الفصل الرابع عشر: دم يتحدى الصقيع

(جزيرة الثعبان - أوائل ربيع 1812م)

سؤال **جانغ لي** انطلق كسهم من كبد الظلام:

**"أأنت... من عشيرة وي؟!"**

الريح التقطت الكلمات وحملتها فوق أمواج البحر الأصفر، كأنها نذير حرب قديمة. **ليان وي** لم يتحرك. ظلّ واقفاً كالصخرة السوداء نفسها، عيناه الزرقاوان مثبتتان على الأفق حيث ابتلعت الشمس. فقط شفتاه الرقيقتان تحركتا، كلماته تخرج هادئةً كزئير أسد تحت الأرض:

"وإن كنت؟ هل سيغير ذلك من حكم الإعدام البطيء الذي نعيشه هنا؟"

جانغ لي تقدّم خطوة، ظلّه العملاق (188 سم) يبتلع آخر أشعة الشمس على وجه ليان. رائحة العرق والدم الفاسد تنبعث من جسده العضلي.

"كلاب اليابان قتلت عائلتي لأنهم شكّوا أننا ساعدنا عشيرة وي في الهرب!" هسهس بصوت مليء بالحُمّى. "رائحة العار التي تحيط بكم... وصلت حتى شنغهاي."

ليان التفت أخيراً. ضوء الشفق الباقي لعب في عينيه الزرقاوين، جاعلاً إياهما كجمرتين متقدتين.

"العار لا يُشم... بل يُخلق بأيدٍ مثل يديك حين تقتل من هم في قيودك نفسها." أومأ نحو ساحة القتال حيث كاد جانغ لي يموت بأيدي الياباني تاكيشي.

الصمت عاد، أثقل من سلاسل السجن.

---

طوال الشهر التالي، كان **أولكامبور** (23 عاماً) ينسج شباك القمع بحرفية ساحر. كل يوم كان فصلاً من رعب منظم:

**اليوم 1:** اكتشف نقصاً في أدوات الحفر. أمر بتجريد زنزانة 5 من فراشهم "حتى يتعلموا أن الأدوات أثمن من أجسادهم".

**اليوم 4:** سمع همسة تمرد من سجين ياباني. جعله يعضّ لسانه أمام الجميع كعقاب. "الثوار بلا لسان... كالأسود بلا أنياب".

**اليوم 7:** وجد رسماً لطائر على حائط الزنزانة 3. أمر بوهاي بجلد ظهر الرسام حتى يتحول الرسم إلى لوحة من دم.

**اليوم 12:** حاول سجين كوري الانتحار. أمر أولكامبور بربطه عارياً على الصخور السوداء ليلاً "ليتعلم أن الموت رفاهية لا نمنحها هنا".

**اليوم 18:** قدمت سفينة إمدادات. ألقى أولكامبور بقطعة لحم طازجة أمام السجناء الجياع ثم أمر كلب حراسة أن يأكلها أمامهم. "الأمل... هو أقسى تعذيب".

**اليوم 25:** اكتشف نفقاً غير مكتمل. دفن السجين الذي حفره حياً في نفس النفق، ووضع حجراً كبيراً فوقه كشاهد قبر.

في برجه الحجري، كان يشرب نبيذه الفرنسي، عيناه البنيتان تراقبان مملكته المريضة برضا. "النظام... هو الفن الوحيد الممكن في الجحيم".

---

السؤال المحترق عن عشيرة وي لم يغب عن بال **جانغ لي**. لكنه تحوّل إلى وقود. في زوايا السجن المظلمة، بين فترات العمل والتعذيب، بدأ جانغ لي تدريباً قاسياً:

**الفجر:** قبل صفير الحراس، كان يرفع صخوراً ضخمة مربوطة بسلاسل قدميه. عضلات ظهره المتشابكة تشدّ كأوتار قوس عملاق، والجراح القديمة في صدره (من قتال تاكيشي) تدمى من جديد. أنفاسه تصعد دخاناً في برد الصباح.

**الظهيرة:** في دقيقة الراحة بعد الجلد، كان يضرب جذع شجرة ميتة بقبضته العارية. جلد مفاصله يتمزق، عظامه تتألم، لكنه لم يتوقف. "هذه الشجرة... هي وجه ليان وي!" كان يهمس.

**المغرب:** في زنزانته المكتظة، كان يتدرب على القتال في الظلام. حركات قاسية، مفاجئة، مستخدماً ظلال السجناء كخصوم وهميين. أحدهم، **فينغ** (الصيني النحيل الذي انتصر بمساعدة ليان)، قال له: "أنت تحارب شبحاً، جانغ! ليان لم يرفع قبضته عليك."

رد جانغ لي بعينين عسليتين تشعان بالحقد: "شبحه في دمي قبل أن يكون في عيني!"

ليان كان يراقب من بعيد. في يوم رابع، بينما كان جانغ لي يجلد ظهره بالحجارة لـ "تقوية العضلات"، اقترب ليان كالظل:

"تدمير جسدك... ليس تدريباً. إنه انتحار بطيء."

جانغ لي التفت كالثور الجريح، دماء على جبينه من الجهد: "وما فهمك للتدريب، شبح العبيد؟"

ليان أشار إلى قدميه: "السجين الحكيم يتدرب على الصبر... لأن أقوى ضربة هي التي تنتظر لحظتها."

ابتعد قبل أن يرد جانغ لي، تاركاً كلماته تطن في أذن العملاق كالذباب المزعج.

