الفصل الحادي والعشرون: شظايا في الثلج

( سيبيريا شتاء ١٨١٣م - ١٨١٤م ):

الرياح العاتية كانت تمزق السواد، تاركةً الأرض قماشاً أبيض متجمداً تحت وهج القمر البارد. وقفوا ثلاثة أشباح في العاصفة الثلجية: ليان وي ، شامخاً بارتفاع 191 سم، شعره الأسود الطويل الناعم الجميل، الذي يصل إلى خصره، يتطاير كذيل حصان أسود تحت غطاء الرأس الصوفي. غرته الأمامية الممشطة للخلف بإحكام، مع خصلة أو خصلتين من الشعر الناعم الهاربة لتلامس وجهه الوسيم. عيناه الزرقاوان، كقطعتين من الجليد المتوهج، ورموشه الفضية الطويلة ترفرف ضد ندف الثلج المتساقطة. درع الساموراي الأبيض الذي يرتديه، نقيّاً كالثلج المحيط به، يلمع تحت ضوء القمر، يشكل تناقضاً صارخاً مع الظلام والبياض. بجانبه، جانغ لي (188 سم)، متجهاً إلى الريح، عباءته الصوفية الكورية الثقيلة ترفرف كأجنحة طائر جريح. وإلى اليسار، أولكامبور (191 سم)، الفرنسي بشاربه الكثيف وشعره المتوسط الممشوط للخلف، يحدق في العاصفة بعيون مجند محنك، يداه داخل جيوب معطفه السميك.

كان الصقيع يلسع وجوههم، والصمت ثقيلاً رغم عواء الرياح. فجأة، حدّق ليان نحو الأفق، حيث كانت الستارة البيضاء أكثر كثافة. عيناه الزرقاوان تضيقتان، مركزتان على نقطة تتحرك في العتمة الثلجية.

ليان (صوته جهوري، يقطع العاصفة): "شخص... قادم."

توتّر جانغ لي، يده تلامس مقبض سيفه الخفي تحت العباءة. أولكامبور أخرج يديه من جيوبه، جاهزاً. ظلٌ متموج، طويل القامة، بدأ يتشكل من خلف ستارة الثلج المتطايرة، يتحرك نحوهم بثبات غريب عبر العاصفة المستحيلة. من يكون هذا الذي يسير وحيداً في جحيم سيبيريا؟

---

قبل عام (خريف ١٨١٣م - سواحل كوريا قرب بوسان):

الرياح الباردة المبكرة من الشمال كانت تعوي حول السفينة الصغيرة المتمايلة في ميناء خليج بوسان المنعزل. ليان وي ، لا يزال يرتدي العباءة الكورية القديمة، وقف على ظهر السفينة، يتفحص الأفق الشمالي حيث تبدأ السماء بالتحول إلى لون الرصاص. بجانبه، أولكامبور كان يربط آخر صندوق مؤن بحبل.

ليان (يتحول لأولكامبور): "هل اشتريت المعاطف الصوفية السميكة، أولكامبور؟ الطريق إلى الشمال... درجات الحرارة هناك يمكنها أن تجمد دماءنا في عروقنا قبل أن ندرك أننا متجمدون."

أولكامبور (يضرب الحبل بقبضته): "ثلاثة معاطف من فرو الدب، ثقيلة بما يكفي لتحمل جحيم متجمد. وواحدة إضافية للعجوز، لو كان... معنا." ظلّ كاين المفقود يخيّم على كلماته.

دخل جانغ لي إلى السطح، وجهه شاحب قليلاً من برودة البحر المتزايدة. نظر إلى ليان، الذي كان يتأمل الأمواج المتلاطمة.

جانغ لي (بتأمل): "يا ليان... هل قابلت اللورد ساتو يوماً؟ وجهاً لوجه؟"

هزّ ليان رأسه ببطء، عيناه الزرقاوان لا تزالان على الأفق. "لا. لم يحدث أن تقاطعت طرقنا. لكن الأصداء تصل حتى إلى أكثر الزنزانات ظلمة. يقال إنه في ربيع شبابه، كان أكثر رعباً من الشوغون نفسه. يهمسون بأنه كان حارساً شخصياً لواحد من أعتى النبلاء في اليابان... قبل أن يصبح ما هو عليه."

