الفصل التاسع عشر: جمر تحت الرماد
(جزيرة الثعبان - صيف 1813م)
أسبوع مرّ كحلم ثقيل. رائحة دم الشوغون وكينغو لا تزال عالقة في هواء الجزيرة، كذكرى لا تغتسل. جانغ لي يقف عند حافة الأطلال المهدمة من السور الشمالي، يداه المتشبثتان بفأس الهدم ترتجفان. لا من قوة الجهد، بل من صدمة لم تهدأ. كلمات ليان وي تدور في رأسه كسكين:
"فلتنضم إليَّ يا لي... فأنا أريدك، ولا أريد حمقى السجناء الآخرين."
حولهُ، مشهد سُريالي:
السجناء يهدمون الأسوار الحجرية التي حبستهم سنين، بلهفة غريبة كأنهم يحررون أنفسهم بأيديهم.
أولكامبور يشرف بنفسه على تفكيك أبراج الحراسة، مسدساه لا يزالان على حزامه.
في الميناء الصخري، سفينة الشوغون الحربية تُحول إلى وحش جديد: صواري إضافية تُركب، ثقوب القذائف تُرقع بصفائح حديد، حتى المدافع جُردت من سفن الحراس الأصغر وثُبتت على سطحها.
"لماذا؟"
"لماذا نهدم حصوننا؟ ولماذا تجهز هذه السفينة للهرب بينما نُبقي السجناء هنا كأغنام للذبح؟"
---
قرر أن يواجه الوحش في جحره. دخل مكتب القيادة - غرفة أولكامبور الحجرية التي صارت الآن مغطاة بخرائط ملاحية غريبة. ليان وي و أولكامبور واقفان عند منضدة، أصابعهما تتبع مساراً على خريطة تمتد من كوريا إلى بحر أوخوتسك المتجمد.
ليان التفت أولاً، عيناه الزرقاوان تلتقطان حيرة جانغ لي كالشبكة:
"أوه... لقد أتيت. كنت أعلم أنك ستأتي يا لي." أشار إلى كرسي خشبي. "اجلس. حان وقت الشرح."
جلس جانغ لي، جسده العضلي متصلب كالصخر. ليان استأنف:
"نيتي ليست السيطرة على جزيرة الثعبان... ولا تحرير السجناء." توقف، كأنه يختبر رد فعل جانغ. "في الواقع، أنوي إبادة الجميع هنا."
جانغ لي (محدقاً): "وكيف ذلك؟"
ليان: "طلبت من أولكامبور أن يترك كينزو يهرب عمداً... ليرى لحظة توجيه اولكامبور المسدس لرأس الشوغون."
أولكامبور (يبتسم باردة): "الجرذ وصل اليابان قبل يومين. المجلس الإمبراطوري الآن يصنع الشاي ويجهز أسطول الإبادة."
ليان: "سيرسلون كل قواتهم هنا خلال أسبوع ونصف... ظانين أننا محاصرون. لن ينجو سجين واحد من المذبحة."
جانغ لي (صوته أجش): "وماذا عنا نحن؟"
ليان (عينياه تضيئان): "يبدو أنك قررت الانضمام إلينا يا لي؟"
جانغ لي (ينفجر): "أجب عن سؤالي فحسب!"
ليان (يهمس): "لهذا نحن نجهز سفينة الشوغون... سنتجه بها نحو الشمال الأقصى. أنا، أنت، أولكامبور... وكاين."
التفت نحو النافذة حيث كان الرجل العجوز يوجه عملية رمي الصخور في البحر:
"هو يعرف طرق الملاحة الخفية في المياه الروسية... أكثر من أي منا."
---
جانغ لي شعر كأن الأرض تنفتح تحت قدميه. هذا ليس هروباً... إنه خيانة مصقولة بدماء المئات.
"حسناً... موافق على مساعدتك." قال ببطء. "لكن بشرط: أعدني أن خطتك... لن تنقلب علينا."
ليان مد يده فجأة عبر الطاولة، كفّه مفتوحاً كعهد:
"أعدك."
لكن سؤالاً أخيراً احترق في حلق جانغ لي:
"لماذا أمرت بهدم الأسوار؟ لو أردت إبادتهم، فلماذا لا تتركهم حصوناً تحميهم؟"
ليان نظر إلى أولكامبور، ثم عاد لجانغ لي:
"لثلاثة أسباب:
الحجارة المتراكمة ستجعلهم أهدافاً سهلاً لقنابل السفن... كجرذان في فخ مكشوف.
الصخور التي نرميها في البحر ستُصعّب هروب أي ناجٍ بالسباحة.
