بين أروقة المستشفى الباردة، هرول مسرعا .. ينادي لممرضه في إحدى العمليات :
ـ ثيو أسرع!، الطفل في حالة حرجة، فقط أحضر المعدات و إلحق بي !
تبعه ثيو بسرعة، و دخل خلفه الى غرفة المريض، أغلق الباب خلفه و حضّر ما يلزم للعملية :
ثيو؟ لحظة فقط ... فلنعُد للوراء لبرهة !
رمى الدكتور حقيبة ثيو امامه، تحتوي على ثيابٍ و ادوية ..
ـ ثيودور، ستَمكث عند لينا .
ـ لا اريد .
رد ثيو بإنزعاجٍ و هو يرفض ان يذهب لمنزل لينا بعد ان عرض عليه إبراهيم عدة اماكن ليعيش فيها .
رفع الدكتور شعره بحَيرة، و فركَ عينيه سائِلا إياه " ثيودور، انتَ مزعج هذا خامس مكان اعرضه عليك، ستذهب لمنزلها حتى و إن أبيت، لا يوجد غيره حسنا؟ او أخبرني بحق ربك .. لماذا ترفض ؟ "
قالها بغضبٍ و هو يتّجهُ ناحية ثيودور، بينما ثيو يجلس على الكرسي، امال برأسه الى الاعلى، إلتقت مقلتاه بإبراهيم، و الذي كان يرمقه بنظرةِ تساؤلٍ تعتليها الغضب .. على وشك أن يشدَّ ياخةَ ثيو، فأجابه ببرودٍ و فقدانٍ للشغف:
ـ فقط أبقيني هنا، سأمكثُ في القبو..
ـ حقا؟ انتَ تُصيبني بصداع يا فتى، تريد ان اجعلك تسكنُ القبو و الذي يضمُّ جميع مستنداتي؟ يا الهي لتخرج و تذهب مع لينا حالا، لا اطيقُ رؤيتك هنا اكثر !
تراجع نافضًا رأسه بضيق، استفزّه ما قاله ثيودور ...
لم يجادله الفتى، إستند على عكّازته الخشبية، فساقهُ لا زالت مجبّسه .. ودّع ضَي بنظراتهِ و هو يتّجه صوبَ الباب .
ـ لماذا ترغب في البقاء هنا؟
سأله إبراهيم و هو منشغلٌ بتصفيطِ رفِّ العقاقير...
ثبت ثيو في موقعه، يحدّق بالارض التي امامه، قبض على مسكةِ العكّازة و مقلتاه غطتهما لمعةٌ تنعكس بها معاناته، عضّ شفته السفلية بحزنٍ و ضيق، كان الالم يعتصر قلبه مسحَ عينيه بلمحةٍ حتى لا يلاحظه الطبيب و أجاب بنبرةٍ مرتجفة ...
ـ لا أثق بأحد .
تجمدت كلتا يدا إبراهيم، و تلاقت عيناه بظهر ثيو، و الذي كان نحيلا أي ان إرتجافاته واضحة .
ـ انتَ تثق بي إذن..
سحب إبراهيم منديلا، و تحرك ناحية الفتى، و من خلفه مدَّ لهُ المنديل، مدركًا أن أكثر ما يمقته.. بأن يُبصره أحدٌ وهو يبكي .
ـ كما تبتغي، خذ هذا، و الثياب التي اهديتكَ إيّاها إرتديها، سآخُذكَ للسوق فأنتَ بحاجة الى اشياءٍ اضافية اولست؟
اخذ ثيو المنديل و مسح عينيه، و من ثم عاد لمكانه، كان مميلا برأسه إلى الأسفل، و شعره متناثر على وجهه، لحينِ أن يزولَ الحَمارُ من عينيه .
نزلَ الدكتور جالسا على ركبتيه، و فتح جِبس ساقه، عقمها و كانت قد شُفيت نوعا ما، بينما هو يفعل هذا، يُعْلِم ثيو بشروط مكوثه :
ـ ربما من تثق به هو بالنهاية سبب خذلانك، لذا لا تثق كثيرا يا ثيو، لا احد يستحق منك شيء .
تعقيم، قص و مسح..
ـ ايضا انتَ ستعمل هنا، لن يكون بمقدورك الرفض ... لذا خططت لوظيفتك مسبقا، ستكون ممرضا تحت إشرافي، سأُعطيك أعلى رتبةً للممرضين، حتى تبقى خلفي دائما، أُدرِّبك و اجعلك أهلا لذلك، ما إن تتعلم بشكل جيد، سآخذك معي في رحلاتِ عمل عبر المدن، و. يسهّل هذا لِقاء اخيك ... موافق؟
ـ كأن لي خيار؟
اجاب ثيو بطواعية و شجن .