جانغ لي (يتقدم خطوة): "وإذا... فقط

إذا

... تقابلتما في مواجهة؟ رجل ضد رجل؟ من سيكون الفائز؟"

التفت ليان أخيراً، نظرة عميقة في عيني جانغ لي. ابتسم ابتسامة خفيفة، لا تخلو من مرارة. "الحقيقة؟ لا أعلم، جانغ. لا أعلم. لكن قوة الرجل... جسده وروحه... هي أمر لا يمكن إنكاره. إنه، بلا شك، يمتلك ما يمكنه أن يقارعني فيه. فهو في النهاية... أقوى حتى من كينغو."

صمتٌ ثقيل سقط بينهما عند ذكر الاسم. كينغو . مدرب ليان القاسي في طفولته العبودية في قلعة توكوغاوا، تحت عين النبيل هيديتوشي الذي سقط في أحداث سابقة. الرجل الذي علم ليان كيف يكون سلاحاً، والذي انتهى به الأمر أن يقطع ليان رأسه في لحظة تحرر مروعة خلال أحداث القسم الثاني من رحلتهم، في نفس الوقت الذي فجّر فيه أولكامبور رأس الشوغون بطلقة بارعة. ظل كينغو، مثل ظل هيديتوشي، شبحاً يطاردهما.

ظهرت صدمة واضحة على وجه جانغ لي. لم يكن يعرف كل التفاصيل الدموية عن ماضي ليان مع مدربه. هز رأسه ببطء، دون كلمة، وابتعد نحو مقدمة السفينة، تاركاً ليان مع أفكاره الثقال وأولكامبور الذي كان يصغي باهتمام.

( بعدما تحركت السفينة من الميناء بحوالي 5 ساعات ):

رفع ليان عينيه فجأة نحو الشمال. على الأفق، حيث التقى البحر بالسماء الرمادية، كانت سحابة سوداء هائلة، قبيحة، تتشكل بسرعة مخيفة. رياح قاسية بدأت تضرب السفينة فجأة، تجعلها تتمايل بعنف.

ليان (يصرخ نحو كوخ القيادة): "كاين! عدل الدفة! عاصفة قادمة من الشمال!"

داخل الكوخ، كاين ، الرجل العجوز ذو التسعين ربيعاً، كان يجاهد لسماع الأصوات فوق هدير الرياح المتزايد وطنين أذنيه القديمتين. نظر بوجهه المجعد وعينه الواحدة الباقية (فقد الأخرى في أحداث سابقة) نحو الصوت المشوش.

كاين (بصوت عالٍ مجهد): "هاه؟ ماذا قلتَ، يا بني؟"

لم يكن هناك وقت للإجابة. العاصفة ضربتهم كقبضة عملاق. موجة جبلية سوداء، تتوج برغوة بيضاء غاضبة، ارتفعت فجأة وارتطمت بجانب السفينة بقوة لا تصدق. خشب الهيكل أنيناً ثم انشطر كعود ثقاب تحت قدم عملاق. صوت انشطار مدوٍّ هزّ الجو، تلاه صراخ رجل واحد فقط – صرخة جانغ لي المذعورة – قبل أن يبتلعهم البحر الأسود المتلاطم والبرد القارس. العالم انقلب رأساً على عقب في ظلام وبرودة لا نهائية.

