ـــــ تنبيه ! الفصل يحتوي على كلامٍ مؤذي نفسيًّا ....

فتح باب سيارته، خرج منها مسرعا و ادارَ قفل الباب، صعد الدرجات بتعثر و هو يلهث، فتح الخزانة و بعثر سجلاته، ضرف اصفر اللون نتيجة مرور الزمن عليه منذ ستِّ سنوات .

يحتوي صورا لتخرجٍ قديم، طالبان يقفان بجانب زملائهم، احدهم يرتدي ثياب التخرج مبتسما مميلا برأسه على كتف صديقه، الذي بدا غير مرتاحٍ لوقوف رجلٍ في جهتهِ اليمنى، لم يظهر وجهه بشكل كامل، ركّز آسر على خاتمه .

ـ هذا الرجل .. تسائلتُ دائما لماذا كان ثيو متوترا آنذاك .. سليم ايها الحقير، ماذا فعلته لثيو ؟

انطوت اطراف الصورة بين يديه، و ما إن اعاد نظره الى الصور التي كان محتواها ثيودور في السجن، عاد الغضب ينساب اليه .. امتدت يده نحو الصور .

اتسعت حدقتاه تدريجيًا، وكأن عقله رفض استيعاب المشهد الذي يراه.

كانت هناك كدمات واضحة، آثار إرهاقٍ قاسٍ، نظرة منهكة يعرفها جيدًا... وجه صديقه، الشخص الذي اعتاد أن يراه متفائِلا، يظهر الآن بصورةٍ لم يكن يتخيلها يومًا.

أخذ نفسًا عميقًا، لكنه خرج متقطعًا.

قلب الصورة بسرعة، ثم الثانية... ثم الثالثة.

وكل صورة كانت تضيف وقودًا جديدًا للنار المتصاعدة في صدره.

بدأت أصابعه تنغرس في حواف الصور، حتى ابيضّت مفاصلها، واشتدّ فكه .

لم يكن حزنًا...

إنما غضبًا عنيفًا، يتشكّل داخله على هيئة رغبة جارفة في الانتقام، ثم دفع الصور على الطاولة بعنف حتى تناثرت أمامه.

للحظة... ساد الصمت:

"الذي فعل هذا... لن أترك له فرصة ليندم فقط... سأجعله يعيش الألم ذاته، كلا و إنما أضعافًا."

"رنين هاتف"

شقّ غضبه رنين الهاتف، حين رأى رقم والد ساهر، تنبّه بفزعٍ و هو ينزل السلالم بنفس الوقت الذي أجاب به : "نعم عمي؟ هل حدث شي! "

ـ ساهر مات "ضحكة " .

ـ مُغفَّل "تنهد" .

أبطأ آسر خطواته ما إن سمع صوت صديقه، جلس على احدِ عتبات الدرج .. رفع خصلة شعره المنسدلة على جبينه براحة يختلطها غضب..

" كنتُ على علمٍ إذا إتصلت بك عن طريق هاتفي يستحيل أن ترد "

ـ ماذا تريد؟

ـ أين كنت؟

ـ ليس شأنك ..

ـ هيا آسر ! الفضول ينهشني .

نهض آسر و إلتقط حقيبته مع الضرف، أخذَ قطعة شوكلاته ليُحلّي بها فمه المُر في طريقه .

ــــــــ الساعة 7:15 مساءً ـ

ـ عجبًا عجبًا .. حدث هذا؟ انتَ حقا محقق! اعني كيف تذكَّرتَ الخاتم اصلا؟ احسدك .

ـ مُقرف، تكلّم بعد ان تبتلع لقمتك ! ..، لا يهم فقط انظر لهذا ...

مسح آسر خدَّه من بقايا البطيخ التي تناثرت من فم ساهر بينما كان يتحدث بحماس، و عرض عليه صور التعذيب لثيو " هاع !"

بصق ساهر البطيخ من فمه، بعد رؤيته للمنظر، و فتح عينيه بشكل اوسع، أصبحت ملامحه اكثر جديّة، وجّه نظره لآسر و الذي حملت ملامحه الشجن، إعتدل بجلسته ماسكا مكان الجِراحة، و ساعده آسر بذلك :" شنيع "

إكتفى بوصف لما رآه بكلمة واحدة، مُركزا مع المنظر الذي امامه .

لأشرح لكم محتوى الصور " ثيو.. جاثيًا على ركبتيه في منتصفِ الغرفة، كفريسةٍ أُنهكت حتى فقدت القدرة على المقاومة .

خلفه ثلاثةُ رجال...

