وصل المحقق سيدي .

ـ أدخله .

بين جدرانٍ تحتوي على من ظُلم و ظَلَم، مجرمٌ تلقّى جزائه، و ضحيةٌ دفعت ثمن تعرّضها للأذى ... سقفٌ ضيّق، ليس لمسافته و إنما لحقيقته ....

الممرات ضيّقه، لحقيقة أن مظلوما خطى عليها .. و إندفن حقّه بين زواياها، خطواتُ آسر تلامس ارض المركز البارد، يتفحّص بعينيه كلَّ ما هو آتٍ امام ناظره .

ـ السلام عليكُم و رحمةُ اللهِ و بركاته .

ألقى آسر تحية الإسلام، على من لا يملكون ما يدعو لتسميتهم بالمسلمين .

ظُلّامٌ طُغاة، خانو دينهم قبل خيانة أماناتهم .

ـ و عليكُم السلام ورحمة الله وبركاته.

و الأمَرُّ بذالك، أنهم يتزينون ظاهريّا بإسم الدين، جُملة طاهرة و التي تخرجُ من افواهٍ نجسة .

ـ انرتَ ايها المحقق، حين قيل لي أنك آتٍ لم اصدّق، المحقق و هو من وكِّلَ أمر أخطر المجرمين، أتى لزيارتنا؟ هذا و هو لشرفٌ لنا !

يثرثر العجوز مع صفقاتٍ تخرج من كفّه، لم يكلف نفسه عناء الوقوف، إكتفى بالترحيب على مكتبه، الشيب سبق الموت لرأسه ... التجاعيد بخدّه تحملُ خطايا من أُبيد حقهم ظلمًا .

ـ بل هو لشرفٌ لي أن أُقبل بمكانٍ كهذا، و من حضرتك سيد سليم ..

آسر و هو يقف ملقيًا بكلماته، يتفحّص المكان بدقّة، ارخى ربطة عنقه لشعوره بإختنقاءٍ غريب .

"مصافحة" .

ما إن مدَّ آسر يده للمصافحة... لاحظ خاتم سليم، حتى اجتاحه إحساسٌ مألوف... ذلك الخاتم لم يكن غريبًا عن ذاكرته.

ـ فلتسترِح اولا، نقدم اجود انواع القهوة .

إقترح سليم لآسر ان يتبادلان التعارف، ثم يلحقهُ بالمعلومات التي جاء لأجلها، و بالطبع رمى آسر جسده على الأريكة، و قال بتنهد : " الطريق بعيد الى هنا سيد سليم، انتَ ربما تعلم انني اعمل بالمدينة الابعد للمركز " .

إبتسم سليم و هو يطرق على المكتب بقلمه الناشف، اذ كان لا يستعمله حتى، فهو ليس بحاجة اليه ..كل ما يريده يقوم به دون مخططات، الظالم يطبّق فقط ... وضع سجائره على المكتب، و رفع يده لمناداة الضابط قائِلا مع إبتسامة تعتليها التجاعيد :

ـ إذن كأس عصير سيساعدك؟

رد له آسر الابتسامة و اعتدل بجلسته، واضعا كوع ذراعه على ركبتاه و متشابكا بالاصابع " كوب من الشاي فضلا "

.

سليم : بكل سرور، احضرو لضيفنا الكريم كوبا من الشاي، و اجعلوه بنكهة الورد.

جلجل المسنُّ بضحكاته الطاغية، و استدار جالسا على كرسيّه نحو رفوف المكتب، سحب احد المستندات و رماها على مكتبه .

ـ أظنُّ بأنَّك رأيته في الصور، شاب نحيل ذو شعرٍ اسود، عيناه شبه ميّته، يليق به لقب المجرم، فهو قذر إرتكب جريمته بسنٍّ كان من المفترض أن يبني مستقبله به .

وضع سليم المستندات امام آسر مباشرة، و أشار الى صور ثيو، كان شاحب الوجه، لا نفس الوجه الذي يعرفه آسر، ليست ملامح صديقه المريحه و الرجوليه، لم يكن جسدُ أخيهِ الممشوق بالعضلات، ذلك الشاب الطموح و المحترم و البار، الذي دنّسته جريمة لم تكن له صلة بها... اطال آسر رؤيته و مرر اصابعه عليها، أخذ الاوراق بيده التي خُطف لونها .. و هو يقلّب بالصفحات، صُعِق صدمة بالصور التي امامه .

