الفصل الثاني والعشرون: طلب في الثلج

( سيبيريا شتاء ١٨١٣م ):

الصباح الباكر في سيبيريا كان ساكناً وكأن العالم توقف عن النبض تحت طبقة سميكة من الثلج. داخل الكوخ الخشبي الدافئ، التهم ليان وي و جانغ لي و أولكامبور فطوراً بسيطاً من حساء ساخن وخبز أسمر، بينما كانت كارلا تتحرك بهدوء حول الموقد. الهواء كان محملاً بالامتنان الصامت والصدمة التي لم تختفِ تماماً من فقدان كاين. فجأة، قطع هديرٌ منخفضٌ خارجاً الصمت – صوت عجلات خشبية تصارع الثلوج الكثيفة.

نظر الجميع نحو النافذة الصغيرة المغطاة بالصقيع. من خلال الضباب المتجمد، رأوا عربة بسيطة تجرها غزالان قويان، توقف أمام الكوخ. نزل منها رجل عجوز، طوله متوسط، منحني الظهر قليلاً تحت عباءة ثقيلة من جلد الرنة، وجهه محفور بتجاعيد عميقة كأخاديد في صخرة قديمة، لكن عينيه كانتا حادتين وواضحتين كسكينتين من جليد. هرعت كارلا إلى الباب وفتحته، انطلقت عبر الثلج بخطوات خفيفة لمساعدة الرجل في إنزال حزمة من على العربة.

ليان (بالسيبيرية، منخفضاً): "كارلا... من هذا؟"

كارلا (وهي تسحب الحزمة): "أبي. آرام."

كانت كلماتها قصيرة، لكن نوراً من المودة والاحترام أضاء عينيها العسليتين عندما نظرت إلى الرجل العجوز.

ساعدته كارلا في حمل الحزمة إلى داخل الكوخ. دخل آرام، وهبّت معه نسمة من الهواء المتجمد. خلع قفازيه السميكين وعباءته، كاشفاً عن وجه أكثر حدة في ضوء النار الداخلي. نظر إلى الضيوف الثلاثة بنظرة تقييم سريعة، لا خوف فيها بل فضول وحذر طبيعي. ثم توجّه إلى كارلا بأمر قصير:

آرام (بالسيبيرية): "اطلبي من ضيوفنا دخول الغرفة الداخلية. حان وقت الحديث."

نظرت كارلا إلى الرجال الثلاثة وأشارت نحو باب صغير يؤدي إلى غرفة أخرى، تبدو أكثر دفئاً وخصوصية، بها موقد أصغر ووسائد للجلوس على الأرض. وقف ليان وأولكامبور وجانغ لي، تبعوها إلى الداخل. جلس آرام على وسادة مقابل الموقد الصغير، وأشار لهم بالجلوس. كارلا همت بالبقاء، لكن نظرة من أبيها أوحت لها بالمغادرة. أغلقت الباب خلفها بلطف.

نظر آرام إليهم، عيناه تنتقلان من وجه لآخر. ثم فتح فمه، وصوته الخشن يقطع الصمت، لكنه تحدث هذه المرة بلغة مختلفة تماماً:

آرام (بالإنجليزية، بلكنة ثقيلة): "أي واحد... يتكلم السيبيرية؟"

أومأ أولكامبور وجانغ لي فوراً نحو ليان . نظر آرام إليه، رافعاً حاجباً متجعداً قليلاً، مفترضاً أن الشاب الوسيم ذا الشعر الأسود الطويل والعينين الزرقاوين الغريبتين هو المتحدث.

ليان (بالسيبيرية، بثقة لكن باحترام): "أنا أستطيع التحدث بها، يا سيد آرام. أنا المتحدث باسمنا."

ارتاح آرام قليلاً في جلسته، واضعاً يديه المتجعدتين على ركبتيه. "جيد. الاسماء أولاً. من أنتم؟"

ليان: "أنا ليان وي." أشار نحو الفرنسي ذي الشارب. "هذا رفيقنا، أولكامبور." ثم نحو الصيني الطويل. "وهذا جانغ لي." لاحظ آرام أن أولكامبور وجانغ لي لم يفهما شيئاً، فقط كانا يراقبان تبادل النظرات ونبرة الأصوات.

