الفصل الثاني: همس المعدن وصمت الخدم

​مر الأسبوع الأول على إقامة كيان في الجناح الشرقي، وهي فترة كانت كافية ليبدأ في فهم التراتبية المعقدة التي تُدير قصر عائلة "فاليري". من موقعه الدائم فوق السجادة الصوفية الخشنة بجانب الموقد، كان يراقب الأحذية؛ فهي في هذا العالم تُخبرك عن رتبة صاحبها أكثر مما يفعل وجهه.

​كانت هناك أحذية الخدم المصنوعة من القماش الأسود الرخيص، والتي تتحرك بسرعة وجبن، تفوح منها دائماً رائحة الصابون القلوي وعرق التعب. وهناك جزمة الحراس المصنوعة من جلد "الثور المدرع"، الثقيلة التي تترك أثراً في السجاد، وتنبعث منها رائحة "زيت الفولاذ" الحادة. أما أحذية اللورد فاليري، فكانت من جلد "التنين المائي"، ناعمة، صامتة، وذات لمعان يشبه سطح البحيرة في الليل.

​في اليوم الخامس، بدأ كيان يلاحظ "نظام القوة" الذي يحكم هؤلاء البشر. لم يكن الأمر مجرد عضلات، بل كانت "المانا".

​شاهد الحارس الشخصي لليليان، وهو رجل ضخم يُدعى "غاريك"، وهو يقوم بشحن سيفه القصير. أخرج غاريك من جيبه كيساً صغيراً واستل منه حجرًا باهتًا بحجم حبة الحمص، لونه رمادي عكر. وضع الحجر في تجويف عند مقبض السيف، وفجأة، امتص السيف الحجر الذي تفتت كالملح، وومض النصل بضوء أزرق خافت لثوانٍ.

​"إذاً، تلك هي النوى.." فكر كيان، بينما كان الصداع الخفيف يعاوده. "وقود هذا العالم هو مانا مخزنة في أحجار. والحراس يستخدمون أرخص الأنواع."

​كانت ليليان تراقب غاريك بعينين يملؤهما الشوق. "هل سيحتاج 'آش' إلى نوى مثل هذه لكي ينمو يا غاريك؟" سألت بصوت خفيض.

​ضحك الحارس ضحكة خشنة، وقال وهو يمسح نصله: "آنسة ليليان، مع احترامي، إعطاء نواة مانا لثعلب رماد يشبه صب نبيذ فاخر في بالوعة. جسده لن يتحمل الطاقة، وسينتهي الأمر بالحجر كفضلات في الصباح. ثعالب الرماد خُلقت لتنظيف المداخن، لا لتصبح وحوشاً قتالية."

​انقبض قلب ليليان، وضمت كيان إلى صدرها بقوة أكبر. أحس كيان بضيق نفسها وبحرارة خجلها. لم يكن يشعر بالإهانة؛ فمشاعره البشرية كانت مغلفة ببرود غريب، ربما هو تأثير جسد الثعلب أو صدمة الانتقال. ما كان يشغله هو "النبض".

​ذلك الاهتزاز القادم من تحت الشجرة القديمة في الحديقة لم يهدأ. بل على العكس، أصبح أكثر وضوحاً كلما قل الضجيج في القصر. في اليوم السابع، وبينما كانت ليليان مشغولة بدرس "التاريخ النبلي" مع السيدة باربارا، استغل كيان فتح الخادمة لجانب من النافذة لتهوية الغرفة.

​بسرعة البرق، وبحجمه الصغير الذي جعله غير مرئي تقريباً خلف الستائر الثقيلة، انزلق نحو الحديقة.

​كان الهواء في الخارج مختلفاً؛ مشبعاً برائحة "التربة المبللة" و"زهر الليمون". ركض كيان نحو الشجرة القديمة، مخالبه الصغيرة تغوص في العشب الطري. كانت الشجرة تبدو من قريب أكثر رعباً؛ جذوعها الملتوية لم تكن خشبية تماماً، بل كانت ذات ملمس يشبه العظام القديمة.

​وقف فوق بقعة محددة بين جذورها الضخمة. هنا، كانت الرائحة تختلف.. كانت رائحة "عتق"، رائحة شيء مدفون منذ زمن بعيد، شيء تنفر منه الكائنات الحية وتنجذب إليه كائنات الرماد.

​بدأ الحفر. لم يكن يملك مخالب قوية، لكنه اكتشف أن جسده الرمادي يمتلك قدرة غريبة على "تفتيت" التربة الجافة بمجرد ملامستها، كأنه يحول الطين إلى رماد ناعم يسهل إزاحته. حفر بعمق نصف متر تقريباً حتى اصطدم فكه بشيء صلب وبارد.

​أخرجه. لم تكن جوهرة، بل كانت "كتلة طينية سوداء" بحجم قبضة اليد، مغطاة بطبقة رقيقة من مادة لزجة تشبه الزيت القديم. كانت الكتلة تنبض بضوء أرجواني مكتوم جداً، لا يراه إلا من كانت عيناه جمرتين كعينيه.

​بمجرد أن لامست أسنانه الكتلة، شعر كيان بكهرباء تسري في عموده الفقري. لم تكن مانا صافية، كانت طاقة "ثقيلة" و"ملوثة".

​[تنبيه من نافذة الحالة]

تم العثور على: مادة عضوية مجهولة (بقايا طينة الأرحام).

الحالة: ملوثة بالعدم.

الاستخدام: غير متاح حالياً. (يتطلب 1 نقطة قابلة للتخصيص لفتح مسار 'التهام الطين').

​"نقطة واحدة.." فكر كيان وهو يلهث. "أنا بحاجة لنواة مانا واحدة فقط لأفعل هذا النظام."

​حمل الكتلة السوداء بين فكيه، وعاد متسللاً إلى الغرفة قبل أن تنهي ليليان درسها. زحف تحت السرير الضخم، وحفر حفرة صغيرة في الأرضية الخشبية المتهالكة تحت السجاد، ودفن الكتلة هناك.

​عندما انتهى الدرس، دخلت ليليان الغرفة ووجدت "آش" نائماً بعمق غير معتاد بجانب الموقد، وفراءه ملوث بقليل من التراب الأسود.

​"أين كنت يا شقي؟" ضحكت بخفوت وهي تنظفه بقطعة قماش مبللة بماء الورد. "لو رأتكِ السيدة باربارا هكذا لأمرت بطردكِ إلى الحظيرة."

​نظر إليها كيان بعينين نصف مفتوحتين. كانت ليليان تبتسم، لكنه رأى الحزن في عينيها؛ غداً سيعقد اللورد فاليري مأدبة بمناسبة "النعمة"، وسيحضر فيها نبلاء من عائلات أخرى مع مستدعيهيم الأقوياء. ستكون ليليان هي النجمة، لكنها ستكون أيضاً مادة للسخرية بسبب "تميمتها الرمادية".

​"اصبري يا ليليان"، فكر كيان وهو يغلق عينيه. "الشهر القادم، عندما يهدونكِ تلك النواة الرمادية الرخيصة كجائزة ترضية.. سأريكم جميعاً ماذا يفعل ثعلب الرماد عندما يتذوق 'العدم'."

​نام كيان تلك الليلة وهو يشعر بالكتلة السوداء تحت السرير تنبض بتناغم مع قلبه الصغير، وكأنها تعده بمستقبل لن يكون فيه مجرد "زينة" في قصر، بل وحشاً يولد من بين الرماد ليحرق كل من سخر منه.

2026/02/16 · 0 مشاهدة · 753 كلمة
M1 OOB
نادي الروايات - 2026