الفصل السابع عشر: شفرة من الماضي

(جزيرة الثعبان - صيف 1813م)

الورقة الزلقة التي انزلقت بين أصابع ليان وي كانت قصيرة وقاتلة:

"استعد. كينغو قادم لقتلك. الشوغون يشهد النهاية."

نفس الخط الرفيع الذي كتب به "هل نبدأ التجهيزات؟". جمرة تحت الثلج لا تتنفس إلا بالخطر. ليان سحق الورقة بين كفيه، عيناه الزرقاوان ترسمان خريطة الهروب على جدار الزنزانة الرطب. لم يكن يتوقع هذه الضربة القذرة، لكن ظله كان مستعداً دائماً لأسوأ الظلام.

---

جانغ لي رأى ليان واقفاً كتمثال عند فتحة التهوية. عيناه العسليتان لاحظتا التوتر الخفي في عضلات ظهره، انعكاس الضوء على عظام وجنتيه الشاحبتين.

"بماذا يفكر هذا الشبح؟"

تساءل جانغ وهو يرفع صخرة التدريب. حتى صراخ أومورو الياباني الذي استفزه عمداً لم يزعجه اليوم. شيء أكبر يتشكل في جوف الجزيرة.

أولكامبور (23 عاماً) كان ينسج خيوط الاستقبال للشوغون:

الساحة نظفت بدماء سجينين كورييْن "عوقبا" على تنظيف غير مكتمل.

تقارير وهمية عن "انضباط مثالي" كُتبت بين رشفات النبيذ.

أمر خاص: "كل تعذيب يوقف قبل وصوله بساعة... لا نريد روائح كريهة تزعج أنفه."

في عينيه البنيتين، تساؤل واحد:

ما الذي سيفعله ليان وي عندما يواجه شيطان طفولته؟

---

السفينة الحربية الإمبراطورية رست كوحش حديدي. الشوغون ليون شينراي نزل برداء أسود مطرز بتنانين ذهبية، عيناه تلتهمان السجن باحتقار. بجانبه، مكبلاً بسلاسل ثقيلة:

كينغو : مدرب الساموراي العجوز. عينان غائرتان كقبور مفتوحة، جسد منهك بندوب قرن من القتال، لكن قبضته على سيف وهمي تكشف قوة حيوانية مدفونة.

عندما وقعت عينا كينغو على ليان الواقف في صف السجناء، تحولت حدقتاه إلى جمرتين. زفر زفرة حقد اهتز لها صدره المكسور.

"الكلب... ينمو في قفصه!"

أمر الشوغون: "ضعوه في زنزانة الشبح الأحمر."

أولكامبور أومأ، مُخفيًا دهشته. هذه اللعبة خطيرة جداً.

---

الزنزانة الضيقة صارت ساحة حرب صامتة بين تلميذ وأستاذ:

اليوم الأول:

كينغو رمى حصته من الخبز العفن نحو ليان: "خُذْها... آخر وجبة لعبيد وي!"

ليان التقط الخبز بهدوء ووضعه جانباً: "الجوع أستاذ قاسٍ... لكنه لا يُعلم الكراهية."

اليوم الثاني:

بينما كان ليان ينظف جرحاً قديماً في ساقه، همس كينغو: "أتذكر كيف كنت تبكي عندما أطهو السكين قبل أن أحرق جرحك؟"

ليان لم يرفع رأسه: "أتذكر كيف كانت يدك ترتجف... كأنك تخاف من شيء في عينيّ."

اليوم الثالث:

كينغو انفجر وهو يرى وشم الزهرة الزرقاء على رقبة ليان: "هذا الوشم... دنس على شرف الساموراي!"

ليان لمس الوشم: "بل هو تذكار... بأن من يصنع السلاح قد يقطع به يديه يوماً."

في تلك الليلة، وقف كينغو فجأة: "غداً... في الساحة. أريد أن أرى إن أصبحت رجلاً أم لا زلت جبان القلعة!"

ليان نظر إليه طويلاً: "حسناً... لنقتل بعضنا غداً."

---

الساحة احتشدت بالسجناء والحراس. الشوغون جلس على منصة مخملية، أولكامبور بجانبه يراقب ببرودة. جانغ لي كان في الصف الأول، عضلاته متوترة كأوتار القوس.

