز الذي يعمل به، و قد لحق بهم للمستشفى خوفا على سلامة المحقق، إلا أنه لم يتلقى ردًّا منه، فتراجع..

تحرك آسر من مكانه اخيرا و توجه الى دورة المياه، غسل يداهُ و بالرغم من تنظيفهِ لها، إلا أنّ رائحة الدم لم تبرح...

رأى وجهه بالمرآة و مسح على شعره بالماء، ثوانٍ معدودة و من ثم إستدار ناحية الخارج، إستعمل باكيت السجائر التي اعطاهُ له ساهر، و ما إن كان يوشك على إشعالها .. صرخ الممرض منبها له بأن المريض خرج، رمى آسر السيجاره و ركض للداخل ...

وجد الاطباء مجتمعين و يحاولون منع والديه من الإقتراب .

ـ عمي، فالتُعطي مساحة للدكتور، خرج ساهر للتو من العملية لا نأملُ ان ينحدرَ الامر للاسوء بسبب إصراركم عليهم، ارجوك خُذ بعمتي للخلف و حاول تهدئتها، ايضا لا تقلق ساهر قوي بما يكفي ليجتاز هذا، فقط حاول ان تتماسك.

آسر محاولا السيطرة على والد ساهر مُمسكًا بكتفه، و بالطبع فقد إستجاب الاب إليه .. سحبَ زوجته برفق من بين زحمة الاطباء، يحاول ان يصبرَ من اجل إبنه، أما آسر .. فيحدّق من خلفهم ساعيًا لخطفِ نظرة على صديقه، هو يريد التأكد من لون شفاه ساهر على الاقل !

و بعد نصف ساعه، سُمحَ لهم بالدخول و الإطمئنان عليه، دخل والداه اولا، و إنهارت أمهُ بدموعها أمامه، تبكي و تعاتبه لتوريط نفسه في المتاعب، ساهر بالكاد يفتح عينيه و هو يرى بهما دموع والدته، إبتسم و لوح بيديه :

ـ أ...نا بخير، ماما أُنظ..ري "سعال" .

ـ صغيري "تبكي و هي تعتصر يديه" .

ـ انا هذه المره حقا سأقوم ببيع سيارتك، لن تراها حسنا ؟ انتَ لست أهلًا لتكون محاميًا حتى ! .

عاتبه والده بهذه الكلمات المُحتضنة بالخوف و الحب، و هو يمسح على شعره البُني و المبعثر .

إبتسم ساهر و هو يربتُ على يد والدته، و مُجيبا لابيه :

ـ هيا ابي ! ، لستُ سيئا لهذ..ه الدرجه "إعتصار" ، أين آسر؟ هو لن يطمئنّ على صديقه ؟.

ـــ

ـ ايها المحقق.. انا اعتذر لما حلّت عليكم من مصيبة، هذه الرصاصة التي طلبتها، وضعناها من أجلِك في كيسٍ حافظ .

ـ شكرًا، دكتور ... هل هو بخير ؟

اخذ آسر الكيس من يد الطبيب، و سأله بشجن و هو يميل بجفن عينه .

ـ بالوقت الحالي هو بخير، سيبقى هنا هذه الليلة، يمكنكم نقله غدًا و ايضا لبُنيته القوية فهو قادر على التعافي بسرعة، فقط ليتناول كميات كافية من الطعام و خصّيصًا الكبد، لتعويض الدم .

اجابه الدكتور و إنتشرت الطمأنينةُ في قلبه، إستأذن منه، و اثناء ذهابه لغرفة ساهر قابله والده و كانت ملامحه تشعُّ براحة و شكر، وضع يده على كتف آسر و اعتصره " ساهر إستغربَ لعدم رؤيتك " .

ـ بالطبع عمي، انا في طريقي اليه، وددتُ فقط ان اترك لكم مساحة معه .

اجاب آسر بكامل إحترامه لعمه، مضى لباب الغرفة، ما إن فتحه تصادم بوالدة ساهر :

ـ عذرا عمتي، هل انتِ بخير؟

سرعان ما اعتذر لها، فأجابته هي بإبتسامة " لا تقلق يا عزيزي، فقط إذهب لساهر هو ينتظرك " ..

خرجت والدته تاركتا أبنها مع صديقه، وقف آسر لبرهة يتفحّص ساهر و ما حوله، إقتربَ قليلا ...

ـ قال ابي انك بكيت .

وجّه ساهر كلمات السخريه هذه لآسر و هو يخلطُ إبتسامته بشحوبِ وجهِه.

ـ من يبكي؟ لا تجعلني اضحك ...

رمى آسر جسده على الاريكة بجانب السرير و هو مُنهك بسبب جلوسه لساعاتٍ على مقاعد المستشفى الخارجيه، فهيَ قاسية على جسده .

ـ هذا مؤسف .. انتَ لم تشعر بالأسى تجاهي حتى، و لم تحتضنّي مُقبضا على جرحي ايضا، حتى أنك لم تتوسل لي لأعيش، "تنهد".

أبى ساهر ان يوقف سخريته منه، محاولا تلطيف الجو .. ليخفي شحوب وجههِ خلف إبتسامةٍ مُصطنعة..

اخرج آسر سيجارته، و أدرك وضع ساهر هذا فأعادها، و إلتفت له ليسأله بجديّة " هل انتَ بخير؟ "

ـ لو لم اكن كذلك لما إستحملت رؤيتك .

رمقهُ آسر بنظرةِ ندم لسؤاله، و من ثم تنهد و إستقام ليخرجَ من الغرفة، احاطَ مقبض الباب بكفّه، و أدار رأسه لساهر :

ـ ماذا تود ان تأكل على العشاء؟

ـ انتَ تواسيني بطريقتك ... حسنا ارغبُ برأسِ خروفٍ و سمكةٍ مشوية، ايضا لم افطر للان , لذا احضر لي كوب شاي و أسرع انا جائعٌ بحق !

فتح آسر الباب " سأعود بالكبد " و من ثم اغلقه بقوة خلفه...

تمتم ساهر بإنزعاجٍ "لا أُحبه ! " و من ثم ارخى حاجبيه و ردد مع نفسه :

ـ أستطيع ان الاحظ بأنك لم تفطر ايضا، شفاهه افتحُ من المعتاد .

لم يكن آسر يشعر براحةٍ قط، فقد كان الشجن يعلو ملامحه، وقلبه مضطرب، يحاول جاهدًا ألّا ينهار.

كان يؤذي صديقه من أجل شخصٍ آخر...

أمّا ساهر، فكان يصارع ألمه أمام ناظري صديقه ووالديه، محاولًا إخفاء معاناته كي لا ينهش الندم قلب آسر حين يراه في أسوأ حالاته، وكي لا يحمّل والديه شيئًا من اللوم لآسر.

لكنّ محاولته باءت بالفشل، إذ استطاع صديقه أن يلحظ الإرهاق الذي ألقى بظلاله على ملامحه البشوشه... حتى إنه لم يعد قادرًا على إستفزاز آسر هذه المرّة.

ـــــــــــ

لكَ يا خلّي مودةً

باللهِ افديكَ إنّي

أخيطُ جرحَ قلبِك

لِتَنقُل ما فيكَ لي

2026/07/11 · 1 مشاهدة · 898 كلمة
نادي الروايات - 2026