كان الصمت والهدوء يعم السجن وكانت رائحته مليئة بروائح الدماء والغبار والصدأ ويبدو عليه القدم الشديد ،كان إدوارد يحدق بالمرأة العجوز برعب شديد وعيناه متسعتان ،انتفض مبتعداً عنها وصاح:

_من انتِ !

كان مظهرها مخيف جدا كانت تمتلك شعرا ابيض طويل وبشرة بيضاء شاحبة وعينان سوداوتان كسواد الليل ناعستان كما التجاعيد الكثيرة لها جسد نحيل جدا ترتدي عباءة سوداء طويلة كما أن أظافرها كانت طويلة وحادة ،نظرت له بأبتسامة صفراوية باردة وقالت بلغة غريبة جملة ما ،يبدو أنه يفهم لغتها بدا على ملامحه الهدوء بعد سماعه كلماتها قالت له :

_لا تخف انا من قبيلتكم

نظر لها بعد أن هدأ من نفسه الخائفة وقال بجمود:

_وماذا أفعل أاقوم بالتصفيق لك !

نظرت له نظرة تشي بالكثير وقالت بأبتسامة وصوت كهول :

_تشبه ابيك كثيراً

صمت إدوارد صمت مخيف يحدق بها بعينين متسعتين يكاد لا يصدق أحقا تعرف والده ،سألها بشيء من الغضب :

_اتعرفين ابي ؟

قالت ومازالت الإبتسامة تعلو وجهها :

_اجلس مرتاحاً يا ولدي وبعدها أخبرك اعتقد انك خائف مني ،اعرف أن بني قبيلة "يومي" لا يهابون أحد !

جلس إدوارد مشيراً لها برأسه بأكمال حديثها ،وقال :

_اسمعك

_لا يكفي أن تسمعني فقط يجب أن نبتعد من هنا هناك من تريد التعرف اليك وليس الوقت وقتها تعال

راحت تسير إلى زاوية من زوايا السجن وراح إدوارد يسير خلفها جلست فجلس هو بعدها قال بحدة ونفاذ صبر :

_ تكلمي بسرعة ايتها العجوز من اين تعرفين ابي وكيف تتكلمين لغتنا ومن انت حتى

_لا تغضب ايها الصغير ولا تتجاوز حدودك استطيع اخراسك إن أردت مازلت احاول التفاهم معك بطريقتكم

قال غاضباً:

_ ومن أنتِ لتعلمينني متى اغضب ،اتجاوز حدودي متى أردت لا احد يستطيع امري

قهقهت العجوز بسخرية ثم جمدت ملامحها فجأة ، حركت أصابعها حركات متتالية بترتيب شديد وإذ بيدي إدوارد تتحرك مع أصابعها بنفس الاتجاه عقد حاجبيه غاضباً غير مصدق ما يحدث أنه يحرك يديه بطريقة غبية من دون إرادته ،صرخ في وجهها بحدة وقد أثارت غضبه قال :

_توقفي ايتها العجوز لا تثيري غضبي !

ابتسمت وحركت أصابعها مرة أخرى فقام إدوارد بحركة لا شعورية بصفع نفسه ضحكت وقالت ساخرة:

_لست سوى طفل رضيع لا يزال بحاجة لأمه ، من الجيد أنها تركتك اتعرف شيئاً....

قطع حديثها لكمة قوية ارجعتها للخلف عدة مترات لم تشهد بقوتها من قبل ولو انها ليست قوية ما يكفي لما تحملتها أبدا ،

كان يقف غاضباً عاقدا حاجبيه بغضب مخيف يحدق بها بعينين حادتين وقد التمعتا وأتخذتا اللون الاحمر والتوهج المخيف ، يبدو أنه يتنفس بصعوبة ،يفتح يديه ويغلقهما بصعوبة ، قالت رغم المها :

_لم احب امك ابدا كانت جميلة لدرجة أنها اخذت من احب ،

اقترب منها واخذ غضبه يتزايد شيئا فشيئا قال بجمود :

_قلت لا تثيري غضبي ،اغربي

اردفت :

_انت لست من البشر انت ابن بشرية ووحش انت وحش فحسب

صرخ إدوارد بغضب ممزوج بحزن :

_لست وحشاً

_انت وحش ك والدك

كانت هذه الجملة كفيلة بفقدان اعصابه لم يكن إدوارد ليسمح لأحد بالحديث عن والده أطلق صرخة قوية ارجفت السجن وما فوقه ، أخرج بها كل مافيه من غضب والم وحزن ،حلّ قبضة يديه ليظهر له اظافر طويلة وحادة كالسيف ، ازداد توهج عينيه وازادت احمرارا ، أخذ يتنفس بصعوبة ، يسمع صوت بداخله يسأله :

_هل أخرج سيدي

وللمرة الأولى يصغي إدوارد للصوت بداخله اغمض عينيه وهمس :

_أخرج

شعر للمرة الأولى ببرود جسده المفرط وكأنه ميت ،كان جسده ينتفض بقوة اغمض عينيه مستسلماً لحالته ،صاحت العجوز بسعادة :

_اخيراً فعلتها

وفجأة

__________________

في مكان آخر

دخلت عمة مريلا إليها بابتسامة عريضة قالت بطريقة محببة :

_ما هديتي !

