الفصل الرابع: غبار الطريق وأنفاس "العدم"
كانت عربة عائلة فاليري تئن تحت وطأة الطريق الجبلي الصاعد نحو "أكاديمية أثيريا"، وكأنها تحمل فوق كاهلها ثقل التاريخ لا مجرد ركاب. لم تكن عربة عادية؛ بل كانت حصناً متنقلاً مصنوعاً من خشب "السنديان الأسود" المقاوم للسحر، ومبطنة بطبقات من مخمل "الأوركيد" الأخضر الذي يمتص اهتزازات الطريق الوعر ليمنح الجالسين شعوراً زائفاً بالاستقرار. في الداخل، كانت الرائحة مزيجاً معقداً من جلد المقاعد الجديد، وعطر "اللافندر" الذي كانت تضعه ليليان بتركيز عالٍ لتهدئة روعها، ورائحة خفية أخرى.. رائحة جافة تشبه "البرق قبل سقوطه"، كانت تنبعث بصمت من جسد كيان الصغير.
جلس كيان في حضن ليليان، مغمضاً عينيه كأنه غارق في نوم عميق، لكن حواسه كانت تعمل بـ حذر وبطاقة لم يعهدها البشر. الكتلة السوداء التي التهمها في تلك الليلة لم تذهب إلى معدته؛ بل استقرت في "جوهر روحه" كـ ثقب بارد لا يمتلئ. كان يشعر بوجودها تحت أضلاعه تنبض ببطء، وفي كل نبضة، كانت تمتص جزءاً من حرارة جسده الطبيعية، مما جعل فراءه الرمادي يكتسب برودة غير طبيعية، وكأنه مصنوع من نسيج شتوي دائم.
خارج النافذة، كان الطريق يضج بمواكب النبلاء القادمين من كل حدب وصوب. كانت قوافلهم تتسابق لإظهار القوة والجاه؛ مرّت بجانبهم عربة مذهبة يجرها زوج من "خيول الريح" التي لا تلمس حوافرها الأرض، تاركة خلفها ضباباً أخضر يحيي العشب الذابل. وخلفها سار فارس صامت يمتطي "نمر الصخور" من الرتبة الصفراء؛ كان النمر يطلق زئيراً منخفضاً يرتجف له الهواء كلما اقترب من عربة فاليري، كأن غريزته الوحشية تشتم رائحة "مفترس مجهول" يختبئ داخل تلك العربة المتواضعة.
"انظري يا ليليان،" قطع اللورد فاليري الصمت بصوته الأجش وهو يشير نحو الأفق، "تلك الأبراج التي تخترق الغيوم.. تلك هي أثيريا. تذكري جيداً، هناك تسقط الألقاب العائلية وتظل الرتب السحرية وحدها هي من يتحدث. الخلود الذي تمليكنه هو نعمة في نظرنا، لكنه في نظرهم مجرد 'زمن إضافي' للفشل إذا لم تبرزي قوتك."
نظرت ليليان إلى كيان وضغطت عليه بـ إخلاص ورفق، وكأنها تحاول استمداد الشجاعة من كائن يراه الجميع ضعيفاً. كانت تشعر بوخز طفيف، يشبه لسعات الكهرباء الساكنة، في أطراف أصابعها كلما لمست فروه، لكنها بـ صدق حبها له، كتمت الأمر في صدرها؛ كانت تخشى أن يظنوا أن مستدعاها "فاسد" أو "ملوث"، فتخسره للأبد.
توقفت القافلة للاستراحة عند "ممر الغسق"، وهي منطقة جبلية تشتهر بندرة المانا في هوائها. نزل الحارس "غاريك" بملامحه المتعبة ليتفحص عجلات العربة، وكان سيفه المشحون بنواة مانا رمادية يلمع بوضوح فوق خصره. خرج كيان من العربة بخفة، وتمدد فوق صخرة قريبة بـ لطف حيواني خادع، يتظاهر بمراقبة الفراشات الجبلية، لكن عينه الجمرية كانت ترقب سيف غاريك بـ صدق نهمها.
[نافذة الحالة - اهتزاز مفاجئ في الرؤية]
الموهبة النشطة: التهام الطين (المستوى 0).
رصد مصدر طاقة: مانا رمادية غير مستقرة (نقاوة 12%).
الرغبة: استخلاص الجوهر؟
ركز كيان وعيه. وفجأة، حدث شيء لم تره عين بشري؛ خيوط دقيقة جداً من الدخان الرمادي بدأت تتسرب من مخالبه وتزحف عبر الهواء نحو مقبض السيف. بدأ الضوء الأزرق في سيف غاريك يرتجف، ثم خبا تدريجياً وكأن الشعلة قد نفدت من الزيت. جزيئات المانا بدأت تتحرك نحو كيان كأنها تنجذب لمغناطيس كوني، وتختفي داخل مسامه بمجرد الملامسة.
"يا للمصيبة!" صرخ غاريك وهو يطرق على مقبض سيفه بغضب. "لقد شحنتُ هذا النصل قبل ساعتين فقط بنواة من الدرجة الرفيعة! هل هواء هذه الجبال يمتص السحر أم أن النواة كانت مغشوشة؟"
شعر كيان بحرارة دافئة تسري في عروقه الباردة، مخففةً من حدة الجوع الذي تسببه "طينة الأرحام". لم تكن الطاقة كافية لرفع رتبته، لكنها كانت كافية لجعله يشعر بالامتلاء لأول مرة. عاد إلى العربة وجلس بجانب ليليان بـ حذر، التي ابتسمت له بـ صدق وهي تمسح غبار الطريق عن رأسه الصغير، دون أن تدرك أن رفيقها الصامت قد بدأ للتو في "التهام" طاقة العالم من حوله، لكي لا يكون "صدى للعجز" بل "ولادة من الرماد".
مع غسق ذلك اليوم، بدأت أبراج الأكاديمية تلوح كعمالقة من حجر وضوء، معلنةً لكيان أن "البوفيه الكبير" من المانا والنوى السحرية قد أصبح على مرمى حجر.