الفصل العاشر: نهاية السيد
(اليابان إلى كوريا - صيف 1811م)
---
اجتمع مجلس اللوردات في قصر الشوغون تحت قبابٍ ذهبية تلمع كأسنان تنين جائع. **لورد ساتو**، عيناه ضيقتان كشقوق السكاكين، رفع لفافة جلدية مهترئة:
"هيديتوشي! أيها الأعمى! لقد أدخلت ذئباً إلى حظيرة اليابان!
هل تذكر يوم قدمته لنا؟ قلت: 'هذا السلاح الذي سيذل الصين!'
لكن من ذلّ من؟ نحن!
عبيدنا يهربون بعدما سمعوا أن صينياً قاد جيوشنا!
جنودنا يتهامسون أن 'ديفل' كان أكثر نبلاً من سادتهم!
والآن... ها هو قد تبخر كضباب الصباح، تاركاً جيشاً مشلول الإرادة!"
وقف **هيديتوشي** كالجرذ في مصيدة، عرقٌ بارد يتدفق على صدغيه:
"أيها اللورد ساتو! أتنسى أن غنائم حروبه بنت أسوار كيوتو؟
أتجاهل أن خزائنكم امتلأت فضةً من بيع أسلحة صنعها عبيده؟
ذلك الصيني كان أداةً فقط... وأدوات لا تخون!"
انفجر **كوهي تاكيشي**، قائد حرس القصر، ضاحكاً سخريةً مُرّة:
"أداة؟!
هل الأداة تترك رسائل تهديد على أسرة الشوغون؟
هل 'الأداة' تشعل تمرداً في سجن إيدو حيث هرب مئة عبد باسمه؟
لقد حوّلته إلى إله... والآن يعاقبك من سماواته الوهمية!"
تدخلت **كاهنة القصر** بصوتٍ يشبه صفير الأفاعي:
"حتى الأرواح تضجُّ في المعابد!
الرهبان يبلغون أن أرواح القتلى الصينيين تتجول في أروقة القصر ليلاً...
تصرخ: 'هيديتوشي! لماذا أحرقتنا مرتين؟ مرةً بالسيوف.. ومرةً بالعار!'"
هزّ هيديتوشي قبضته نحو السقف:
"خرافات!
هل أصبحنا نلاحق أشباحاً بدل الخائن؟
لقد اختفى... وهذا دليل خيانته!"
فجأة... انفتحت الأبواب العظيمة.
دخل **كينغو** - مدرب ليان القديم - مقيداً بالسلاسل، وجهه ممزقٌ بجلدات السوط.
ألقى بنظرة حاقدة على هيديتوشي، ثم أنشد بصوتٍ مبحوح:
"هو من أمرني!
قال: 'درّب هذا الجرو الصيني ليصبح كلباً مسعوراً...
سنبيعه للشوغون بوزنه ذهباً!'
لكن الكلب نما كثيراً... وابتكر سيده!"
صمتٌ قاتل ساد القاعة.
حتى تنفس الشوغون ليون شينراي صار مسموعاً.
رفع إصبعه الأصفر الهزيل...
وكانت الإشارة.
---
> الإعدام: دم على تراب اليابان
في ساحة الإعدام، تحت شمس تموز التي تحرق الجلود، رُبط **هيديتوشي** إلى عمود خشبي شوهته بقع دماء جافة.
الحشد يزمجر: "الخائن! عرّض اليابان للخزي!"
فجأة... انكسرت تلك الكتلة البشرية المتورمة.
بدأ يرتجف كطفلٍ في ثلوج الهوكايدو:
"ارحموا عجوزاً خدم اليابان أربعين عاماً!
أنا من دافع عن كيوتو حين حاصرها المتمردون!
أنا من أطعم أطفالكم خبزاً حين ضربت المجاعة!
استحلفكم بذكرى أمهاتكم... لا تريقوا دمي كالبهائم!"