قالت مريلا بأبتسامة :

_هل هو خبر جميل ؟

اخذت العمة تطلق صوت تفكير ثم اردفت :

_جميل سيفرحك

_هاتِ ما لديك

_اذهبي لغرفة الجد يعقوب لك عنده مفاجأة

قالت ضاحكة بسعادة :

_حقاً حسنا ذاهبة

غادرت مريلا راكضة بسعادة غامرة واتجهت إلى غرفة الخياطة طرقت الباب عدة طرقات متتالية اُذن لها بالدخول فدخلت ،استقبلها يعقوب بابتسامة مشرقة يخفي شيئا خلف ظهره قال :

_اجلسي يا ابنتي اجلسي لك عندي هدية من صديق

قالت مبتسمة تفكر :

_ صديق !!

_نعم صغيرتي انه شخص يحبك جدا وقد صرخ عليك واحزنك وقد انتابه الشعور بالذنب نحوك فقام بتحضير هدية جميلة لك وطلب مني توصيلها لانه خجل من مقابلتك ااخبرك سراً

_نعم أخبرني

_قال لي انك جميلة جداً وحين ترتدين ما حضره ستصبحين اجمل بكثير

ابتسمت مريلا بخجل وقد عرفت هوية هذا الصديق ومن غير إدوارد ،اظهر يعقوب ما خلف يديه وإذ بتاج جميل من الورود الحمراء يتوسطه وردتان بيضاوتان كبيرتان ،وقبعة من الصوف بيضاء اللون مُحاك عليها اسمها باللون الأحمر ، كانت تناظر ما بيديه من بعيد بفرح عظيم وقد دمعت عيناها بسعادة قال لها الجد ضاحكاً بخفة :

_اقتربي يا ابنتي أنها هدية لك من إدوارد

اقتربت بسرعة وخطفت منه التاج والقبعة وأخذت تناظرهما بسعادة كبيرة وبعد لحظات ضمّتهما لصدرها ونظرت للجد يعقوب بعيون دامعة وقالت :

_اهو من صنعها ؟!

_ومن غيره

تضاعفت ابتسامتها على حياء وقالت :

_اينه؟!

أشار لها يعقوب بجهله عن مكان إدوارد فشكرته لتوصيل الهدية وغادرت تبحث عن صديقها .....

_______________

في هذه الحياة سنتعلم الكثير من الدروس ،وسنقابل الكثير من الناس ،وسنتعرف على الكثير من الأصدقاء ،ولكن في النهاية لن يشغل قلبنا سوى صديق واحد ،اخ واحد ،سند واحد ،حبيب واحد ،ام واحدة واب واحد ،

سيشغل قلبنا وعقلنا شخص واحد ،سنفكر به دائما ، سنفرح لرؤيته ونحزن لمغادرته ، سيكون لنا وطن بمفرده ، وطن لا نستطيع الهجرة منه ، وطن نعطيه ويعطينا دون مقابل ،يوما ما سيأتينا شخص مختلف سيغنينا عن كل ما مضى ......

____________________

نهض عن كرسيه بفزع فور سماعه صراخ قوي دبّ الرعب في نفسه ، أنه يأتي من السجن السفلي ، أمر جنوده بالتوجه للسجن السفلي للإطلاع على مصدر الصوت ،اتجهوا نحو السجن السفلي ،قام حارس السجن بفتحه وصرخ بصوت عالٍ :

_من الذي يصرخ ايها الحمقى

سمعوا صوت عصف رياح قوي أنه صوت خفق جناحي طائر

فجأة

ظهر أمامهم طائر ضخم الجسد ، بجناحين كبيرين ، لون صدره احمر يتطرف للون البرتقالي على جانبيه له عينان كبيرتان حادتان ، ونظرة ثاقبة ،مهيب المظهر، ومخيف الحجم ، يطلق صوت صفير مرعب ،

اطلق صيحة قوية خارجاً من السجن يحلق فوق رؤوسهم ، كان الجنود يروحون ويجيئون بين هنا وهناك ، خائفين يطلبون النجدة ، منذ متى وهذا الطائر هنا ،وفجأة ضرب بجناحيه الكبيرين بقوة ،فأطلق عاصفة رياح قوية رمتهم متفردين في كل مكان ، لم يجرؤ احدهم على الأقتراب من هذا الطائر ، دقائق قليلة خرج إدوارد بعينه الحمراوتين واظافره الطويلة يطالعهم بنظرات مرعبة ، يبدو مظهره مرعب للغاية ، أنهم نادمين لإحضاره إلى هنا ، أطلق صوت صفير مشيراً للطائر بأصابعه ، وإذ به يحلق ويدور عدة دورات ثم يحطم زجاج النافذة حاملا إدوارد من كتفيه ، محلقاً به بعيداً عن القصر ، تاركاً إياهم بصدمة كبيرة ،خائفين غير مصدقين ما رأته عيونهم ،

بحق الجحيم !

من أين خُلق هذا الطائر ؟

2024/11/16 · 32 مشاهدة · 1092 كلمة
نادي الروايات - 2026