آرام (بالسيبيرية): "آرام... اسمي. ابنتي كارلا... وجدتكم على شاطئنا المتجمد، قبل شهر تقريباً. جرفكم البحر مع الخشب المكسور والجليد. نادت على رجال من القرية القريبة ليساعدوها في حملكم إلى هنا. كنتم أقرب للموتى من الأحياء." نظرة عميقة من عينيه الثاقبتين اخترقت ليان. "الآن... قبل أن أطلب منكم... شيئاً... أخبرني. من أنت حقاً، ليان وي؟ كيف وصل طفلٌ يبدو مثلك إلى شواطئ سيبيريا الميتة؟ اروِ لي قصتك."

أخذ ليان نفساً عميقاً. الدفء المفاجئ للغرفة بدا يخنقه قليلاً. نظر للحظة إلى النار المتأججة في الموقد الصغير، وكأنه يستمد منها القوة أو يجد فيها صور ماضيه.

ليان (صوته منخفضاً، حاملاً ثقلاً لا يراه الآخران): "قصتي... طويلة ومظلمة، يا سيد آرام. ومن حسن حظنا أن قريتك معزولة هنا في أحضان الصقيع. سأرويها لك، لكن أتوسل إليك... لا تطردنا بعد أن تسمعها. نحن لسنا خطراً عليكم، هذا أعدك به." توقف، ثم بدأ، وكأن الكلمات تُستخرج منه ببطء مؤلم. "أنا... طفل صيني. ولدتُ عبداً في اليابان، في السابع من آذار عام 1795 ميلادية. ذاكرتي عن طفولتي... ضبابية، أشبه بكابوس. لكن هناك لقطة واحدة محفورة في عظامي: عام 1800. شاهدتُ والديّ... يُقتلان أمام عيني. حراس النبيل هيديتوشي – سيدي آنذاك – طعنوهما حتى الموت. جريمتهما؟ كسر مزهرية."

كان صوت ليان مسطحاً، لكن العذاب في عينيه الزرقاوين كان عميقاً كالمحيط. أولكامبور وجانغ لي، رغم جهلهما باللغة، التقطا جفاف صوته وتيبس جسده، فتبادلا نظرة قلقة.

ليان: "هيديتوشي... رأى فيّ أكثر من عبد. رأى سلاحاً. أداة حرب. أمر مدربه الشخصي، كينغو، أن يصنع مني آلة قتل... سلاحاً بشرياً يُوجه ضد بلدي الأم، الصين." ابتسم ليان ابتسامة عديمة الفرح. "وافق كينغو بسرور. تدريباته... لم تكن تدريبات. كانت تعذيباً منهجياً. كل خطأ، ولو طفيف، كان يجلدني بالسوط حتى أفقد الوعي. كل يوم كان ينتهي وأنا أزحف على الأرض، بين الحياة والموت، جسدي قطعة لحم ممزقة."

آرام (همساً، عيناه تضيقان): "هذا... مؤسف. لا، هذا إجرام."

ليان (هز رأسه بمرارة): "هذه هي الطبقية، يا سيد آرام. قانون الأقوى. قانون اليابان في ذلك الزمن." سأل آرام: "ولكن لماذا يستعبدونكم أصلاً؟ من أين أتى الصينيون إلى اليابان؟"

ليان: "عشيرتي... عشيرة وي. أُسرت بأكملها في معركة عام 1750. حولونا إلى عبيد. تاريخنا قبل ذلك؟ محو. ممنوع الحديث عنه في اليابان. أنا لا أعرف من أين أتينا حقاً، ولا من كنّا. كل ما أعرفه هو العبودية والدم." تنهد. "كان تدريبي... نهاراً وليلاً. ليالٍ بلا نوم، أيام بلا طعام أو ماء. الجوع والعطش أداة أخرى من أدوات كينغو لتحطيمي وإعادة بنائي على هواه."

ثم أضاءت شرارة غريبة في عيني ليان. "لكن وسط هذا الجحيم، وجدت ملاذاً واحداً: مكتبة القصر الممنوعة. كنت أتسلل إليها ليلاً، كالظل. أقرأ كل ما تقع عليه عيناي. تعلمت لغات... منها لغتكم. تعلمت التاريخ، الفلسفة، التكتيكات الحربية... أي شيء يعطيني سلاحاً غير عضلاتي." كان هناك فخر خافت في صوته الآن. "وفي إحدى تلك الليالي، بين رفوف الكتب الصامتة، سمعت شيئاً غير متوقع: زوجة هيديتوشي، ليدي ساتو، تتحدث مع خادمتها المخلصة. كانت تشتكي من خيانة زوجها مع جارية صينية جميلة. ثم... سمعتها تطلب من خادمتها كتاباً نادراً عن... تحضير السموم."

