الفصل الثالث: مأدبة الظلال المنكسرة
كانت قاعة الرقص الكبرى في قصر "فاليري" تضج بضجيج لم يألفه كيان. رائحة الطعام الفاخر كانت تملأ المكان؛ "ديوك رومية" مشوية بالأعشاب البرية، وصبغات من نبيذ "التوت العليق" المعتّق الذي يفوح منه عبق السكر المخمر. لكن تحت هذه الروائح الجميلة، كان كيان يشم رائحة "الغرور" و"الغطرسة".
كانت ليليان تقف بجانب والدها، مرتديةً فستاناً من الحرير القرمزي الثقيل، وقد رُصّع خصرها بجواهر "اللازورد". بدت للناظرين كملكة صغيرة، لكن كيان، الذي كان يجلس عند قدميها، شعر بارتعاش ساقيها. كان نبض قلبها سريعاً وغير منتظم، ويداها اللتان تمسكان بمروحة من ريش النعام كانت عروقهما بارزة من شدة الضغط.
"انظري يا ابنتي،" همس اللورد فاليري وهو يبتسم للمدعوين، لكن عينيه كانتا باردتين كخنجر شتوي. "اليوم لا يهم من أنتِ، بل يهم ما تملكين. تظاهري بالثقة، فالضعف في هذا الجمع يُنهش قبل أن يُدرك."
اقترب منهم اللورد "مالتوس"، وهو رجل بدين ذو شارب مشذب بعناية، يرافقه ابنه "جوليان" الذي لا يتجاوز الرابعة عشرة. وبجانب جوليان، كان يسير بخيلاء مستدعاه: "ذئب الغسق" من الرتبة الخضراء. كان الذئب يطلق أنفاساً باردة تشكل ضباباً حول فمه، وعيناه الصفراوان تنظران إلى كيان باحتقار غريزي.
"أوه، لورد فاليري!" صاح مالتوس بصوت جهوري جذب انتباه الحضور. "لقد سمعنا عن 'النعمة العظمى' التي نالتها ابنتك. الخلود! ياله من شيء ثمين.. تماماً مثل هذه التحف الأثرية التي نضعها على الرفوف لتجمع الغبار."
تعالت ضحكات مكتومة من الحضور. شعرت ليليان وكأن دماءها تجمدت. نظرت إلى "جوليان" الذي كان يبتسم بسخرية وهو يربت على رأس ذئبه القوي.
"والدي محق،" قال جوليان وهو ينظر إلى كيان. "ما الفائدة من العيش للأبد إذا كنتِ ستقضين ذلك الأبد في حماية ثعلب يرتعب من ظله؟ ذئبي يستطيع تمزيق هذا الكائن بلقمة واحدة، أليس كذلك يا 'فارغ'؟"
أطلق الذئب زمجرة منخفضة هزت زجاج الكؤوس القريبة. أحست ليليان بالإهانة تخترق كرامتها، لكنها لم تكن تملك ما ترد به. في هذا العالم، الكلمات بلا قوة هي مجرد هواء ضائع. انحنت قليلاً وحملت كيان بين ذراعيها، وغرست وجهها في فرائه الرمادي لتخفي عينيها اللتين بدأت الدموع تغزوهما.
"إنهم يمزقونها بكلماتهم"، فكر كيان وهو يشعر بقطرة دمع دافئة تسقط على أذنه.
نظر كيان نحو الذئب الأخضر. بفضل حواسه التي بدأت تتأقلم، رأى ما لا يراه البشر؛ رأى خيوط المانا الخضراء وهي تتدفق بداخل جسد الذئب، ورأى "النواة" الساطعة في صدره. كانت طاقة بدائية، قوية، لكنها كانت تبدو "هشة" أمام ذلك الإحساس الثقيل الذي اكتسبه من الكتلة السوداء تحت السرير.
مرت الساعات كأنها تعذيب مستمر. ليليان كانت تضطر للابتسام والرد على "التهاني" التي كانت في الحقيقة لدغات مغلفة بالسكر. وعندما انتهت المأدبة أخيراً وعادت إلى غرفتها، ألقت بنفسها على السرير وأجهشت بالبكاء.