---

بينما كان جانغ لي يحول جسده إلى سلاح، كان **ليان** يحول العقول إلى ألغام موقوتة. فلسفته الباردة تسربت كالسم في آبار اليأس:

**مع كاين (الرجل ذو العين الواحدة):**

بينما كانا ينظفان دماء التعذيب من ساحة الصخور، قال ليان:

"الحراس يخافون أكثر منا... لأنهم يعرفون أن القفص الذي بنوه قد يصبح مقبرتهم."

كاين توقف، عينه الواحدة تحدق: "كيف تعرف؟"

"لأنهم يربطوننا بسلاسل... لكنهم يضعون مفاتيح الطوارئ في جيوبهم. الخائف لا يثق حتى في قفله."

**مع الشيخ تشين (الرجل الذي أحرقوا يديه):**

بينما كان العجوز ينظر إلى يديه المشوّهتين، قال ليان:

"اليد التي تنحت الحرية لا تحتاج إلى جلد سليم... بل إلى إرادة لا تنكسر."

في اليوم التالي، بدأ الشيخ تشين ينحت حجراً صغيراً بأنامل محروقة. نقش عليه طائراً.

- **مع السجناء اليابانيين:**

في ليلة بعد طعن "غير قاتل" مؤلم، قال ليان لـ **كينزو** (جلاده) بصوت يحمله الهواء لآذان اليابانيين:

"كم قطعة فضة يأخذ الحراس لقمع ثورة؟ هل تسوى حياتهم ثمن خبز الشوغون؟"

في الأيام التالية، بدأ حراس يابانيون شباب يتجنبون النظر في عيون السجناء.

---

الأجواء في الجزيرة أصبحت كالبارود الجاف. كل نظرة بين سجينين من جنسيات مختلفة تحمل شحنة قاتلة. **جانغ لي**، بقوته المتجددة وغيظه المتزايد، أصبح قنبلة تنتظر التفجير.

في يوم مغيم، بينما كان السجناء يجرون عربات الصخور، تعثر **فينغ** (الصيني النحيل) وسقطت عربته. صخرة كادت تسحق قدم سجين ياباني شاب. الحادث بسيط، لكن **أومورو** (الياباني الماكر) صاح: "هذا تخريب صيني!" ودفع فينغ بقوة.

فينغ سقط على حجر، دماء على جبينه. قبل أن ينهض **جانغ لي** كالإعصار. قبضته العملاقة التقطت قميص أومورو ورفعته كدمية:

"أيها الدود! تريد تكرار ساحة القتال؟"

أومورو ارتعش لكنه ضحك: "أخاف على ظهرك المكسور يا عملاق! اذهب العب مع شبح العبيد!"

الكلمات أشعلت النار في جانغ لي. رمى أومورو أرضاً ورفع حجراً ضخماً. الدماء كانت وشيكة... لكن صوت هادئ قطع التوتر:

"الحجر يقتل واحداً... والصمت يقتل كل الظالمين."

**ليان وي** وقف على بعد خطوات، عيناه الزرقاوان تحملان سؤالاً صادماً: *هل أنت أداة في يد جلاديك؟*

جانغ لي ارتعش، الحجر الثقيل في يده فجأة أصبح حملاً لا يطاق. أومورو هرب. فينغ نظر لليان بشكر صامت. لكن عيني جانغ لي العسليتين اشتعلتا بنار جديدة – نار موجهة لليان.

---

المواجهة الحتمية جاءت عند المغرب. السجناء عادوا إلى الزنازين، جثثاً متحركة. جانغ لي انتظر ليان عند مدخل الزنزانة المشتركة. قفص الصدر العريض يرتفع وينخفض كمنفاخ.

"كفايتك كلمات معسولة وكأنك نبي!" زمجر. "أنت تختبئ خلف حكمتك كالجرذان تختبئ في الجحور!"

ليان توقف، شعر الأسود الطويل المتسخ يلامس كتفيه. "الحكمة ليست اختباءً... بل هي اختيار ساحة المعركة."

"معركتنا هنا!" صاح جانغ لي، يضرب صدره بقبضته حتى ارتجف الجدار. "ساحة القتال. غداً. أنا وأنت."

همسات انتشرت بين السجناء. حتى الحراس التفتوا باهتمام.

ليان نظر حوله. عيون السجناء – صينية، يابانية، كورية – كلها مثبتة عليه. عيون تخلط بين الأمل والخوف. عرف أن هذه فرصته. أن يقول "لا" يعني أن يخسر هيبته. أن يقول "نعم" يعني أن يدخل لعبة أولكامبور الدموية.

صمت طويل. ثم تقدم خطوة واحدة نحو جانغ لي العملاق. الفرق في الطول (3 سم فقط) اختفى في شحن التوتر. عيناه الزرقاوان التقتا بالعسليتين الحادتين.

ابتسم ليان. ابتسامة باردة كشفرة السيف.

**"حسناً... أنا موافق."**

كلماته سقطت كحكم إعدام. جانغ لي زأر كحيوان مفترس. السجناء تبادلوا نظرات ذهول. في الظل البعيد، من نافذة برج القيادة، **أولكامبور** شاهد كل شيء. رفع كأس نبيذه، شاربه الأسود يرتفع بابتسامة راضية.

"أخيراً... الشبح الأحمر سيدخل قفص الوحوش."

2025/07/16 · 18 مشاهدة · 1085 كلمة
نادي الروايات - 2026