الفصل الثاني عشر : الورقة الذهبية
(سجن جزيرة الثعبان - شتاء 1811م/1812م)
الظلام في الزنزانة التحت أرضية كان كثيفاً، كسواد جوف الحوت. رائحة العفن والدم المتخثر تخنق الأنفاس. ليان وي، المسحوق تحت ثقل السلاسل الحديدية التي اخترقت لحم معصميه وكاحليه، حدق في الشبح الذي زحف نحوه. ضوء القمر الخافت من فتحة التهوية العلوية كشف عن تفاصيل مروعة: عين واحدة غائرة ومطفأة، يد يسرى مبتورة عند الرسغ، وجسد هزيل كأنه هيكل عظمي مغطى بجلد متقشر. لكن الوشم على رقبته الرقيقة جعل دم ليان يتجمد: زهرة زرقاء متشابكة، تطابق تماماً وشم عشيرة "وي" على رقبته هو نفسه.
"أنا **كاين**..." همس الرجل بصوت أجش كحفيف أوراق الخريف الميتة، "ابن أخ **وي تشاو**... عمّك."
ليان، رغم الألم الذي يشق جسده كسكاكين، حاول أن يرفع رأسه. السلاسل صدت حركته بقسوة. "وي تشاو..." كرر الاسم بذهول. عمه الذي اختفى في غزوة لليابان قبل أن يولد ليان نفسه عام 1795م. قيل أنه مات. "كيف... كيف عرفتني؟ أنت لم ترني قط."
ابتسم كاين ابتسامة تفتقر إلى أي دفء، كشرخ على جليد. "الوشم... لا يكذب. وشعرك الأسود الطويل، وعيناك الزرقاوان... نادرتان في هذه الجحافل المسحوقة. أخبرونا عنك... عن ابن أخي المولود في العبودية، الذي هز قلعة توكوغاوا." اقترب أكثر، حتى أنفاسه النتنة لامست وجه ليان. "لكن معرفتي لك... ليست شخصية. هي معرفة الدم والعار المشترك."
ثم فجأة، فتح كاين فمه على اتساعه. بين أسنانه الأمامية المتآكلة، برق شيء معدني صغير: **مفتاح**. كان مخبأ في تجويف صناعي بدقة.
"اختر، ابن أخي:" كلماته كانت كقطرات سم تسقط في أذن ليان، "أن أحررك الآن... من هذه السلاسل ومن هذا القبو الرطب... أم..." توقف، وعينه الوحيدة التهمت الظلام حولهما، "... أن نحرق هذا الجحيم كله؟ مع كل من فيه؟ حراساً... وسجناءً."
---
لم يختر ليان... بعد. أيامٌ طويلة تلت ذلك اللقاء المظلم كانت بمثابة اختبار للإرادة في فرن متقد. التعذيب في سجن الثعبان لم يكن عشوائياً؛ كان طقساً يومياً منظمًا ببرودة حديد الأصفاد.
**الفجر: التعليق على الصخور.**
كانوا يجرون السجناء، عراة حتى الخصر رغم صقيع الشتاء القارس، إلى شاطئ الصخور السوداء التي تشبه جلود التنانين الميتة. هناك، يُربَط كل سجين بحبل خشن يلف حول معصميه، ثم يُرفع إلى ارتفاع عدة أقدام. ثقل الجسد كله يتركز على مفاصل الكتفين. ليان، بطوله البالغ 191 سم، كان يعاني أكثر. كان يسمع صوت تمزق الأوتار في كتفيه كخيوط قماش ممزقة، بينما أمواج البحر المتجمدة تلسع جروحه المفتوحة. حوله، صرخات الكوريين واليابانيين والصينيين تختلط بعواء الريح. أحد الحراس اليابانيين، ضخم بوجه مشوه بندبة، كان يضرب بصولجان حديدي على أي جسد يبدو متكاسلاً عن الصراخ. "المعاناة تثبت أنك حي، كلب!" كان يصرخ. ليان كان يغلق عينيه الزرقاوين، يركز على أنفاسه المتجمدة. *"الألم سجن للجسد... الحرية سجن للروح إذا لم تعرف كيف تهرب داخله."* كان يردد في صمت.
