الفصل الأول: صدى العجز ونعمة الرماد

​كان الهواء في الساحة الأمامية لقصر عائلة "فاليري" لا يتحرك، كأنه تجمد تحت وطأة التوتر. رائحة بخور "الأرز الأزرق" المحروق كانت تملأ الأجواء، وهي رائحة نفاذة، باردة، تذكر المرء بقمم الجبال التي لم تدسها قدم بشرية. هذا النوع من البخور لم يكن يُشترى بالقرش النحاسي، بل كان يتطلب ريالات فضية عديدة لجلب كيس صغير منه من الغابات الشمالية، وهدفه الوحيد هو تهدئة الأرواح الهائمة التي قد تستجيب لنداء الاستدعاء.

​في مركز الساحة، رُسمت دائرة سحرية عملاقة تجاوز قطرها عشرة أمتار. لم تكن مجرد خطوط، بل حُفرت في الأرضية الحجرية ومُلئت بمسحوق "مرجان البحر العميق"، الذي كان يتوهج بوميض قرمزي خافت تحت أشعة الشمس الباهتة. كان حجم الدائرة يعكس طموح اللورد "فاليري"؛ طموحٌ بُني على مدخرات جيلين، واستُثمر بالكامل في "مخطوطة المصير العشوائي". تلك المخطوطة المصنوعة من جلد تنين ميت، والتي قيل إن رموزها الفضية لا تتوقف عن الحركة، كأنها ديدان حية تحاول الهرب من النص.

​وقفت "ليليان فاليري" في قلب الدائرة. كانت في الثانية عشرة من عمرها، لكن كتفيها الصغيرين كانا يحملان ثقل مستقبل العائلة بأكملها. ارتدت ثوباً من الحرير الأبيض الخشن، وهو الزي التقليدي لطقوس الاستدعاء، وترك شعرها الأسود منسدلاً ليغطي رعشة ظهرها. كانت أصابعها تضغط بقوة على المخطوطة، لدرجة أن مفاصل يدها ابيضّت.

​خلف حدود الدائرة، وقف اللورد فاليري بملامحه التي نحتتها القسوة والانتظار. وبجانبه زوجته التي لم تتوقف يدها عن العبث بقلادة "العقيق" حول عنقها، وهي قلادة تُستخدم تقليدياً لجلب الحظ، لكنها في تلك اللحظة لم تبدُ كافية لمواجهة المجهول.

​"ابدئي يا ابنتي،" قال اللورد، وصوته تردد في الساحة كأنه صادر من بئر عميقة. "تذكري، المصير لا يبتسم إلا لمن يجرؤ على لمس لهيبه."

​أخذت ليليان نفساً عميقاً، رائحة الأرز الأزرق ملأت رئتيها بشعور بالخدر. فتحت المخطوطة.

​في لحظة، انفجر صمت الساحة. اندلع ضوء أرجواني كثيف من مركز الدائرة، متصاعداً نحو السماء كعمود من النار الباردة. بدأت الأرض تحت أقدامهم تهتز، وصدر صوتٌ غريب.. لم يكن زئيراً مهيباً كالذي تطلقه التنانين، بل كان صوتاً جافاً، يشبه احتكاك الصخور ببعضها في جوف بركان خامد. ارتفعت أعمدة من الدخان الرمادي الكثيف، غطت ليليان تماماً وحجبت الرؤية عن الجميع.

​ثوانٍ مرت كأنها دهور. وعندما بدأ الدخان ينقشع بتكاسل، تراجعت الأم خطوة للخلف، وسقطت يدها عن قلادتها.

​في منتصف الدائرة العملاقة، التي صُممت لاستقبال وحوش بطول طوابق، كان يقف كائنٌ ضئيل. لم يتجاوز حجمه حجم قطة منزلية هزيلة. فراءه لم يكن ذهبياً ولا مغطى بالحراشف؛ بل كان بلون الرماد البارد، باهت يميل إلى الرمادي القذر، وعيناه لم تكن تشع بالبرق، بل كانتا كجمرتين صغيرتين توشك نارهما على الانطفاء.

​"ثعلب.. رماد؟" همست الأم، وصوتها يرتجف بخيبة أمل لا يمكن وصفها.

​ساد صمتٌ خانق. تبادل الحراس الواقفون عند البوابة نظرات سريعة، وأطلق أحدهم زفيراً ساخراً لم يستطع كتمانه. الجميع في هذا العالم يعرف "ثعلب الرماد"؛ إنه الكائن الذي يقتات على مخلفات الحرائق، يهرب من فئران الجبال، ولا يملك في سجلات السحر سوى رتبة "رمادية" هي الأدنى على الإطلاق. كان وجوده في مركز دائرة بهذا الحجم يبدو كأنه نكتة سمجة من القدر.

​لكن اللورد فاليري لم يصرخ. مشى بخطوات ثقيلة نحو الدائرة، وعينه تتفحص الكائن الصغير الذي كان ينظر حوله بضياع.

​في تلك اللحظة، لم يكن أحد يعلم ما يدور في عقل ذلك الثعلب. "كيان"، الروح التي سكنت هذا الجسد، كان يشعر بصداع يمزق جمجمته. صورٌ مشوشة لمدن أسمنتية، ضجيج محركات، وشعور بالوحدة فوق رصيف بارد.. كل ذلك كان يتلاشى ليحل محله إدراكٌ مرعب: هو الآن يمتلك أربعة أطراف مكسوة بالفراء، وذيلاً، وحواساً تشم رائحة "الخوف" المنبعث من الفتاة أمامه.