لكن الأعين كانت قاسية.
الجلاد رفع سيفه الطويل الذي يشبه عظم فخذ تنين.
في تلك اللحظة...
التقط هيديتوشي وميضاً تحت شجرة الساكورا البعيدة:
- **شعر أسود** ينساب من تحت قبعة قش مائلة.
- **عين زرقاء واحدة** تشعّ كجمرة في رماد.
- **شفاه** ترتسم عليها ابتسامة رفيعة...
كالجرح الذي تركه سيفه في ظهر خصمٍ ذات ليلة.
"ليـــ..."
كاد الاسم يخرج كزفير أخير...
لكن شفرة السيف هبطت كالصاعقة.
انفصل الرأس عن الجسد...
وتدحرج على التراب الساخن.
في العينين المفتوحتين للرأس المقطوع:
- ومضة زوجته **ساتو** وهي تشرب السم بدلاً منه.
- ظلّ **ليان الصغير** يصرخ بين جثث والديه في أقبية القلعة.
- صوت **والد ليان** يهمس قبل طعن السيف:
*"الظلم حريق... سيأكل نفسه يوماً."*
---
اختلط ليان مع الحشود كذئب بين الخراف.
همس في أذن جندي شاب كان قد درّبه ذات يوم:
"كينغو سيلقى نفس المصير...
فهو الوحيد الباقي الذي يعرف وجهي.
لكنّي أراهن أنهم حبسوه مع الجرذان...
فمن يحبّون صنع الوحوش... يخافون مخالبها."
في ميناء "هاكوداته" المُشمِس، تسلل كظل البحر إلى سفينة البضائع الكورية **"تشونغانغ"**.
اختبأ داخل برميل ملحٍ كبير، بين أسماك مملحة تشبه جثثاً صغيرة.
رائحة الموت والملح اختلطت بأنفاسه.
---
**اليوم الأول:**
سمع من شقوق البرميل صوتاً مبحوحاً:
"أخبر الكابتن: الصناديق 7 و8 فيها سوس!"
ردّ آخر: "لنفتحها عند الوصول... كوريا لا ترحم المتأخرين."
*ليان ابتسم في الظلام: "حتى السوس يعرف أن التأخير قاتل."*
**اليوم الخامس:**
في ليلة عاصفة، انفتح غطاء برميله فجأة!
صبي كوري بعينين واسعتين حدّق فيه.
أومأ ليان له بصمت... فسحب الصبي غطاءً مزيفاً فوقه.
في الصباح، وجد رغيف خبز متعفناً بجانبه.
نقش عليه بكربون عصا: **"حرية"** بالصينية.
**اليوم التاسع:**
الكابتن الشكاك أمر بتفريغ كل البراميل على السطح.
عندما اقتربوا من برميل ليان...
انقض إعصار مفاجئ كوحش من الأعماق.
الأمواج التهمت ثلاثة بحارة...
و"الصيني المخفي" نسي الجميع أمره.
---
(ساحل كوريا - صيف 1811م)
---
بعد أن لفظته الأمواج على شاطئ "بوسان"، انتفض ليان من الرمال كالسلطعون الجريح. في سوق الميناء الصاخب، حيث رائحة الأسماك الفاسدة تختلط بصياح التجار، أفرغ حقيبة الخيزران:
- **عملات يابانية** (50 قطعة فضية).
- **خنجر صيني** مطعّم بالعاج.
- **قلادة فضية** على شكل جمرة.
بإيماءات يديه وكلمات صينية مكسورة، بدأ المقايضة:
> 3 عملات فضية ← سلّة أرز.
> الخنجر ← حصان هزيل.
> القلادة ← عربة خشبية مهترئة.
بحلول الغروب، كان قد حوّل العربة إلى منضدة متجولة. يبيع الأرز بضعف السعر... ويجمع العملات الكورية ببراعة الصمّ.
