استلقى إدوارد من جديد وقد اتضح له أن مريلا هي صاحبة تلك الصرخة حين رأته مستلقياً أمام منزلها فقد سمع وقتذاك عمتها تنادي عليها بأسمها وللمرة الأولى مذ دخوله إلى هذه الأرض يشعر بالسعادة الحقيقية لا السعادة لهروبه من الجنود ولا سعادته حين غمرتهُ في حضنها تلك السيدة اتضح له أن السعادة الحقيقية هي تلك التي تأتي فجأة دون إنذار مسبق وبعد دقائق من التفكير غاب ذلك الطفل الصغير في نومٍ عميق
__________
استأجر" سمل" مكاناً ليقضي ليلته مع جنوده لهذه الليلة بعد أن واجهوا العديد من المصاعب والمقاومة من أهالي المنطقة الشرقية حتى يلبوا طلباتهم التي لا تنتهي كان جالساً مع جنوده يناقشهم ببعض القضايا التي يتوجب عليهم حلها وبعد انتهائهم كانو يجهزون أماكنهم للنوم ولكن سرعان ما طُرق الباب ففتح أحد الجنود للطارق كان شاباً في أوائل عمره يركض اليهم لاهثاً ومتعبا قال :
_ سيدي الجنرال لتسمح لي بالدخول اريد التكلم معك بأمر مهم
اومأ له سمل بالموافقة فدخل وجلس أمامه قال :
_ كل ما امرتموني به فعلته وكل شيء يسير على ما يرام سأحضره لكم ليلة بعد غد كما اتفقنا ولكن هناك مشكلة صغيرة
_اسمعك .قل ماهي المشكلة ؟
_انه .. اقصد أشعر أنه يشك في امري لا اعرف ولک...
قاطعه "سمل" مزمجراً:
_ لن يشك . لن يشك أتفهم لن يحصل شيء ارحل من وجهي الآن وأكمل عملك هيا
استسلم الشاب لأوامر سمل فاستاذنه وغادر يدعوا ربه الا يكشف فيقع بين الطرفين تائهاً لا يعرف نهايته
______________
كانت تعد الطعام حين دخلت صغيرتها الجميلة بإبتسامتها العريضة لكنها الآن مبالغ بها قليلاً سألتها بأهتمام ملحوظ :
_مابال هذه الإبتسامة الآن ماذا حصل لصغيرتي الجميلة هااه
ابتسمت ببراءة وقالت على حياء:
_لقد حصلت على صديق
بادلتها ابتسامتها السعيدة وقالت :
_الآن بهذه السرعة .. (ثم غمزت لها تمازحها ) اهو ولد!
اومأت لها بنعم . فابتسمت بخبث :
_هاااه ايتها المشاكسة . ما اسمه يا ترى ! اهو جميل
_نعم أنه جميل جدا ولكنه حزين
نزلت لمستوى صغيرتها وقالت حين لاحظت انقلاب ابتسامتها الى الاسفل بحزن :
_لماذا حزين الم يخبرك سبب حزنه !
_نعم أخبرني أنه يتيم ينام تحت شجرة كبيرة ويبكي قبل أن ينام
شعرت بغصة عالقة في حنجرتها حيال هذه الطفلة البريئة قالت بعد أن تماسك حزنها :
_الم تقومي بمواساته أنه صديقك أليس كذلك
_نعم أخبرته أن البكاء قبل النوم سيء للغاية تقبل نصيحتي وقال إنها جميلة ولكن لم يمسح دموعه هذا يعني أنه لا يزال حزين
ربتت عمتها على كتفها مبتسمة شعرت أن صغيرها ستبكي فأخذتها في حضنها وضمتها إليها بقوة وقالت :
_الم يقل أن نصيحتك جميلة هذا يعني أنه احبك كثيراً
ابتعدت مريلا عن عمتها وقالت مبتسمة بسعادة:
_احقاً احبني .. أنه لطيف اريد أن يحبني سنصبح اجمل صديقين
ابتسمت لها عمتها واومأت لها بنعم أنها تعرف تفكير صغيرتها جيداً
_نعم احبك لانه تقبل نصيحتك . اذاً مبارك عليك الصديق الجديد
هيا لنأكل وسنتحدث بشأنه لاحقاً ما رأيك !
وبدأتا بتحضير الطعام سوياً
______________
في صباح اليوم التالي ، وحين اشرقت الشمس معلنةً قدوم الصباح ليبدأ يوم جديد ، استيقظ إدوارد على صوت سليم الذي كان قد قدم إليه على عجلة ليوقظه لأمر ما ، تفاجأ إدوارد بقدومه المستعجل قال سليم :
_صباح الخير صديقي الصغير هيا انهض لقد وجدت لك عملا جميلاً الم تخبرني ليلة أمس انك ستبحث عن عمل وتشتري منزلاً وانا لقد وجدت لك ما يناسبك . يمكنك مدحي بكلمات جميلة لا بأس اعتدت الشهرة والإطراء المبالغ به
نظر له إدوارد بسخرية وقال :
_نعم نعم انت معتاد على الشهرة . ماهو العمل !