​شعر كيان بتشقق في رؤيته، كأن الهواء أمامه بدأ يتكسر كزجاج محطم. ذرات الرماد العالقة في الجو بدأت تتجمع أمام عينيه، مشكلةً حروفاً باهتة ومهتزة كأنها نُقشت في حدقتيه.

​[نافذة الحالة]

الاسم: كيان

النوع: ثعلب الرماد (مستوى 0)

الرتبة: رمادي

​الإحصائيات:

​القوة: 0.5 (ضعف مثير للشفقة)

​السرعة: 1.2

​التحمل: 3.0

​الروح: 5.0

​النقاط القابلة للتخصيص: 0

​المهارات:

​الولادة من الرماد (خاملة): (تمنح للمستدعي: تجدد خلوي وشباب دائم).

​التهام المواد الصلبة (مغلق): يتطلب 10 نقاط للتفعيل.

​تلاشت الرؤية عندما وضع اللورد فاليري يده الثقيلة على رأس كيان. شعر كيان بحرارة اليد وبثقل الخواتم الذهبية التي يرتديها اللورد. وفجأة، استقرت ملامح الرجل الصارمة، وتحول غضبه المكتوم إلى بريق غريب من الطمع.

​"ليليان.." قال اللورد، وصوته هذه المرة كان يحمل رنيناً احتفالياً زائفاً. "لقد منحتكِ الأقدار 'الخلود'. هذا الكائن هو سيد الرماد. طالما هو بجانبكِ، لن يمس جسدكِ الهرم. شباب دائم.. حياة لا تنتهي."

​انحنى الخدم والجنود، ليس احتراماً لثعلب الرماد، بل للنعمة التي حلت على ابنة العائلة. لم يهتموا بأن هذا الوحش لا يستطيع حمايتها من أبسط الأخطار؛ ففي عالم النبلاء، "الشباب الأبدي" كان عملة أغلى من القوة القتالية.

​لكن ليليان لم تبدُ سعيدة. نظرت إلى "آش" كما سمته لاحقاً، ورأت في عينيه جمرة الحزن ذاتها التي تشعر بها. كانت تعلم أن هذا الخلود هو قيد جديد؛ ستبقى "تميمة" العائلة، الضعيفة التي لا تموت، بينما يذهب الآخرون للأكاديميات ويحققون المجد.

​بعد ساعات من الطقس، نُقل كيان إلى جناح ليليان الخاص. كانت الغرفة تفوح برائحة شمع النحل الممزوجة برائحة الحرير الجديد. وضعت له الخادمة طبقاً يحتوي على قطع من لحم الخنزير البري المطهو ببطء. رائحة اللحم كانت قوية، مدخنة، تثير غريزة الجوع في أي كائن.. إلا كيان.

​عندما حاول قضم قطعة من اللحم، شعر بغثيان مفاجئ. الملمس كان مطاطياً، بارداً، وبلا أي طعم. جسده يرفض البروتين الحيوي. نظر بجانبه حيث كان الموقد الحجري يضم بقايا أخشاب مشتعلة. اقترب من الرماد المتساقط ولعقه بلسانه.

​كان المذاق جافاً، ترابياً، لكنه بالنسبة لجسده كان "الكمال". أحس بحرارة دافئة تسري في عروقه. لقد أدرك الحقيقة المرة: هو كائن محكوم عليه بالعيش على الفضلات والمخلفات.

​مرت الأيام الثلاثة الأولى في رتابة قاتلة. كان كيان يراقب ليليان وهي تجلس أمام مرآتها، تمسح دموعاً صامتة كلما غادرت السيدة "باربارا"، المعلمة الصارمة التي كانت توبخها على "ضعف مانا" الخاص بها رغم النعمة التي نالتها.

​"أنت وحيد مثلي، أليس كذلك؟" همست ليليان في الليلة الثالثة وهي تحمل كيان بين ذراعيها. كانت رائحة شعرها تشبه زهور "الياسمين" المبللة بالندى. "يسمونك سيد الرماد، ويسمونني الخالدة.. لكننا مجرد زينة في هذا القصر الكبير."

​في تلك الليلة، بينما كانت ليليان غارقة في نوم ثقيل، قفز كيان إلى حافة النافذة. كان ضوء القمر يغمر الحديقة بلون فضي شاحب. ومن تحت أنقاض وعيه البشري، برز إحساس غريب.

​رائحة.. ليست رائحة طعام، بل رائحة "عتق".

​تحت تلك الشجرة القديمة الملتوية في منتصف الحديقة، أحس بنبض. لم يكن صوتاً، بل تردد خفي ينتقل عبر الأرض، يخترق جدران القصر ليصل إلى مخالبه الصغيرة. نبضة ثقيلة.. تشبه نبض قلبٍ مدفون منذ قرون.

​"هناك شيء هناك،" فكر كيان، وعيناه الجمرتان تتوهجان في الظلام. "شيء يصرخ ليتم التهامه، شيء قد يكون المفتاح الوحيد لكسر هذه الرتبة الرمادية اللعينة."

​نظر إلى مخالبه السوداء الضعيفة. هو لا يتذكر من يكون، ولا يعرف كيف يعمل هذا النظام الغامض، لكنه يدرك شيئاً واحداً: في عالم يأكل فيه القوي الضعيف، فإن "ثعلب الرماد" سيتعلم كيف يأكل الأرض نفسها ليصبح القمة. ومع أول خيط من خيوط الفجر، بدأ كيان يخطط لكيفية الخروج إلى تلك الحديقة، وحفر ما لم يجرؤ أحد على نبشه من قبل.

2026/02/15 · 9 مشاهدة · 1106 كلمة
M1 OOB
نادي الروايات - 2026