الأهم..." أومأ نحو السجناء الذين يهدمون بجنون، "لجعلهم يشعرون أنهم يبنون حريتهم... بينما يحفرون قبورهم."
صمت ثقيل ساد الغرفة. حتى أولكامبور نظر لليان بإعجاب مقرف.
ليان كسر الصمت:
"لدينا يومان فقط. جهز سلاحك... وأعد قلبك للبرد القارس. أنا سأحضر كاين."
---
في اليوم التالي، بينما كان جانغ لي يشحذ سيفه الصدئ الذي انتزعه من جثة حارس، رأى ليان على الشاطئ. كان ينحتُ شيئاً من عظمة حوت جرفتها الأمواج. اقترب جانغ لي بصمت.
ليان (بدون أن يلتفت): "عظم الحوت... أقوى من الفولاذ بعد تنشيفه. سيحمل خريطة نكونها بأنفسنا."
جانغ لي: "كيف تتأكد أن كاين سيتبعنا؟"
ليان (يشير إلى الوشم الأزرق على رقبته): "دم عشيرة وي يجري في عروقه... والثأر من اليابان يسكنه كالسرطان."
فجأة، صرخة من البحر! مركب صغير يحمل راية الشمس المشرقة يقترب بسرعة. أولكامبور ظهر فجأة بمنظاره:
"إنه ليس من أسطول المجلس... إنه زورق استطلاع سابق لهم!"
ليان لم يتحرك. عيناه على الأفق حيث كانت غيمة سوداء تبتلع آخر نور للشمس.
"اللعبة أصبحت ممتعة..." همس. "الذئاب تتهافت قبل أن ينتهي فصل الصيد."
---
في قاعة الأعمدة القرمزية في قلعة إيدو ، ركع كينزو مرتجفاً. أمامه، جلس اللورد ساتو - أخ السيدة ساتو زوجة هيديتوشي السابقة - على منصة مرتفعة. عيناه كخنجرين مصقولين من جليد.
ساتو (صوته كحفيف أفعى): "من أنت... وما الذي تجرؤ أن تلوث به هذا المجلس؟"
كينزو رفع رأسه، الدماء الجافة على زي الحراسة تشهد على رحلته اليائسة:
"سيدي... لقد رأيت! أولكامبور وجه مسدسه لرأس الشوغون! وليان وي..."
ساتو (يقف فجأة، ظله يغطي كينزو): "كلماتك كالريح... أين البرهان؟"
كينزو (مرتعشاً): "رأيته بعيني! الشوغون كان حياً... وليان حرّك السجناء كالدمى!"
صمت قاتل. ساتو مشى ببطء نحو كينزو، سيفه الطويل يُجر على الأرض بصوت يشق القلب:
"أنت تهربت... وتركت إمبراطورك لمصيره؟"
كينزو جثا على ركبتيه، جبهته تلتصق بالأرض الباردة:
"أردت إنقاذكم بالخبر... ليس أكثر!"
فجأة، ضحكة باردة قُطعت كالسيف. ساتو وقف فوقه:
"خبرك هذا... هو مفتاح عرشي." التفت للمستشارين: "أعدوا الأسطول! كل سفينة... كل ساموراي! سنحرق جزيرة الثعبان حتى تصير رماداً!"
ثم همس لنفسه، وعيناه على الخريطة حيث تُرسم سهم أسود نحو الجزيرة:
"ورأس ليان وي... سيكون أول زينة على حائط قصر الشوغون الجديد."
---
جانغ لي شاهد ليان يُلقي بالعظم المنحوت في النار. النقوش - خطوط ملتوية تشبه طرق البحر - تتوهج كعروق ذهب سائلة.
ليان (بدون أن ينظر): "اللورد ساتو... هو الأخطر في المجلس. قاتل لا يعرف الرحمة."
جانغ لي: "كيف تعرف؟"
ليان: "لأنه الوحيد الذي سيأتي بنفسه... لينتزع المجد بيديه."
أولكامبور اقترب، وجهه غائم:
"السفينة جاهزة... لكن ساتو سيكون هنا قبل الموعد بيومين. ماذا نفعل بالسجناء؟"
ليان نفخ على الجمر المتوهج في النار. شرارة طارت نحو البحر المظلم.
"دعهم يبنون قبورهم حتى آخر ليلة... ثم سنقدم لهم هدية الوداع."
جانغ لي نظر إلى الوجوه الهزيلة التي لا تزال تكسر الصخور بابتسامات وهمية. شعر للمرة الأولى أن ندوب ليان... ليست على جلده فقط.