_ استيقظ اولا يا بني وافتح أذنيك جيداً
_ فتحتهما تكلم هيا .انتظر لأغسل وجهي
اتجه إدوارد نحو صنبور المياه وغسل وجهه وشرب وعاد ليجلس أمام سليم .فقال سليم :
_اسمع ستعمل خياطاً اقصد عند خياط سترتب له غرفة الخياطة وتذهب كل يوم صباحاً لتشتري الأقمشة والأبر والخيوط من السوق الشرقي الكبير وستساعده على التطريز اليدوي والتطعيم وبالمقابل ستنام في غرفة الخياطة بدلاً من هذه الشجرة وسيقدم لك الطعام والشراب والملابس وسيعطيك راتباً شهرياً جيداً.. هااه ما رأيك ؟!
اخذ إدوارد يفكر وبعد لحظات قال :
_حسنا .وافقت متى سأبدأ ؟
_اليوم
امسك سليم إدوارد من يده وأخذ يمشي به قال إدوارد:
_ لم أكن لأوافق لو كنت أعلم أنه بهذه السرعة
ضحك سليم لخفة دمه واصطحبه إلى غرفة الخياطة كما كانو ينادونها آنذاك ووقت وصولهما دخلا ليستقبلهما رجل عجوز طيب الوجه وحكيم رحب بإدوارد بشدة فقد كان يحتاج صبيا صغيرا خفيفا ليعمل معه وها قد وجده أخيرا ذهب سليم وترك إدوارد مع عمله الجديد قال العجوز لإدوارد :
_ والآن يا بني عليك أن تذهب نحو تلك الطاولة الصغيرة وترتب كل من الخيوط والأبر في زاوية وبعدها ستتجه إلى تلك الزاوية أنها زاوية الأقمشة سترتب الأقمشة حسب الالوان والأنواع فمثلاً الحرير مع الحرير والقطن مع القطن وهكذا وتناسب الالوان أيضاً وبعدها ستأتي الي لنتناول الغداء سوياً لا اريد منك شيئاً يا بني الا الإخلاص في العمل مقابل ما اقدمه اليك اتفقنا
اومأ له إدوارد بنعم واتجه ينفذ ما طلبه منه بكل جد واخلاص كان يعمل وكأنه يلهي نفسه عن الحياة قام بترتيب كل شيء بدقة مع تناسب الالوان والأنواع كما الأحجام أيضاً كما كان يراقبه الجد العجوز باهتمام شديد معجب بدقته وترتيبه المنظم يحمد ربه أنه وجده ويدعي الا يقصر في الأيام المقبلة
_____________
في مكان آخر اتجهت مَريلا نحو الشجرة الكبيرة كانت تريد أن تراه وتعطيه الحلوى التي حضّرتها له مع عمتها ولكنها رأت شابا يقف مع احد جنود الملك أمام الشجرة يتهامسان قال الشاب:
_ نعم كان ينام تحت هذه الشجرة ولكنه الآن سيعمل عند الخياط ولن ينام هنا بعد الآن
_ما اسم الجد الذي يعمل عنده !
_اسمه يعقوب أنه يقطن في نهاية هذا الرواق
لاحظ الشباب فتاة صغيرة تقف نراقبهم باهتمامك فسألها :
_ ماذا تريدين يا صغيرة
قالت بعد تفكير :_اني ابحث عن العم يعقوب
_حسنا تعالي اصطحبك إليه
ذهبت مَريلا وامسكت بيده ببراءة وقالت:
_حسنا لنذهب
نظر الشاب نحو الجندي وأشار له نحوها فقال الجندي :
_ حسنا سنتكلم لاحقاً حل هذا الآن
_حسنا .
ثم التفت نحو مَريلا وقال :
_ما اسمك يا حلوة
_مريلا
_اانت قريبة الجد يعقوب
صمتت لدقائق. ثم أضافت :
_نعم حفيدته
ابتسم لها بتصنع مبالغ به
ذهب الجندي إلى شارع والشاب و مَريلا في شارع كانت تمشي معه وتراقبه باهتمام وتتكلم معه أيضا شعرت أن هناك شيء غريب
ولحسن حظها وسرعة بديهتها اختلقت كذبة الجد يعقوب لتصل لصديقها فقد أحست أنهما يتكلمان عنه
بيد حين وصولهما أنها لا تعرف الجد يعقوب منذ البداية واتضحت كذبتها أمام الشاب
نظر لها إدوارد نظرة تشي بالكثير يشعر أنها ليست على ما يرام بالرغم من أنهما تعرفا ليلة أمس إلا أنه يمتلك نظرة ثاقبة يستطيع فهم ايماءات وتعابير الوجه كما المشاعر دون البوح بها ربما هي مهارة مكتسبة من والدته
اقترب إدوارد منها وهمس لها :
_....................