إرتجفت يدا آسر بغضب و هو يمسك الاوراق بيديه، رفع مقلتاه، و الغضب مرتسمٌ على تقاسيم وجهه، حاجبان منعقدان، متمتمًا " قلتم بأنه تم إعدامه " .

ـ عفوا؟ .

ـ أجبني يا سليم، لما كذبتم بشأن الإعدام؟ .

صمت...

شدّ آسر قبضته و ضرب بها على سطح المكتب، تدحرج القلم الناشف و لامس الارض، إرتفع صوت آسر امام رئيس المركز " أحضر لي الدلائل " .

ـ لم تكتمل التحقيقات، إضطررنا لتخميد الجريمه البشعة، تحت كذبة كهذه، حتى يتعين علينا التحقيق بسرية، و لكن إتضح أنه المجرم بالنهاية و ما إن قررنا إعدامه هرب.

سليم يثرثر بكلماته و هو يحدّق بالاوراق التي تتحرك بعشوائية، نتيجة إرتجافات يد المحقق، الغضب ينساب اليه، من رأسه حتى أخمص قدميه.

ـ أيُّ جريمةٍ هذه؟ تدعوكم لتعذيب مراهقٍ ببشاعة ! ، حتى انكم لم تتأكدو من حقيقته ! سليم انتَ إقترفتَ جريمةً شنيعة بحق هذا المجرم، كلاكما مذنب، و ستُحاسبان .

ـ لما؟ ايها المحقق لا تُخطِئ الهدف، انتَ تعلم من انا، لم يَجرُأ احد بالوقوف امامي كما تفعل الآن، فضلا على أنني اقوم بعملي فقط، اتقول ايضا ما هي الجريمة؟ الطفل وُجِد مقتولا و مُعتدى عليه بالخنق و الضرب، لم ترى شهقات أُمه، و انتَ الآن تُحاسبني على عملي ؟

سليم يحذر آسر من تصرفاته التي تمادى بها، يقشّر جلد يده توترًّا و غضبا، ضحك آسر بسخرية :

ـ انا محقق، لا تنسى احتاج للدلائل ايضا.

اعتدل آسر بجلسته راجعا للوراء.

ـ لذا من فضلك سيد سليم، سأستعير جميع المستندات هنا، احتاج التقارير الطبية ايضا، بخصوص الشعر الذي وجدَ بأصابعه ... ايضا ثياب الجاني باليوم الذي وقعت به الجريمة، و تسجيلات الكاميرا أثناء إعتقاله .

توتر سليم بشدة، و رفض إعطائه، و ما إن رأى نظرة الإصرار لآسر، حاول تهدئة الوضع بتكرار احداث الجريمة :

ـ المجرم حقير .. قتل الصبي بأبشع الطرق .

لم يأتهِ جوابٌ و هو مازاد توتره بشده، إلتقط القلم من الارض، و وقفَ ليبحث عن ما طلبه المحقق متمتما بتلعثم :

ـ تم الاعتداء عليه، اتعلم ما يعني؟ حاول خنقه و من بعدها قَتْلَه بسكينٍ حتى إنها لم تكن حادّه، عُذِّب الطفل ! بسبب مراهق جشع، سيلقى عقابه لن يفلت منه.

الطاغي يثرثر و آسر يحدق بغضب، لا يسمع سوى كلامٍ فارغ يخرج من فمه القذر .

ـ سيد سليم، أريد رؤية الاوراق التي تحتوي على تطابقات الضحية مع المجرم.

ـ انتَ ستندم ايها المحقق، بوظيفتك هذه يجب أن تبحث على المجرم اولا .

ـ انا هنا من اجل ذلك .

اجابه آسر بثقة و هو يحزم الاغراض داخل حقيبته، و قبل أن يخرج، أثنى على خاتمه مع وضع سيجارته في فمه : سآتي في المرة القادمة و المجرم مكلبشٌ بيديه، إعتني بنفسك ! .

"إغلاق"

نشر سليم امرًا بالبحث عن معلوماتٍ تخص المحقق ..

2026/07/11 · 0 مشاهدة · 917 كلمة
نادي الروايات - 2026