**الظهيرة: الجلد بأشواك البحر.**
بعد ساعات من التعليق، يُسحب الناجون إلى ساحة مركزية. هنا، تُستخدم سياط مصنوعة من أعشاب بحرية مجففة ومتشابكة، مغموسة في ماء مالح ومرصعة بأشواك قشر المحار الحادة. الجلاد، رجل صيني هائل القوة يُدعى **بوهاي** (معنى اسمه: البحر العظيم)، كان يتفنن في ضرب الظهور. كل سوط يترك خدشاً عميقاً ينزف بغزارة، والأشواك تبقى مغروسة في اللحم، تسبب التهابات رهيبة. ندوب لا تلتئم، كما وصفها السجناء. ليان كان يقف صامداً، عضلات ظهره المليئة بالندوب القديمة والجديدة تتشنج مع كل ضربة، لكن صوته لم ينبس بآهة. هذا الصمت كان يغيض بوهاي، فيزيد الضربات. "صر! أيها الشبح الأبيض! صر كالكلاب!" كان يزمجر. ليان كان ينظر إليه بتلك العينين الزرقاوين الباردتين، وكأنه ينظر إلى حشرة. نظرة أرهبت بوهاي أكثر من أي صراخ. بعد الجلد، يُترك السجناء تحت شمس الظهيرة الباهتة، والدم والملح يجذب طيور النورس الجارحة التي تنقر في جروحهم.
**المغرب: الطعن غير القاتل.**
قبل إعادتهم إلى الزنازين، كان هناك "الدرس الأخير". الحراس، بقيادة نائب أولكامبور الياباني **كينزو** (الاسم يعني القوي والصحي)، كانوا يتدربون على السجناء. باستخدام سيوف قصيرة (تانتو) أو حراب غير حادة بما يكفي لقتل سريع، كانوا يطعنون السجناء في أماكن غير مميتة: الأفخاذ، الأرداف، الكتفين. الهدف: فقدان الدم التدريجي، والإرهاق، واليأس. ليان تعرض لهذا كل ليلة تقريباً. كان يحسب عدد الطعنات، ويتابع تدفق دمه الدافئ على الأرض الباردة. في إحدى الليالي، بينما كان كينزو يغرز إبرة ملح في جرح طعنة عميقة بظهره، همس ليان لنفسه، لكن بصوت سمعته مجموعة من السجناء اليابانيين القريبين: *"الدم الذي يخرج مني الآن... هو نفسه الذي يسري في عروق من يطعنني. الفرق فقط... من يمسك السيف."* الكلمات، رغم خفوتها، انتشرت كالنار في الهشيم بين السجناء اليابانيين المستعبدين أصلاً، ملقية بظلال من الشك على ولائهم الأعمى للشوغون.
---
وسط هذه الجحيم المنظم، كانت هناك فسحة وحيدة من "الترفيه" للحراس: ساحة القتال. في أيام "الراحة" النادرة من التعذيب الممنهج، كان الحراس يجبرون السجناء على القتال حتى الموت أو الإعاقة أمام جمهور من السجانين والسجناء على حد سواء. الرابح قد ينال حصّة إضافية من الخبز العفن، أو يوضع في زنزانة أقل رطوبة ليومين. الخاسر... مصيره معروف.
ليان، رغم قوته الأسطورية التي تحدثت عنها الأساطير بين السجناء، كان يتجنب هذه الساحة بدهاء. إصاباته من التعذيب كانت تقدم له ذريعة مقنعة. "انظروا إلي!" كان يقول بصوت ضعيف مفتعل، وهو يتكئ على الجدار، دماء تجمدت على قميصه الرث. "هل تقارنونني بذلك الثور؟" مشيراً إلى **جانغ لي**، سجين صيني ضخم من شنغهاي، كان بطلاً لا يُهزم في الساحة. جانغ لي كان يفتت خصومه بيديه العاريتين، صوته كهدير الدب. قتاله مع **تاكيشي**، سجين ياباني سريع كالأفعى ومدرب على الفنون القتالية، كان أحد المشاهد المروعة.