ـ لا، سنبدأ بتغيير مظهرك، و إسمك و كل شيءٍ يتعلّق بكـــ
ـ آخ .
توعَّك ثيو و شعر بألم، سحبَ ساقه المصابة، و رفعها فوق الكرسي الذي يجلس عليه ليضمها، اي اصبحت ساقه السليمة ممتدة بينما ساقه المصابة تحوّطها ذراعه .
ـ ماذا؟ انا لم اضغط الى تلك الدرجه، لا تكُن مدللا هكذا، أنزل ساقك و لتحاول المشي عليها .. هيّا ! لدي أعمال لأقوم بها ..
إمتثل ثيو لما أمره به الدكتور، و أزاح خصلاته المتدلية حتى إستقرت خلف أذنه.
وقف إبراهيم و وضع يداه على خصره و هو يطيل نظره بثيو، بسبابته لمس شعره الفحمي، و كان طوله يتجاوز رقبته بقليل ..
ـ شعركَ إجعله أطول، اعني سيبدو اجمل بكثير و يغير من مظهرك كليا، فالتجعله منسدلا على خصرك، و أنا أشتري لك نظَّاراتٍ طبيّة، زيّك سيكون مختلفا، و سترتدي معطفا ابيض، بالنسبة لإسمك فقد فكرت بما أن شعرك فحمي اللون و سيحتلّ ظهرك، فإن "دجّان" مناسب .. ايضا بالنظر لحياتك الوردية، فسيناسبها إسمٌ مظلم كهذا " إبتسامة" ما رأيك؟
ـ كما ترى .
ـ و لكن انا، أُناديك بثيو، فقط الشخص الوحيد المسموح له بهذا هو انا، فقد إعتدت عليه كما تعلم، لكن ليس امام احدٍ آخر، و سأُعلِمُ لينا بأنك كذبت بإسمك، حتى لا يكتفشك احد، أي أن إسمك الحقيقي هو دجّان، موافق؟
ـ انا خلف خطاك، ليس لدي خيار .
إبراهيم و هو يعرض على ثيودور افكاره، بينما ثيو لا يعارض ابدا، الشخص الوحيد الذي تفهّمه و إحتواه منذ مدة طويله هو الطبيب، لذا لن يثق بأحدٍ غيره، لحين أن يلتقي بأخيه على الاقل .
ـ ضع يدك على ذراعي، و حاول الوقوف.
قدّم إبراهيم ذراعه لثيو، و طلب منه ان يسند يداه عليها، ليحاول ان يرى ما إن يستطيع المشي على ساقه ام لا.
" مسك "
"سند"
"وقوف"
"سقوط"
إستند ثيو على الدكتور، و ابعد هو الآخر ذراعه ببطئ ليستطيع ثيو ان يقف بتباطؤ، و لكنه سقط، ليس بسبب ساقه و إنما فقد وعيَه .
ـ و الآن يجب ان اعالج رأسك ايضا، فالتستفيق يا فتى، انتَ؟ مهلا هل تتنفس اصلا؟ ..
احضر الدكتور جهاز قياس الحرارة، لاحظ جسده و هو يرتعش بشكل غير طبيعي ...
ـ هل هو بخير؟ أعني منذ ان اتى هنا.. كان و في كل مرة يراني بها يرتعش .
قالتها لينا و هي تمسك بيدها كوبا من الشاي، حضّرته للدكتور .
ـ كنت اشك بالامر إلا أنه إتضح لي، هذا الفتى يعاني من اضطرابات نفسية، بالرغم من نمو عمره و جسده، فهذا يعاكس عقله المضطرب، هو ذكي و يعي كل شيء الا انه يعاني من " الشخصية العدوانية " تسبب له عدم ثقة و خوف من اي شخص يراه .. ، هو فقط يعاني و يحتاج لمن يسانده ليعيد ثقته ..
ـ و ما أنت بفاعل معه دكتور؟
وضعت لينا كوب الشاي على المكتب، و جهّزت الفراش لثيو .
حمل الطبيب الفتى و القاه على السرير، تحت سقف غرفته، لونها ابيض بالكامل، تحتوي على مكتب فضي يعتليه كمبيوتر و اجهزة طبية، في زوايا الغرفة رفوف، توضَع عليها أدوية و مستندات، جميع ما سبق في الجهة اليسرى، اما سريره فهو على الجهة اليمنى من الغرفة، سيضطر لشراء سرير آخر له ...
ـ أُعينهُ.