داخل رأس الشوغون:

"أخيراً! سيُذل ابن الكلب أمام عينيّ. دم هيديتوشي يطالب بالثأر. لينزف حتى يصير كتلة رخوة!"

داخل رأس أولكامبور:

"لماذا يوافق ليان على هذا؟ هل يخطط لشيء خارج الساحة؟ أم أن ثقته بقدراته بهذا الجنون؟... كم منك تخفي أيها الشبح؟"

داخل رأس جانغ لي:

"هذا الرجل العجوز... يتحرك كأفعى رغم سلاسله. وليان... كالسحابة قبل البرق. من منهما يحفر قبر الآخر؟"

---

الجرس دق. كينغو انطلق أولاً، حركة خاطفة لعجوز، لكمة موجعة نحو ضلوع ليان. ليان تفادى بلمسة جانبية، لكن كتف كينغو ارتطم بذقنه. دماء.

كينغو (يزمجر): "أهذا كل ما تعلمته؟! في الخامسة كنت تبكي من سوط واحد!"

ليان (ببرود): "في الخامسة... كنت أتعلم كيف تنتفض الأرانب حين تُحشر."

ضربة سيف خيالي من كينغو، ليان انحنى كالقوس. ركلة عالية من ليان كادت تصيب رأس المعلم.

كينغو (يتألم): "تذكرت يوم هزمت ابني؟! ضربتك حتى أغمي عليك!"

ليان (يتنفس بصعوبة): "ابنتك... كانت ترمقني بالشفقة. قلت لها: لا تبكي، فوالدك سيُسجن مثلنا يوماً."

التصعيد جاء كالعاصفة. ليان استخدم سرعة شبابه، كينغو اعتمد على دهاء تجاربه. ضربات، تفاديات، دم يرش على التراب الأحمر.

---

فجأة، توقف ليان. مزق قميصه الرث، كاشفاً جسده النحيل المليء بالندوب: السوط، الحروق، الطعنات.

صوته هدأ كالليل:

"أتعلّم يا كينغو؟ كل ندبة هنا... هي جرح من طفولتي. السياط التي علّمتني الألم، السكاكين المحماة التي طعنتني 'لتقويني'، اللكمات لأنني انتصرت على ابنك بإنصاف... كل هذا من أجل ماذا؟"

نظر مباشرة إلى الشوغون:

" لتسجن أنت... وليموت سيدك المحبوب هيديتوشي بيد عبد! "

صرخة كينغو كانت كتمزق حديد: "أخرس!!"

لكن ليان استدار للشوغون، صوته يرتفع كالسيف:

" أأتيت به يا حضرة الشوغون لتنهي أمري؟ ألهذه الدرجة... أنا عقدة في حلق إمبراطوريتكم الواهنة؟! "

الغضب شوّه وجه الشوغون. أولكامبور لم يتمالك – ضحكة مكتومة انطلقت من شفتيه!

الشوغون (مفترساً): "ماذا دهاك؟!"

أولكامبور (ينحني): "سامحني يا سيدي! غبار الساحة... دخل حلقي."

الشوغون أشار لحارس: "أعط كينغو كاتانتي!"

سيف الشوغون الشخصي (أحد أشهر الكاتانا في اليابان) سُلّم للعجوز. كينغو رفع السيف بيد مرتجفة:

" وَلَهُ... لابد أن يأخذ 'لوسيفر'! "

الشوغون أومأ. سيف ليان الأسود الطويل (لوسيفر) أُحضر من خزانة أولكامبور. ليان أمسكه، فشعّت الساحة بلمعان فولاذه البارد.

الشوغون وقف، صوته يجلجل:

"يا سجناء... سواء أكنتم مسجونين ظلماً أم لا!

ستشهدون اليوم... كيف يموت خائن على يد من صنعه!"

كينغو شعر بلذة خاطفة. لكن عين ليان الزرقاوين التقت بعينيه. في تلك النظرة... لم يكن خوف. كان وداعاً.

2025/07/22 · 19 مشاهدة · 799 كلمة
نادي الروايات - 2026