_الطفل هو .. الذي تبحث عنه
انتفض "كجبار " مزمجراً بوجه "سمل " بغضبٍ شديد صاح :
_ سمللل اغرب عن وجهي .. اغرب.. لعنك الله .لعن لسانك الأبله
ما الذي تتفوه به . اتعي ما تقول . انت لا تعرف حتى عمن ابحث
طيلة هذه السنين
كان " سمل " قد سئم من هذا النقاش فهو يعرف أن النقاش مع " كجبار " كالنقاش مع صخرة سوداء صغيرة في وسط صحراء قاحلة
لا يعبرها أحد
ابتعد عنه "سمل " وغادر القصر غاضباً كان يمشي خطوات سريعة
غاضبة يتمنى لو أنه يستطيع النيل من ذلك الملك الاحمق ، عديم الفائدة ،
كان يقصد سمل الذهاب الى مكان ما ،
وصل إلى منزل خشبي مهترئ قديم يحدق به بحزن والم
اقترب منه وأخرج مفتاحاً من جيبه وفتح بابه ببطئ وحذر ثم دخل ، كان المنزل مليء بالغبار و خيوط العناكب تنتشر في كل زاوية من زواياه ،
كان مكون من غرفة صغيرة فقط وحمام بجانبها ، يتوسط الغرفة
كرسي هزاز مصنوع من الخشب الصلب المقاوم للكسر ، اقترب من الكرسي بخطوات ثقيلة حزينة وجلس عليه بهدوء
قال وهو يتلمس الكرسي الخشبي بيديه المرتجفتين :
_ ااه يا صاحبي العزيز ، كيف خنتني بغيابك ، أما وعدتني بالبقاء معي للنهاية ؟ أما وعدتني بالمحاربة معي دائما ؟
لم تصدق القول حينها . قد رحلت وأخذت ما تبقى لي من قلبي .
لو سمعت كلامي وقتها ولم تذهب لكنا الآن جالسين سوياً.
اتذكر حين جلست على هذا الكرسي قبلي . هه لقد سبقتني.غضبت لانك جلست قبلي . عُد يا جميلي. عُد يا عزيز على قلبي عُد
وسأهديك الف كرسي . لأجلسنك على كتفي ، عُد ..
وأخذت الدموع تنساب على وجنتيه بضعف حزين ، راح يبكي بأنينٍ
مسموع ، يبكي ويبكي إلا أن جف بحر عينيه ،
نهض عن الكرسي الهزاز وتناول كتاباً مخبأ تحت قماشةٍ حريرية
صفراء أزال الغبار عنه بيديه المعروقتين وأخذ يقلب بين صفحاته بتمعن ، كانت صفحات الكتاب مرتبة بطريقة غريبة إذ كل صفحة لا تحتوي الا على كلمة واحدة وعلى الجهة الخلفية للورقة ذاتها رسمة
توضيحية لمعنة الكلمة السابقة ، كانت كلمات الكتاب مكتوبة بلغة غريبة ، إذ لم يكن " سمل " يفهم شيئا ، حتى أنه كان يقضي
ساعات طويلة محاولا فهم اي كلمة من الكلمات الاربعون ولكن لا جدوى ، فتح الصفحة الأولى كان يوجد على وجهها الاول كلمة غريبة ولكنها طويلة وحروفها محصورة ببعضها البعض وفي نهايتها إشارة استفهام ، كأنه سؤال يُطرح على " سمل "لم يفهم
ففتح على وجهها الخلفي ، كان مرسوم عليها اصابع يد كانت تظهر الاصابع بشكل واضح ، وكان على الاصبع السبابة كتابة غريبة
عاد للوجه الاول للورقة فلاحظ التشابه بين الكلمة في الصفحة الأولى والكلمة على الاصبع في الشكل المرسوم ،
عبارة واحدة استطاع فهمها فقط وهي العبارة المكتوبة على الغلاف
( لن تفتح الصفحات الملتصقة الا بحل اللغز الاول )
فأغلقه " سمل " بيأس ، ف لطالما فتح الكتاب ذاته وحاول مراراً و تكراراً حل هذا اللغز المعقد ، وفي كل مرة كان الفشل واضحاً
أعاد الكتاب لمكانه ، وزفر بحنق ،
خرج من المنزل واخرج مفتاحاً من جيبه واغلقه بأحكام ، وراح مبتعداً عنهم عائدا نحو القصر من جديد ،
_______________________________________
كان إدوارد قد استيقظ في الصباح الباكر على صوت العصافير على الشجرة فوقه
، فتح عيناه بتكاسل فظيع لم يكن يقوى على فعل شيء بعد تلك الليلة القاسية المليئة بالاحداث غير المرغوب بها ، اعتدل في جلسته تحت الشجرة الكبيرة مستنداً بظهره على جذوعها ، فرك عيناه
بيديه الصغيرتين ، وبقي مستلقياً قرابة الخمس دقائق يفكر كيف سيمضي يومه الثاني هنا ؟ هل سيأكل يا ترى ، هل سيشرب أو ينام ، هل سيجد اصدقائاً ،نظر للسماء بتحدي وقال :
_ سأعيش
ثم هب بالوقوف ليزيل النعاس الشديد الذي ينتابه ، كان يبحث بعينيه عن مكان يجد به القليل من الماء ليغسل به وجهه ، فوجد
صنبور مياهٍ عام ، ارتسمت ابتسامة نقية على وجهه الصغير بفرحة عارمة ، وبسرعة اقترب من الصنبور وأخذ يشرب منه إلا أن ارتوت
عروقه ، غسل وجهه مراتٍ عديدة وصاح بسعادة :
_ ارأيت ستعيش ، كنت اعرف ان الله سيتدبر امرك ايها الاحمق
كل ما يتوجب عليك الا تيأس من الحياة
ضحكة قوية خرجت من خلف إدوارد ، التفت بسرعة ليجد شاباً
طويل القامة ذو أكتاف عريضة بشرته قمحية ، وله شعر بني غامق
، توقف عن الضحك ونظر لإدوارد بابتسامة عريضة مقتربا منه
قال ولا تزال الابتسامة تعلو وجهه :
_ لا تؤاخذني لا اعرف سبب ضحكتي المفاجئة .