احدهم كانت أصابعه ملتفة حول عنقه بإحكامٍ وحشي، يعتصر أنفاسهُ ببطئ، لا يتركه يختنق تمامًا .... ما إن يشعر بأن الموت بدأ يقترب منه .. حتى يرخي قبضته ... مانحًا إيّاه جرعة هواءٍ ضئيلة، فقط ليعيدَ تعذيبهُ من جديد !

أما الآخر؟ فكان يمرر أداةً حادّة على إمتداد جسده الأبيض، يرسمُ شقوقًا متفرقة فوق جلده الشاحب .

و الثالث هو الأسوء!

يقفُ بهدوءٍ و يدخنُ سيجارته حتى نهايتها، ثم يقترب منه، يضغط رأس السيجارة المشتعل فوق تلك الجروح المفتوحة، و كأن الالم لم يكن كافيًا ليزيده ضعفا منه.

أما ثيو؟ عيناه منطفئتين تمامًا، فارغتين من أي بريق، سُحِبت منهما الحياة تدريجيا، شفتيه ترتجفان، و أنينٌ ضعيف يخرجُ منه، أنين لم تتحمله الصور بطبيعة الحال..إلا و أن آسر إستطاع سماعه "

ـ سأَنتقم، انا سأنتقم يا ساهر، لن يفلتون مني، فقط ..."انهمرت دموعه بصمت"

ساهر في غرفته، ساندًا بظهره على الحائط، يحمل بكلتا يديهِ المستندات، و هو يحدّق بأسى حِذاء صديقه، الذي يجلس على جانبه الأيسر، يغطي مقلتيه بكفّه، و الكفُّ الثانية تبحثُ على منديلٍ في جيبه ..

ـ هُنا .

قدّم له ساهر المنديل، و غطّى الصور بالضرف، ربت على كتف آسر مواسيا له " لقد تجاوزه، هو الآن لم يعد بين ايديهم، الحكومة لن تصدّق أنه ليس مجرما من دونِ دليل، لذا .. انتَ تبحث و انا أحميه ."

ـ لكنه مجرم .

أزاح آثار الدموع بأكمام سترته، و أكمل :

ـ قال سليم أنه قتلَ الحارس، و أنا سعيدٌ بذلك .. فقد إنتقم لنصف الامر، و المتبقي سأُكملهُ انا .

أخذ الاوراق من ساهر ، و وجّه تقارير المستشفى اليه، أشار بسبابته الى عنوان المستشفى " أُنظر، هذه هي المستشفى التي أُجريت بها الفحوصات، لأذهب اليها و أتأكدُ بنفسي، سأواجه الطبيب الذي أجرى هذه الفحوصات جميعها، و أرى إن كان ثيو مجرما ام لا .. و انا على يقين بأنه لم يفعل. "

آسر يقصُّ على صديقه كل الاحداث، و ما هو راغبٌ بفعله، كان ساهر ينصت اليه بصمت، ما إن أكملَ حديثه، زفرَ بتعبٍ و رفع عينيه لساهر " أكل القط لسانك؟ "

ـ لا أعلم، فقط انا في حيرة .. ماذا يفعل شخص بمثل رتبته في تخرجِ الطلاب، و ايضا لما يرمي بالتهمة على ثيو؟

اضاف ساهر أسألته لآسر، و هي نفسها التي تدور برأسه .

ـ سأكتشفه، إذن ...لم تخبرني كيف حال جرحك انتَ؟

غير آسر مجرى المحادثة، و هو يرتب الاغراض داخل حقيبته راميًا بسؤاله لساهر .

ـ عدا الألم؟ انا بخير، قال الدكتور بفضلِ أنّك ضغطت على جرحي لم أنزف كثيرا .

إستقام و خطى الى الباب " هذا جيد، لم يكُن إلا فضلًا من ربّي "

ـ ستذهب؟ لا زالت الساعة التاسعة مساءً !

إحتجج لرحيل صديقه، فهو يمكث على الفراش منذ اربعة ايام، الملل يتآكل بجسده .

ـ أحتاج لترتيب أفكاري .. إعتني بنفسك.

لم تدم لحظات الكلام بينهما طويلًا، حتى عاد آسر وحيدًا في غرفته الواسعة، و التي من المفترض ان تكون لشخصين، و قد تاه من جديد في دوامة تفكيره.

تنهد بحزن عميق متمتما بداخله "متى تشرق فرحتي بلقياك يا ثيو؟ طال الغياب، عهدتني بالبقاء، فهجرتني .. كفى هجراً، فقد أُثقل على قلبي"

"تشغيل القرآن ـ بِسم الله الرحمن الرحيم ـ..."

2026/07/11 · 4 مشاهدة · 984 كلمة
نادي الروايات - 2026