---

(قبل استيقاظ ليان - سيبيريا شتاء ١٨١٣م ):

الدفء. كان هذا أول ما شعر به جانغ لي عندما بدأت الغشاوة تزول عن وعيه. رائحة خشب محترق وحساء ساخن. فتح عينيه بصعوبة. كان مستلقياً على أرضية خشبية خشنة، ملفوفاً بغطاء صوفي ثقيل. النار تشتعل في موقد حجري في وسط الغرفة الصغيرة، تضيء وجوهاً. رأى أولكامبور جالساً على مقعد خشبي قريب، يتناول طبقاً من حساء ساخن، شعره وشاربه لا يزالان رطبين من الثلج، لكن لون الدماء عاد إلى وجهه. وبجانب الموقد، كانت فتاة شابة، ربما في الثامنة عشرة مثل ليان، بشعر بني فاتح مضفر وعينين واسعتين بلون البندق، تقدم لأولكامبور خبزاً أسمر.

الفتاة (بلغة سيبيرية ناعمة): "...أكثر؟ خبز؟" حاولت الإشارة إلى طبق أولكامبور الفارغ تقريباً.

حدّق أولكامبور في الخبز، ثم في الفتاة، ثم في الخبز مرة أخرى. عبس قليلاً، محاولاً فك شفرة اللغة. رفع يديه في استسلام مهذب. "ميرسي... لكن... لا أفهم. لانج؟ لانجواج؟" حاول الفرنسية، ثم أومأ رأسه نافياً. "نو أندرستاند."

جانغ لي جلس ببطء، متأوهاً من ألم في جنبه. "أين... أين نحن؟ وماذا عن ليان؟" تحدث بالصينية، لغة التواصل بينهم.

التفت أولكامبور إليه، واضحاً عليه الارتياح لرؤيته مستيقظاً. "مستيقظاً أخيراً! لا أدري بالضبط أين. سيبيريا على الأرجح، بعد أن جرفنا التيار أياماً. هذه الفتاة الطيبة ووالدها وجدونا على الشاطئ، أنت وليان شبه متجمدين وأنا أحاول جركما بعيداً عن الماء. أنت أول من استفاق قبل ساعة. أما هو..." أشار بذقنه نحو رجل آخر ملفوف بغطاء على الجانب الآخر من الغرفة، كان ليان، لا يزال فاقداً للوعي، شاحباً بشكل مخيف. "...فهو أصيب بصخرة في ساقه أثناء الجرف. الفتاة تقول إن والدها ذهب لجلب أعشاب للكمادات."

جانغ لي (قلقاً): "وكاين؟"

هز أولكامبور رأسه ببطء، نظرة حزن في عينيه. "لم يجدوه. البحر... لم يكن رحيماً بالعجوز هذه المرة."

ساد صمت ثقيل، مكسور فقط بفرقعة النار وهدير الرياح خارج الجدران الخشبية. الفتاة نظرت بينهما، محاولة فهم جو الحزن. قدمت طبق حساء لجانغ لي بابتسامة خجولة. حاول جانغ لي أن يشكرها بإيماءة، لكن الحاجز اللغوي كان صلباً. بدأ هو وأولكامبور في الأكل بصمت، كل منهما غارق في أفكاره، بينما كانت الفتاة تجلس قرب النار، تحدق في الوجوه الغريبة التي حملها البحر إلى كوخها.

---

استيقاظ ليان وتفاعلاته (سيبيريا شتاء ١٨١٣م):

ألم نابض في ساقه اليمنى هو ما أيقظ ليان وي . فتح عينيه الزرقاوين على سقف خشبي منخفض، مضاء بلون النار البرتقالي. تحول بصره فوجد وجه الفتاة الشابة تنحني فوقه، عيناها البندقيتان واسعتان بالاهتمام.

الفتاة (بلغة سيبيرية): "أستيقظت! أخيراً! أنت في منزل والدي. كيف تشعر؟"

حدّق ليان فيها للحظة، مشوشاً. الذكريات عادت كالطوفان: السفينة، العاصفة، الانشطار، البرد القاتل، الظلام. جلس فجأة، متجاهلاً الألم الحاد في ساقه.

ليان (بالسيبيرية، بصوت أجش من البرد والإرهاق): "أين... أين أنا؟ والآخرون؟ الذين كانوا معي؟"

صُدمت الفتاة للحظة. لم تتوقع أن يفهم لغتها، ناهيك عن التحدث بها بطلاقة، وإن كان بلكنة غريبة.