**القتال الأول: جانغ لي (الصين) ضد تاكيشي (اليابان)**
ساحة ترابية حمراء، كأنها ملطخة بالدم منذ الأزل. جانغ، بجسده الذي يشبه الجدار، تقدم ببطء. تاكيشي، أنحف وأقصر، كان يدور حوله كالذئب، رفسة خاطفة نحو ركبة جانغ. صرخ العملاق غاضباً وهجم كالثور الهائج. تاكيشي تفادى بمرونة، وكمة سريعة كالبرق أصابت حنجرة جانغ. الصيني الكبير توقف فجأة، عيناه جاحظتان، يلهث بحثاً عن الهواء. تاكيشي استغل الفرصة، قفز وركله بكل قوته في الصدر. سمع الجميع صوت كسر الأضلاع. جانغ سقط كشجرة عملاقة، تراب الساحة يتطاير حوله. تاكيشي وقف فوقه، رفع ساقه ليحطم جمجمته. صفير الحراس أوقفه؛ كانوا يريدون أن يعاني جانغ أكثر. الياباني الصغير ابتسم ببرود وابتعد، تاركاً الصيني يتخبط في دمه.
**القتال الثاني: كيم جونغ (كوريا) ضد أومورو (اليابان)**
كيم جونغ كان حطّاباً كورياً قوي البنية، أُسِر بعد محاولة هروبه الفاشلة. أومورو سجين ياباني، قاتل سابق في ميليشيا الشوغون، شرس ومحب للدماء. القتال كان متكافئاً في البداية، ضربات قاسية تتبادل. لكن أومورو كان ماكراً. تخلى ظاهرياً عن هجوم، وعندما هجم كيم جونغ بقوة، تفادى أومورو ببراعة ودفع الكوري نحو زاوية الساحة حيث كانت هناك حجارة مدببة مخبأة تحت طبقة رقيقة من التراب. كيم جونغ وقع عليها بظهره. صرخة مروعة انطلقت بينما اخترقت الحجارة لحمه. أومورو اقترب ببطء، سحب سكيناً بدائياً من خلفه كان قد سرقه من مطبخ السجن، وبدأ ببتر أصابع كيم جونغ الواحد تلو الآخر وهو حي، وسط تهليل الحراس.
ليان كان يراقب من بعيد، متكئاً على جدار الزنزانة المفتوحة، عيناه الزرقاوان لا تفارقان المشهد. لم تظهر على وجهه الوسيم، رغم شحوبه الشديد وآثار التعذيب، أي اشمئزاز أو خوف. كان يحلل. يراقب نقاط الضعف في كل مقاتل، طريقتهم في التنفس، كيف يوزعون ثقلهم. سجناء آخرون، خصوصاً الصينيون الذين سمعوا عن "الشبح الأحمر"، كانوا يلتفتون نحوه بين الحين والآخر، يتساءلون لماذا لا ينزل إلى الساحة لينتقم لشرفهم؟ أحدهم، سجين صيني شاب اسمه **مينغ**، تجرأ وسأله ذات يوم: "أأنت خائف؟ أم أنك تنتظر موتاً أبطأ هنا؟"
ليان نظر إليه، نظرة طويلة جعلت مينغ يرتجف. ثم قال بهدوء مخيف: "الخوف حكيم عندما يمنعك من العراك في معركة لا تستحق سوى المتفرجين." أومض بعينيه الزرقاوين نحو ساحة القتال حيث كان أومورو يرفع يديه منتصراً على جثة كيم جونغ. "هؤلاء... مجرد دمى في مسرحية كتبها الحراس. القتال الحقيقي يبدأ عندما نقرر نحن من يمسك خيوط الدمى." كلماته، الغامضة والباردة، انتشرت مرة أخرى، تزرع بذور فكرة التمرد في عقول المستمعين اليائسين.
---
في فترات الراحة النادرة داخل الزنازين المزدحمة، حيث يتشارك عشرات الرجال رائحة العرق والمرض واليأس، كان ليان يصبح مركزاً غريباً للجذب. ليس بسبب قوته الظاهرة، بل بسبب صمته الذي يتخلله أحياناً كلمات تقتحم الروح.
ذات ليلة، بينما كان **الشيخ تشين**، الرجل الصيني العجوز الذي كان ينحت الياقوتة الزرقاء ليفتدي ابنته، يبكي بصمت على يديه المشوّهتين من الزيت الساخن، تحدث ليان من زاويته المظلمة:
"اليد التي تنحت الحرية... لا يمكن للزنزانة أن تكسرها حقاً، يا شيخ تشين."
