الفصل الخامس عشر: رقصة الشبح والعملاق

(جزيرة الثعبان - ربيع 1812م)

ساحة القتال كانت جاهزة كمسرح للذبح. تراب أحمر ممزوج ببقع داكنة من دماء الأمس. السجناء – صينيون، يابانيون، كوريون – حشرتهم عيون الحراس الحادة في دائرة ضيقة. في المنتصف، وقف **جانغ لي** (188 سم) كجبل من عضلات متوترة، أنفاسه تخرج كدخان من فم تنين. عيناه العسليتان تحترقان بغضب صافٍ تجاه الرجل الواقف ببرود على بعد عشرة أقدام: **ليان وي** (191 سم). شعر ليان الأسود الطويل مربوط بخشونة خلف رأسه، كاشفاً عن وجهه الوسيم الشاحب وعينيه الزرقاوين اللتين تشعان بتركيز غريب، كأنهما تراقبان مشهداً في عالم آخر.

أولكامبور، جالس على كرسي مرتفع عند حافة الساحة بجانب كينزو، رفع يديه:

"القتال... حتى يستسلم أحدهما، أو يموت! ابدؤوا!"

الجولة الأولى: الزئير والظل

انطلق جانغ لي كالمدفع. قبضته العملاقة، التي حطمت جماجم من قبل، توجهت مباشرة لوجه ليان. الهواء صفر حولها. لكن الضربة لم تصب سوى الفراغ. ليان، بتحريك رأسه ببضع بوصات للجانب، تفادى الضربة كأنه يعرف مسارها قبل حدوثها. ركلة جانش التالية كانت منخفضة نحو الضلوع، لكن ليان قفز للخلف بخفة غزال، قدماه بالكاد تلامسان الأرض.

"هل تخاف من لمسي، شبح؟!" زأر جانغ لي، يهجم مرة أخرى بسلسلة من اللكمات السريعة التي كانت ستحول أي رجل عادي إلى عجينة.

ليان ابتسم. ابتسامة خفيفة، مستهزئة.

"الخوف للضعفاء... وأنا أتأمل فنك، جانغ لي."

بدأ يتفادى الضربات بتحركات طفيفة: انحناءة للخلف هنا، التواء للجانب هناك، خطوة جانبية رشيقة. لم يرفع يديه للدفع حتى. كان كالورقة في إعصار، لا تمسها العاصفة. الحراس بدأوا يتهامسون. السجناء احتاروا. جانغ لي، الغاضب من السخرية الصامتة، زاد من شراسته، لكن كل ضربة كانت تخطئ الهدف بفارق شعرة.

الجولة الثانية: دروس في الألم

فجأة، وبينما كان جانغ لي يهوي بلكمة كاسحة، "تعثر" ليان متعمداً. سقط على ركبته اليمنى، لكن حركة سريعة من كوعه أصابت بطن جانغ لي تماماً تحت القفص الصدري. العملاق ارتجع، أنفاسه انقطعت للحظة. قبل أن يستجمع قوته، كان ليان قد ابتعد مجدداً، واقفاً مستقيماً كالسهم.

"الخطأ المتعمد... أقوى من الضربة المخطط لها، أليس كذلك؟" قال ليان بصوته الهادئ الذي قطع ضجيج الساحة.

جانغ لي هدّر كالحيوان الجريح. حملة جديدة من الهجمات، لكن ليان حوّلها إلى عرض مهين:

ركلة جانبية قوية؟ ليان ينحني فتضرب الهواء فوق رأسه مباشرة.

قبضة كالمطرقة؟ يرفع كفه في اللحظة الأخيرة، فينزلق القبض على ذراعه دون أذى.

محاولة للإمساك؟ يدور ليان حول نفسه كالرقاص، تاركاً جانغ لي يمسك الفراغ.

في إحدى المرات، "أخطأ" ليان بلكمة متعمدة نحو وجه جانغ لي، لكنها مرت بملامسة خفيفة لخده الأيسر، كاللمسة الساخرة. دماء الغضب احمرّت عيني جانغ لي.

الجولة الأخيرة: الفلسفة فوق القبضة

التعب بدأ يظهر على جانغ لي. أنفاسه ثقيلة، عضلاته تحترق من الجهد والغضب. ليان، الذي لم يبدُ عليه تعب، قرر إنهاء اللعبة. عندما اندفع جانغ لي إليه بكل ما تبقى من قوة، ليان تفادى للجانب ببراعة، وقدمه اليسرى ارتفعت في ركلة خاطفة كلمح البصر. ضربت ركبة جانغ لي من الجانب. صوت طقطقة جافّ هز الساحة.

العملاق سقط على ركبته الصحيحة، صارخاً من الألم. ركبته اليسرى مخلوعة. قبل أن يسقط تماماً، كان ليان خلفه. ذراعه الأيمن أحاطت عنق جانغ لي في قفل حديدي، بينما ضغط إبهامه على نقطة خلف أذنه اليسرى. جانغ لي تجمد، عيناه تتدحرجان بذهول. أي حركة ورقبته تنكسر.

الصمت ساد. كل عين على ليان. أولكامبور تقدم على حافة كرسيه، عيناه البنيتان تتقدان باهتمام نادر. كينزو همس: "اقتله! اقتل الكلب!"

لكن ليان لم يضغط. همس في أذن جانغ لي، كلماته واضحة كقطرات الماء على صخرة ساخنة:

**"الموت هنا... ليس مصيري. مصيري قررته خارج هذه القضبان، حين أدركت أن السجن الحقيقي يُبنى في العقل أولاً... ويهدم بنفس المكان."**

ثم... أطلق سراحه.