الفتاة (مندهشة): "أنت... تتحدث لغتنا؟ الآخران... الشابان... هما في الخارج، عند الموقد. يتناولان الطعام. لكن... رجل عجوز؟ لم نرَ أحداً آخر."

ظهرت سحابة من الألم والذنب على وجه ليان، أعمق من ألم جرحه. "لا... لم تجدوه؟" همس، نظرته تبتعد نحو الجدار الخشبي. "تباً. يبدو أنه... لاقى حتفه هناك." أغمض عينيه لحظة، ثم فتحهما ونظر إليها. "ما اسمكِ؟"

الفتاة (بتلعثم خفيف): "كارلا. أنا كارلا. وأنت؟ كيف... كيف تعرف لغتنا؟ الشخصان الآخران... لم نعرف حتى أسماءهما بعد. لم يفهمانا أبداً!"

لمحت ابتسامة حزينة زائلة على شفاه ليان. "ليان. اسمي ليان. وتعلمتها... في زمن مضى. حين كنت صغيراً." لم يشرح أكثر. ذكريات التسلل خلسة إلى مكتبة قلعة توكوغاوا المحظورة، وقراءة كل كتاب ووثيقة وقعت تحت يديه، بغض النظر عن اللغة، كانت ذكريات معقدة. المعرفة كانت سلاحه الوحيد آنذاك، ولا تزال.

ساعدته كارلا على الجلوس. عندما حاول النهوض، ألم الساق جعله يتأوه. أصرت كارلا على مساعدته في الوقف. تمايل قليلاً، متكئاً عليها، ثم بدأ في المشي متكئاً على كتفها نحو باب الكوخ الخشبي. دفع الباب بيده.

المنظر الخارجي كان قاسياً: ثلوج بيضاء تصل إلى الركبة، غابات صنوبر كثيفة مكسوة بالثلج، وسماء رمادية منخفضة. أولكامبور وجانغ لي كانا جالسين على جذع شجرة مقلوب قرب موقد خارجي صغير، ينفخان على أيديهما. نظرا صعوداً عند فتح الباب. وجها كارلا يدعم ليان بينما يحاول المشي.

ليان (بالصينية، نظرة لاذعة لأولكامبور): "أولكامبور، كيف لضابط مخابرات عالمي، خدم تحت قيادة الإمبراطور نابليون نفسه، أن يعجز عن تعلم بضع كلمات سيبيرية ليشكر من أنقذ حياتك؟"

صُعق جانغ لي. نظر إلى أولكامبور بعينين واسعتين. "نابليون؟ أنت... عملت لنابليون؟" كان هذا معلومة جديدة كلياً عليه.

أولكامبور احمرّ قليلاً تحت لحيته، لكنه تمالك نفسه وضحك ضحكة مكتومة، ملقياً نظرة ماكرة بين ليان وكارلا التي لا تزال تدعمه.

أولكامبور (مازحاً، بالصينية): "آه! يبدو أن ابن وي قد وجد لنفسه ممرضة... بل ربما أكثر من ذلك في هذا البرد القارس؟!" أومأ نحو كارلا التي نظرت ببراءة بينهم، لا تفهم كلمة. "انظروا إليه، لم يمضِ يوم واحد وهو يتحدث بلغتها ويقف قريباً جداً... ربما وجد زوجته السيبيرية!"

انفجر جانغ لي ضاحكاً، الضغط والتوتر اللذان عاشهما يذوبان قليلاً في مواجهة السخرية غير المتوقعة. حتى ليان، الذي كان يحاول الحفاظ على جدية جروحه ومسؤولياته، احمرّت أذناه وخدّاه قليلاً . كارلا التقطت الضحك والنظرات، وشعرت بإحراج خفيف دون أن تعرف السبب.

ليان (بالسيبيرية، متحرجاً لكن مهذباً): "شكراً لك، كارلا. حقاً. لكن... أعتقد أنني أستطيع المشي بمفردي الآن." حرّر ذراعه بلطف من قبضتها.