ثم أردف بجدية:
_ ما اسمك ؟!
كان إدوارد متعجباً من الشاب الغريب ومن طريقته في الحديث ،
ردّ : _ إدوارد وأنت
قال والابتسامة تزين وجهه :
_ "سليم " (ثم مد يده لمصافحته )
صافحه إدوارد بابتسامة واسعة ، قال سليم :
_ استبقيني واقفاً يا صديقي
أبتسم إدوارد بخجل : _ ليس هنالك مكان اجلسك به اع....
قاطعه سليم : _ أليست الشجرة منزلك يا صديقي ادعني للجلوس
انت صديق سيء
_ اعتذر شردت قليلا تفضل بالجلوس
توجها معا نحوها وجلسا تحت أغصانها لتحجب عنهما أشعة الشمس
ويداعبهما الهواء الطلق قال إدوارد بعد أن لاحظ بساطة سليم :
_ كم عمرك ؟ يبدو انك صغير نسبياً (ابتسم سليم )
_ عمري عشرون سنة وانت .. دعني احزر .عمرك تقريباً عشر سنوات
أبتسم إدوارد وضربه بمرفقهِ على صدره بمرح
_ اتقرأ الاعمار ياهذا ..هههه عمري عشر سنوات واحدى عشر شهرا ونصف اي يمكنك القول إحدى عشر سنة
ابتسم سليم
_ هل لي بسؤال صديقي سألا معا السؤال ذاته
فقال سليم : _ اسأل انت اولا
_ كيف عرفت اني اتخذت الشجرة منزلاً لي
_ كنت قد مررت ليلة أمس من هنا ورأيتك نائما تحت هذه الشجرة
فخمنت فقط...
هزّ إدوارد رأسه بتفهم .فأضاف سليم :
_دوري.. لماذا تنام تحت هذه الشجرة اقصد اين امك .أباك .أخاك .اختك .اي احد
قال إدوارد بحزن مخيف بعد أن خيمت السحابة السوداء على بحر ذكرياته :
_ أنا يتيم لقد توفت امي أثناء ولادتي اي اني لا اعرفها حتى لم تتح لي الحياة فرصة للتعرف عليها وجهها عيناها يداها شعرها.حنانها اي شيء بها اعرف والدي فقط ولكنه توفي البارحة وانا وحيد لهما هه حياة سيئة حقاً ..
احس سليم بأنه كان لا يتوجب عليه طرح هذا السؤال على إدوارد فمن الواضح أنه يتيم فلا
ام او اب في الحياة سيتركون ابنهم يتوسد الصخور وينام تحت شجرة حدث نفسه قائلا :
_ اه يا سليم كم انت احمق
ثم قال وهو ينظر نحو ذاك الطفل أمامه
يطأطأ رأسه بحزن شديد :
_ إدوارد اعتذر صديقي لم أقصد أن احزنك كان
مجرد سؤال فقط
نظر له إدوارد بابتسامة:
_ لا يهم سأعتاد على هذا كثيرون من سيطرحون السؤال علي
دقائق من الصمت بينهما قطعه سليم قائل بطريقة محببة :
_ هل تناولت فطورك
_ كلا لم اجد ما اتناوله بعد
_ ما رأيك أن تنضم لي على الفطور
_ حسنا لا بأس
ابتسم سليم ومشيا سويا إلى بيته الصغير فكانت المفاجأة اثناء سيرهما حين شاهدوا ........
المؤلف : مرح سليمان