تراجع خطوتين، تاركاً جانغ لي يزحف على الأرض، أنفاسه مختنقة من الألم والإهانة، لكن رقبته سليمة.

"استسلم." قال ليان بصوت عالٍ للساحة.

جانغ لي، بوجه مشوه بالغضب والارتباك، ضرب الأرض بقبضته.

"است... استسلم!"

صفارات الحراس انطلقت معلنة نهاية القتال. ليان التفت ومشى بعيداً دون أن ينظر للخلف، كأنه يغادر مشهداً مملاً. عيناه الزرقاوان تتجهان نحو البحر، حيث الأفق الواسع الذي ينتظر.

---

عام في مملكة العفن :-

لم يعلق الفرنسي الشاب (23 عاماً) على قتال ليان وجانغ لي. لكن إجراءاته في العام التالي كانت كلاماً صامتاً:

**المراقبة المضاعفة:** أمر بتركيز حراس إضافيين حول ليان دون سبب ظاهر، حتى أثناء تنظيف المراحيض.

**الإغراء الخبيث:** في يوم شديد البرودة، وضع طبقاً ساخناً من حساء اللحم قرب زنزانة ليان. "للشجعان فقط!" هتف. ليان لم يلمسه. الحساء جمد كتلة واحدة.

**اختبار الولاء:** أجبر جانغ لي على تعذيب سجين كوري حاول الهرب. نظرة ليان الباردة لجانغ أثناء الفعل كانت أقسى من السياط.

**تدمير الرموز:** حين وجد السجناء ينقشون طائراً صغيراً على حائط (إثراءً لفكرة الشيخ تشين)، أمر أولكامبور بكشط جلد كل من في الزنزانة حتى يزول الرسم والجلد معاً.

لم يتحدث عن ليان، لكن ظله كان حاضراً في كل قسوة.

تحول ليان إلى شبح يزرع بذور التمرد في صمت:

**حكايات تحت القمر:** في ليالي الصيف القائظة، كان يروي حكايات قديمة عن عبيد كسروا قيودهم ليس بقوة الساعد، بل بتآمر العقل. "الحراس ينامون... والأفكار لا تنام."

**نقاط الضعف:** اكتشف أن بوهاي الجلاد يخاف من البحر بعد أن غرق مرّة. بدأ يهمس للسجناء: "المخيف حقاً هو رجل يخاف من شيء يحاصره".

**لعبة المفاتيح:** سرّب إشاعة أن مفاتيح الأصفاد مصنوعة من سبيكة ضعيفة تنكسر بالبرد الشديد. في الشتاء التالي، وجد الحراس سجناء يحاولون "تجميد" أصفادهم بماء البحر.

**وحدة المصير:** في وباء خفيف ضرب السجن، ساعد ليان الجميع بلا تمييز جنسية. "المرض لا يسأل عن وشمك... لماذا نفرق نحن؟"

كلماته صارت قانوناً خفياً بين المقهورين.

الركبة المخلوعة شُفيت، لكن الكلمات لم تبرأ. جانغ لي عاد للساحة، يحطم الخصوم بشراسة أكبر، لكن عينيه العسليتين تفقدان بريقهما القديم. في فترات التدريب:

وهو يرفع الصخور، تتردد في أذنه: *"مصيري قررته خارج هذه القضبان"*.

وهو يضرب جذع الشجرة، يتساءل: كيف يخطط للهروب من جحيم لا فكاك منه؟

حتى في قتاله ضد **أومورو** (الذي كاد يقتله)، تردد لحظة قبل تحطيم جمجمته. أومورو نجا... ونظرة ليان من بعيد كانت كافية لجانغ لي.

ذات ليلة، بينما كان السجناء يتشاركون سقيفة بعد عاصفة هدمت زنزانة، رأى جانغ لي ليان واقفاً عند فتحة التهوية، عيناه على النجوم. تجرأ وسأله:

"كيف تهرب من سجن داخل سجن؟"

ليان لم يلتفت. كلماته وصلت كالريح:

"بأن تعرف أن أقوى الجدران... هي التي نصدّق أنها تحيط بنا."

---

مرت سنة. شتاء 1813م ألقى بثلوجه القاسية على صخور الثعبان السوداء. في يوم عاصف، بينما كان السجناء يسحبون جذوع الأشجار لبناء سور جديد، توقف **جانغ لي** فجأة. أمامه، واقفاً على تلبة صغيرة يشرف على العمل، كان **ليان وي**. الثلوج تزين شعره الأسود الطويل كالفضة، وعيناه الزرقاوان أكثر عمقاً من بحر اليابان.

لم يتحدثا. نظرة طويلة تبادلاها. في عيني جانغ لي: سؤال محترق عن الهروب المستحيل. في عيني ليان: وعد صامت بالإجابة قريباً.

من بعيد، في برج القيادة، رفع **أولكامبور** كأس نبيذه نحو المشهد. شاربه الأسود ارتفع بابتسامة لا تصل إلى عينيه.

"الشتاء يجمّد الأجساد... لكنه يذكي نار العقول الخطيرة."

الريح العاتية التقطت همسته وحملتها نحو ليان، كتحذير أخير قبل العاصفة.

2025/07/19 · 18 مشاهدة · 1090 كلمة
نادي الروايات - 2026