نظرت كارلا إليه للحظة، ثم إلى الضاحكين، وبدا شيء من الإحباط أو الارتباك في عينيها قبل أن تبتسم ابتسامة صغيرة وتتراجع قليلاً. "حسناً... إذا كنت متأكداً. سأذهب لأرى إذا كان الأب قد عاد." التفتت وعادت بسرعة إلى دفء الكوخ.

جلس ليان على الجذع بجانب جانغ لي، متأوهاً من ألم الساق. الجو تغير فجأة. نظرة أولكامبور أصبحت جادة.

أولكامبور (بالصينية): "فقدان كاين... مشكلة كبيرة، ليان. مشكلة كبيرة جداً. كان الرجل خريطة حية، ومخزن أسرار، ومفاتيح للدخول إلى أماكن في الصين لم نكن لنحلم بها. كيف سندخل الآن؟ كيف سنعرف من نثق به؟"

مسح ليان وجهه بيديه. التعب والبرد وفقدان الرجل العجوز الذي أصبح مثل جد لهم جميعاً كان ثقيلاً. ثم تذكر شيئاً. حرّك يده نحو خصره، حيث كان من المفترض أن يكون البوشيدو الخاص به – كاتاناه الطويلة التي سماها "لوسيفر". لم يكن هناك شيء. نهض فجأة، محدقاً في حزامه الفارغ، ثم نظر نحو كارلا التي كانت تطل من نافذة الكوخ.

ليان (يصرخ بالسيبيرية): "كارلا! أدواتي! درعي! سيفي! هل وجدتموها؟"

ظهرت كارلا عند الباب، تمسك بشيء طويل ملفوف بقطعة قماش سميكة. "وجدناك فقط مع هذا... كان مربوطاً بحزامك بقوة، حتى وسط الأمواج." قدمت له الغلاف.

بيد مرتعشة قليلاً من البرد أو الترقب، فك ليان القماش. الفولاذ البارد لـ"لوسيفر" لمع تحت الضوء الباهت، النقوش اليابانية المعقدة على الغمد تبدو وكأنها تتنفس. أطلق زفيراً عميقاً من الراحة، قبضته تشتد على المقبض المألوف. "شكراً. هذا... هذا جيد. هذا يكفي." كان السيف امتداداً لإرادته، رمزاً لماضيه وحاضره. وجوده منحه شعوراً بالسيطرة عاد.

أولكامبور (ينظر إلى السيف ثم إلى ليان): "والد كارلا؟ الخطة الآن؟"

نظر ليان نحو الغابة الكثيفة حيث اختفت آثار أقدام رجل في الثلج. "قالت كارلا إنه ذهب لعدة أيام. لصيد طويل أو تجارة مع قبيلة مجاورة. علينا انتظار عودته. هو ربما يعرف هذه الأرض، ويعرف طرقاً آمنة جنوباً. سنقرر خطوتنا التالية بعد التحدث معه." نظرة حازمة عادت إلى عينيه الزرقاوين. "حتى ذلك الحين، نتعافى. نجهز أنفسنا. ونستعد."

---

في جزيرة الثعبان (خريف ١٨١٣م - موازي لأحداث خروجهم من ميناء بوسان):

الهدوء الذي ساد جزيرة الثعبان بعد هروب ليان وأصحابه كان هدوء القبور. انتهى. تحطم فجأة بوصول أسطول حربي ياباني ضخم. سفينة القيادة "تنين الشرق" رست بقوة على الأرصفة الصخرية. على ظهرها، وقف اللورد ساتو . طواله المهيب، درعه الأسود المرصع بنقوش ذهبية معقدة، وشعره الأسود المقصوص بإحكام يزيد من حدة ملامح وجهه الصارمة القاسية، التي لم يعد فيها أثر للشباب الذي ذكره ليان، فقط حقد متجمد. سيفه الطويل، "مستقيظ الظلام"، معلق على جنبه، يلمع تحت شمس الخريف الباهتة كسنّ ذئب جائع.