رفع العجوز رأسه، عيناه غائرتان. "أبنائي ماتوا في العبودية... ابنتي الوحيدة في سوق النخاسة في ناغاساكي. ما حرية لي؟"
"حرية أن تحلم بها... وأن تمنحها لمن حولك حتى لو كان حلمك وحيداً." أجاب ليان، عيناه الزرقاوان تلمعان في الظلام كنجمين بعيدين. "الحرية لا تُسترد بالضرورة بالهروب... أحياناً تُسترد بالبقاء، وبإشعال نار الأمل في عقل واحد آخر."
في ليلة أخرى، بينما كان السجناء يراهنون على آخر فأر في الزنزانة، إن كان سيلعق فتات الخبز المسموم الذي وضعه الحراس كفخ، شاهدوا الفأر يتشنج ويموت. جلس **كاين** بجانب ليان، يهمس: "انظر إليهم. يراهنون على حياة فأر كأنها مسليتهم الأخيرة. هذا ما فعله الجحيم بهم."
ليان لم ينظر للفأر الميت. نظر للسجناء، وجوههم الهزيلة التي أضاءها وهج الرهان المؤقت. "الرهان على الفأر... هو تمرين على الرهان على أنفسهم لو أُعطوا خياراً. اليأس قتل روحهم قبل أن يقتل الجسد." ثم أضاف، بصوت أوحى لكاين أنه يتحدث من خبرة مريرة: "لكن الجمرة تحت الثلج... تنتظر شرارة واحدة فقط لتصبح حريقاً."
كاين نظر إليه بإعجاب خفي. "أنت... مختلف عن أي شاب في السادسة عشرة رأيته."
ليان لمس وشم الزهرة الزرقاء على رقبته. "السادسة عشرة في جحيم الثعبان... كالستين في أي مكان آخر."
---
الأيام تحولت إلى أسابيع. الشتاء اشتد، وصخور الجزيرة السوداء صارت مغطاة بطبقة رقيقة من الجليد كأنها دموع متجمدة للبحارة الهالكين. في صباح بارد قارس، أجبر السجناء على العمل في الحقل الصخري الوحيد بالجزيرة، محاولة حرث أرضٍ لا تصلح إلا لدفن الموتى. ليان، بيديه المقيدتين بسلاسل قصيرة، كان يدفع محراثاً بدائياً، جروح ظهره المفتوحة من الجلد تنزف تحت قميصه الخشن. التعب كان يهدده بالسقوط في أي لحظة، لكن إرادته كانت كالسيف الذي لا ينثني.
فجأة، توقف أحد الحراس اليابانيين الشباب، وجهه أقل قسوة من البقية، بجانبه. لم ينظر إليه، وكأنه يتفحص الأرض. ثم، بسرعة خاطفة لا تلحظها عين غير مدربة، انزلق شيء صغير من كم الحارس وسقط بين كتل الطين عند أقدام ليان.
ليان، دون أن يبدو عليه أي رد فعل، استمر في دفع المحراث. بعد خطوتين، "تعثر" متعمداً وسقط على ركبتيه فوق البقعة. يده المقيدة حركت كتلة الطين بسرعة، وأمسكت الشيء: **ورقة صغيرة، ملفوفة بإحكام**.
استغرق قيادة المحراث لزاوية بعيدة نسبياً، ظهره للحراس الرئيسيين. هناك، بينما كان يظهر وكأنه يعدل سلسلة قيوده، فتح الورقة بيديه المرتعشتين من البرد والتعب. كانت مكتوبة بخط رفيع وغير واضح، كأنه كُتب بأداة حادة على عجل:
> **هل نبدأ التجهيزات ؟**
نظر ليان نحو البحر الأصفر المتلاطم بأمواجه الرمادية، بعيداً عن الجزيرة. عيناه الزرقاوان، اللتان شهدتا مقتل الوالدين وهول العبودية ووحشية هذا السجن، تلمعان بضوء جديد. لم يكن نور الأمل... بل نور القرار.
أغلقت أصابعه على الورقة، وابتسم لأول مرة منذ وطئت قدماه هذه الجزيرة. ابتسامة لم ترها إلا الصخور السوداء والرياح العاتية.