---
في اليوم الثالث، بينما كان يعدّ النقود خلف منضدته، سمع صوتاً خلفه:
**"اللغة اليابانية جميلة... أليس كذلك؟"**
ليان تجمّد. السكين في حزامه كان على بُعْد إصبعين... لكن لمَ يشعر بقدوم هذا الرجل؟
التفت ببطء. أمامه رجل طويل بقبعة فرنسية:
- عينان زرقاوان باردتان كالقطبين.
- شارب أسود مُهندم كسيفين متقاطعين.
- أناقة تتناقض مع فوضى السوق.
**"اسمي مايك أولكامبور... مسافر من مرسيليا."**
صوته كان ناعماً كحرير مسدّس.
**ليان:** (باليابانية) "ماذا تفعل في كوريا أيها المسافر؟"
**أولكامبور:** (يبتسم) "أبحث عن تحفٍ نادرة... وحيوانات غريبة."
**ليان:** "هنا لا تجد سوى الأرز والملح."
**أولكامبور:** (يلمع سكّيناً صغيراً من جيبه) "بل أجد... جوهرةً تختبئ بين الصخور."
توقّفت أنفاس ليان. الرجل يتحدث عن الصيد... لكن عينيه تقولان شيئاً آخر.
**ليان:** "أنت... تاجر تحف؟"
**أولكامبور:** (يضحك) "صياد جوائز فقط! أتتبع المطلوبين في آسيا."
لمح ليان شارة معدنية على صدر الرجل:
**نجمة ذهبية** تحيط بخنجرين متقاطعين.
**"صياد الجوائز الأول للإمبراطور نابليون."**
اتسعت عينا ليان لحظة... كافحةً لاستعادة السيطرة. لكن أولكامبور كان قد رأى كل شيء.
---
**في ذهن ليان:**
*"هذا الفرنسي خطر!*
*يداه ناعمتان... لكن إصبعيه بهما ندوب قبضات السيف.*
*مكافأة رأسي لا تقل عن 250 فرنكاً فرنسياً (2500 قطعة فضية)...*
*كيف أقتله دون ضجّة؟"*
**في ذهن أولكامبور:**
*"هذا الآسيوي ليس تاجراً!*
*ندوب السوط على رسغيه... عينان زرقاوان نادرتان.*
*المطلوب الياباني "الشيطان الأحمر" مكافأته 300 فرنك...*
*كيف أسحبه خارج المدينة؟"*
---
**أولكامبور:** (يرفع قبّعته) "سأبحث عن تحفتي في الجبال."
**ليان:** (ينحني) "حظاً موفقاً."
بينما ابتعد الفرنسي، رسم ليان خطة في رأسه:
> **الخيار ١:** تتبعه وتذبحه في ممر جبلي.
> **الخيار ٢:** تهريب نفسه إلى سفينة تبحر الليلة.
أما أولكامبور، وهو يختفي خلف أكياس الأرز، همس بلغة الألزاس:
**"سأعود حين ينام الشيطان الأحمر... بسفينة مُسلّحة."**
---
في كوخه المؤقت، فحص ليان سيف "لوسيفير":
*"الصياد يعرف وجهي الآن...*
*ومع ذلك تركني حياً؟*
*هذا يعني أنه يريدني حياً... أو أنه يجهل قوّتي الحقيقية."*
فجأة... سمع صفيراً خارج النافذة.
**رامٍ كوري** يُطلِق سهماً يحمل رسالة:
> *"السفينة الفرنسية 'لا ريفانش' ترسو عند الفجر...*
> *عليها 20 صياد جوائز.*
> *هرب قبل منتصف الليل.*
> *- صديق من سوق الأرز"*
ليان أحرق الرسالة.
الزهرة الزرقاء على رقبته اشتعلت تحت ضوء القمر...
كجمرة أخيرة تُشعل حرب الظلال .
*انتهى القسم الأول - ديفل*