"أنا أكره هذا، يا آش،" قالت بصوت مخنوق. "أكره أن أكون 'التميمة' التي يضحك الجميع عليها خلف ظهرها. والدي سعيد لأنني سأعيش للأبد لخدمة العائلة، لكن لا أحد يسألني إذا كنتُ أريد العيش في هذا الذل."
زحف كيان نحوها ووضع رأسه الصغير على يدها المرتجفة. لم يكن يملك كلمات، لكنه أراد أن يخبرها أن هذا الصمت لن يدوم.
مضى الشهران التاليان في عمل شاق لكيان. كان يخرج كل ليلتين إلى الحديقة، ليس للحفر هذه المرة، بل "للتدريب" على الشعور بالمانا. اكتشف أن جسده كـ "ثعلب رماد" لا يمكنه تخزين المانا كبقية الوحوش، لكنه يعمل كـ "مصفاة". هو يمتص الطاقة من الرماد المحروق ويحولها إلى "نقاط وعي" بسيطة تحافظ على ثبات نافذة حالته.
وفي نهاية الشهر الثالث، وقبل أسبوع واحد من الرحيل إلى "أكاديمية المستدعين"، دخل اللورد فاليري الغرفة ومعه الصندوق المخملي الذي انتظره كيان طويلاً.
"ليليان،" قال اللورد بنبرة رسمية. "الأكاديمية مكان قاسٍ. رغم أنكِ تملكين نعمة الخلود، إلا أنكِ بحاجة لإظهار أنكِ تمتلكين السيطرة على مستدعاكِ. هذه 'نواة مانا رمادية' من الدرجة الرفيعة. ثمنها عشرة ريالات فضية. أريدكِ أن تطعميها لثعلبكِ أمام المعلمين غداً، لتثبتي أنكِ تهتمين بتطويره."
وضعت ليليان الصندوق على الطاولة بعد خروج والدها. فتحته، فخرج منه ضوء رمادي شاحب، لكنه كان أنقى بكثير من الحجارة التي رآها كيان مع الحراس. كانت النواة تبدو كقطعة من الغمام المجمد.
"هل هذا سيجعلك أقوى حقاً؟" سألت ليليان وهي تنظر إلى كيان بملامح حزينة. "أم أنهم فقط يحاولون تجميل صورتنا أمام الناس؟"
اقترب كيان من النواة. شعر بجوع لا يوصف، جوع لم يسبق له مثيل.
"نقطة واحدة.. هذا كل ما أحتاجه"، فكر واللعاب يسيل من فمه.
التقط النواة بأسنانه وابتلعها في جرعة واحدة. في تلك اللحظة، شعر بصداع انفجاري. تشققت رؤيته تماماً، وتحول العالم من حوله إلى شظايا رمادية. شعر بحرارة الكتلة السوداء المدفونة تحت السرير وهي "تزأر" استجابةً للطاقة الجديدة التي دخلت جسده.
[تم امتصاص نواة مانا (رتبة رمادية - رفيعة)]
[النقاط القابلة للتخصيص المكتسبة: 1]
[تنبيه: تم رصد مادة 'طينة الأرحام' في المحيط القريب]
[هل ترغب في استخدام (1) نقطة لفتح موهبة: التهام الطين؟]
لم يتردد كيان. وافق في عقله وهو يشعر بأسنانه وهي تنمو وتتصلب تحت لثته، وبفرائه الرمادي وهو يكتسب ملمساً معدنياً خفياً.
زحف تحت السرير بينما كانت ليليان تنظر إليه بذهول، وبدأ ينبش الأرضية الخشبية بجنون. أخرج الكتلة السوداء التي كانت تنبض كقلب غاضب. غرس أنيابه فيها، وللمرة الأولى، لم يشعر بطعم الصدأ.. بل شعر بطعم "القوة المطلقة".
غداً سيبدأ الرحيل إلى الأكاديمية. والجميع يتوقع وصول "الفتاة الخالدة وثعلبها الضعيف". لكن كيان، وهو يبتلع آخر ذرة من الطين الأسود، كان يعلم أن ما سيصل إلى الأكاديمية ليس ثعلباً.. بل هو الكابوس الذي سيأكل رتبهم الملونة واحدة تلو الأخرى.