الانتقام
____________
( 1)
وبعد انتهاء تلك المعركة الطاحنة ، بينما لا تزال رائحة الدماء تملأ أنوفهم ، والضحايا الكثر يملؤون كل شبر في تلك الأرض الشاسعة،وقف متجمداً أمام إحدى الجثث الاكثر تشوهاً
وتلطخاً بالدماء مقارنة بجثث الرجال الاخرى ، جثى على ركبتيه النحيلتين ، بوجهه الصغير الشاحب ، الخالي تماما من أي تعابير تدل على حالتهِ، امسك بيديه الصغيرتين المرتجفتين وجه الجثة أمامه وضعها على فخذيه ، وأخذ يتفحص الجثة كطبيبٍ شرعي خبير
يلمس عين الرجل المستلقي على فخذيه دون حراك ، ثم يلمس انفه ثم خده فجبينه ، كان يتلمسه وكأنه يحتفظ به في أعماقه يخشى ان ينسى ملمسه أو حتى رائحته ،وضع إحدى يديه الباردتين على شعره أيضا
يلعب بشعره تارةً ، ويستنشقهُ تارةً أخرى ، وفجأة توقف حين سماعه صوت اقدام الجنود تتجه نحوه ، ركض مذعوراً مختبأةً خلف صخرة ضخمة ، استطاعت تخبأة جسده الصغير ، وإذ بخمسة رجال يحيطون الجثة عينها من جميع الزوايا، فتحدث إحدى الجنود الاكثرهم ضخامةً ، والاعلاهم شأناً ، قال مشيراً
للرجل الملقى جثةً أمامه ،
_ إحملوا هذه الجثة النتنة ، وادفنوها في سابع ارض
لا اريد أن يعرف أحدهم بمقتل الجنرال ، عجلوا ..
ثم أضاف :
_ لحظة (أخذ يفكر)
الم يكن للجنرال طفل. كان صبياً صحيح
،أعتقد أنه كان فتاة ، لا اعرف ، المهم عليكم بطفله أيضاً
تحرك الرجال بعيدا عن ذاك المختبئ خلف الصخرة حاملين الجثة على أكتافهم بعيدا وما أن اختفت آثارهم حتى تحرك من مكانه واقفا أمام تلك الدماء المتبقية أمامه هبط يأخذ حفنة من الرمال الممتلئة بالدماء وضعها على قماشة من الحرير التي قد أخرجها من جيبه للتو ثم أعاد القماشة الممتلئة بالرمال لجيبه وأخذ يمشي بعيدا عن كل تلك الضحايا والجثث
اخذ يمشي لساعات طويلة حتى وصل اخيرا لمقصدهِ
وقف بقوة وشموخ أمام تلك البوابة الضخمة رافعا رأسه بتحدي رغم كل التعب والعطش الذي أكل الكثير من جسده الصغير
وقد ارتسمت على وجهه ابتسامةٌ ساخرة
وبنظرة دقيقة أخذ يتمعن المكان الذي وصل إليه يلف رأسه ببطئ
من اليمين وحتى اليسار ومع كل نظرة تزداد قوة الأبتسامة
قال بعد أن وضع يده في جيبة وأخرج قماشة الحرير فتحها وتأمل تلك الرمال والدماء وقال بصوت هامسٍ واثق قوي:
_ اني اقسم لك الآن امامك وأمام نفسي وأمام الله سآخذ حقك
قريباً وان لم يكن الآن حين اكبر ..
(ثم أضاف وقد زاد من حدة وقوة صوته )
_ اني اقسم اقسم لك سأسحقهم سحق النملة تحت قدمي .
"سأدفن جثثهم النتنة تحت سابع أرض "
فقط اقسم ...
تنهد حزينا وبدأت علامات الحزن والتعب تأخذ من وجهه وجسده الكثير حتى بات مظهره ضعيفاً كان يشعر وكأن عظام وجهه تتحرك بطريقة غريبة وعيناه تغلقان بصعوبة ويداه ترتجفان حاول السيطرة عليها لكن دون جدوى هناك صوت بداخله يهمس له :
_ هل أخرج
فيصرخ بقوة من شدة الم رأسه وجسده المتحجر البارد :
_ لا ...لا تخرج
تقدم خطواتٍ كثيرة بعد تخطيه البوابة التي اُغلقت بعنف بعد دخوله معلنةً دخول جسمٍ غريب لتلك الأرض
بدأ الحراس يترقبون البوابة بحذر وبعد لحظات صرخ أحدهم بذعر :
_ البوابة البوابة. يا رجال أغلقت أغلقت لقد رأيتها هناك شيء غريب دخل القرية ايها الرجال تأهبو بسرعة
بدأ كل من الجنود يأخذ مكانه من البوابة مستعدين للمواجهة
والقتال يحملون سيوفهم وكأنهم سيواجهون الموت الآن
كانت كل الأعين مسلطة على البوابة يعتقدون أنهم سيقابلون وحشا مخيفا أو حيوانا غريبا أو طيرا اسطوريا وبعد
دقائق من الانتظار......
وإذ بطفل صغير نحيل يتجه نحوهم وقد بدت عليه علامات الضعف والحزن
وما أن تقدم منهم وشاهدو الوحش المنتظر حتى تعالت ضحكات الجنود المبالغ بها فمنهم من وقع أرضا من فرط الضحك ومنهم من كاد يختنق أيضا قاموا برمي أسلحتهم أرضا وخلعوا دروعهم
وسيوفهم باستهزاء
فنطق أحد الحراس ضاحكاً مشيراً للطفل :
_ أهذا هو الذي يخيفنا ؟ أهذا ما تنبأته لنا تلك الساحرة البلهاء
طفل ههههه
وتعالت ضحكاته الساخرة مقتربا من الطفل ووضع يده على شعره
_ افرح ايها الصبي انت هو الوحش ههه اتتخيل علو شأنك في هذه اللحظة ههه..انظر .أنهم صفوف من الجنود .. هه خائفون منك .ههه
ثم أشار إليه :
انظروا أنه لا يقوى على فتح قارورة ماء ..
وفجأة شعر بقبضة قوية على يده
ألقى نظرة !!
وإذ بيد تقبض على رسغه بقوة رجل لا بل كقوة آلاف الرجال نظر الحارس للقبضة المجهولة نظرات دهشة ،الم ، خوف ، استغراب
لم يكن يستطيع وصف حالته حتى
أحقا هذه قبضة طفل ؟
حدق الجنود بالطفل الممسك بيد الحارس متهامسين لبعضهم بسخرية فقال أحدهم :
_ لا يستطيع فتح قارورة ماء هاااه أعتقد أنه سيفتح مجرى الدم لديك (وأخذ يضحك ساخراً)
أشار الجنرال الاعلى بينهم لأحد الرجال مشيراً للطفل
وبسرعة خاطفة اتجه أحد الجنود راكضا نحو الطفل من خلف ظهره حاملا سيفا وقبل أن يوجه طعنته القاتلة للطفل
وفجأة.....
يتبع في الجزء الثاني