نزل بقوة على الأرصفة، متبوعاً بصف من الساموراي المخلصين، دروعهم تلمع كعيون وحش جماعية. الجنود اليابانيون المنتشرون في الجزيرة هرعوا للاصطفاف، رؤوسهم منخفضة خوفاً وإجلالاً.

سار ساتو عبر مخيم السجن. السجناء الباقون – الضعفاء، المرضى، الذين لم يستطيعوا الهروب أو لم يجرؤوا – قتلهم ساتو و عيونهم مليئة بالرعب. وقف ساتو في وسطهم، عيناه المتجولتان كسكين تبحث عن فريسة.

ساتو (صوته كهدير منخفض، يحمل قوة تثقل الصدر): "أين هو؟"

صمت رهيب. لا أحد يجرؤ على التنفس. تقدم أحد الضباط اليابانيين، يرتجف.

الضابط (مرتجفاً): "سيادة اللورد... قال لي احد السجناء قبل ان اقطع رأسه ... لقد هربوا قبل أيام. في سفينة الشوغن. نحن... لم نكتشف..."

لم يكمل الجملة. وميض سريع. صرخة مكتومة. رأس الضبيب انفصل عن جسده وارتفع في الهواء لثانية بفعل قوة الضربة قبل أن يسقط على الصخور بطرطقة مبللة. جسده ترنح ثم سقط. ساتو لم يحرك ساكناً تقريباً، فقط سيفه الطويل "مستقيظ الظلام" كان الآن خارج غمده، نظيفاً، لا قطرة دم عليه، وكأنه لم يتحرك أصلاً. نظافة الضربة كانت مرعبة.

ساتو (صوته الآن هادئ، لكنه أكثر رعباً من الصراخ): "خيانة. إهمال." نظر إلى السجناء المرتعدين. "هؤلاء... بقايا. لا فائدة منهم. لا معلومات. فقط عار."

رفع يده. حركة بسيطة. صرخة واحدة خرجت من حنجرته، تحمل غضباً قديماً وحزناً لا يمحى. "أبيدوهم! كلهم! الآن!"

اندفع الساموراي كموجة سوداء قاتلة. صرخات السجناء ارتفعت، قصيرة، مروعة، ثم اختنقت بسرعة تحت صليل السيوف وطلقات المسكيت. لم تكن معركة، كانت مجزرة. ذبح منهجي، سريع، بلا رحمة. في دقائق، ساد صمت مرة أخرى، مكسور فقط بطنين الذباب الذي بدأ يلتقط رائحة الدم الجديدة وهدير الأمواج.

وقف ساتو وسط ساحة الموت، يتنفس بهدوء غريب. قدماه واقفتان في بركة دم دافئة. نظر نحو الأفق الغربي، حيث اختفت سفينة ليان الصغيرة قبل أيام. رفع سيفه اللامع نحو البحر، حيث تلتقي السماء بالمياه.

ساتو (صوته يرتفع، يحمل قسمًا مصهوراً بالحقد والألم): "أقسم بشرف الساموراي الذي لا يشوه! وأقسم بروح أختي ساتو، التي نامت إلى الأبد بسبب خيانة هيديتوشي! سألحق به! سأطارده إلى أقاصي الأرض! وسأعود... وسيكون رأس ليان وي يُزيّن أعلى سور قلعتي! " الوعيد اخترق الهواء كسهم من جليد. "هذا وعد... وعهد دم!"

التفت بسرعة فائقة، عباءته السوداء ترفرف كجناحي غراب. "استعدوا للإبحار! الآن! اتجاه... آثار الهاربين!" مشى بخطوات ثابتة نحو سفينته، "مستقيظ الظلام" عائد إلى غمده، تاركاً وراءه جزيرة صخرية صامتة الآن إلى الأبد، مغطاة بشراشف حمراء ورفات ما كان يوماً بشراً. المطاردة الحقيقية قد بدأت للتو.

---

نهاية الفصل

2025/07/26 · 27 مشاهدة · 2358 كلمة
نادي الروايات - 2026