أصبح صوت ليان أكثر انخفاضاً، أكثر كثافة، كمن يروي سراً خطيراً. "خطتها كانت واضحة: تسميم هيديتوشي ثم قتل الجارية وإلقاء التهمة عليها. لكن... خطرت لي فكرة. فكرة لم تخطر ببال شيطان، بل ببال عبد يائس يبحث عن أي ثغرة." نظر مباشرة في عيني آرام. "قررت أن أخبر الجارية الصينية بالسم... لكن دون أن أخبرها أن ليدي ساتو تنوي قتلها. ثم اقترحت عليها خطة: تبديل الأكواب. تشرب ليدي ساتو السم بنفسها."

ليان: "سارت الخطة كما رسمت. شربت ليدي ساتو السم، ثم وفي نوبة غضب أو خوف، طعنت الجارية قبل أن يسقط السم فيها. ماتتا كلتاهما أمام عيني هيديتوشي." كانت عينا آرام واسعتين الآن، مذهولتين من برودة الحكاية ومن دهاء الشاب الذي يرويها. **"هدفي لم يكن إنقاذ الجارية... بل تعذيب هيديتوشي نفسياً. رؤية امرأته وجاريته تموتان بسبب خيانته وغروره. لقد نجحت. دخل في اكتئاب عميق... قبل أن يعود، أكثر قسوة من ذي قبل."

ثم انتقل ليان إلى المرحلة التالية، صوته يكتسب صلابة معدنية. "مع السنين، أصبحت جاهزاً. أرسلوني إلى جبهة الإمدادات في نهر لو. أمروني بارتداء درع الساموراي الأسود... وخوذة سوداء بقناع شيطان يخفي وجهي. وأعطوني كاتانا... سيفاً طويلاً، أسود الغمد والمقبض، حاداً كالشرر. سميته 'لوسيفر'." لمس خصره غريزياً حيث كان السيف مربوطاً الآن. "في الصين... ذاع صيتي. 'الشيطان المقنع'. أصبحت من أقوى الساموراي، مرشحاً لمنصب الشوغون نفسه. كانت هذه خطتي كلها: تسلق السلطة لتدمير اليابان من الداخل واستعادة شرف عشيرتي."

ليان (صوته يحمل مرارة الهزيمة): "لكن المجلس الأعلى رأى فيّ الخطر. صيني... عبد سابق... يطمع في أعلى منصب؟ مستحيل! جمدوا ترقياتي، أبعدوني عن مراكز القيادة، حاصروني. ثم جاءت الفرصة التي انتظرها أعدائي: في حفل حصاد، تحداني 'رايجي'، ابن كينغو المدرب. قاتلته... وانتصرت. قطعت سيفه، ثم وجهت 'لوسيفر' نحو وجهه... تحدياً صامتاً." كان هناك وهج من الغضب القديم في عيني ليان. "فصاح هيديتوشي: 'أمسكوا المقنع!' كانت الزلة التي انتظروها. أحاطوا بي. لكني... هربت. هروباً بطولياً، كما يقال. نتيجة هروبي؟ إعدام هيديتوشي (لأنه صنعني)، وسجن كينغو (لأنه دربني)." توقف، ونظر إلى النار. "كنت حاضراً عند إعدام هيديتوشي. أعتقد أن عينه التقت بعيني في اللحظات الأخيرة... عرف من دبر له. لكنه مات قبل أن ينطق باسمي."

ليان: "بعد ذلك، هربت إلى كوريا. لأبدأ تجارة غطاء، وأتعاون مع المقاومة الصينية التي كنت قد تحالفت معها سراً أثناء خدمتي. لكن... الصيادين كانوا في انتظاري. في منتصف ليلة طويلة، حاصرني أولكامبور هنا..." أومأ نحو الفرنسي الذي التفت إليه باهتمام عند سماع اسمه، "...ومع ما يقارب ثلاثين صائد جوائز. لكن بدلاً من القتال، عرضت عليه صفقة. خطة لم يسبق لها مثيل: يأخذ مكافأتي من الشوغون بنفسه، ويسلمني له. الشوغون، الغبي المتعطش لرؤيتي معذّباً، أرسلني إلى سجن التعذيب الشهير: جزيرة الثعبان. ثم جعل من أولكامبور مسؤولاً عن السجن... مكافأة على 'القبض' علي." ابتسم ليان ابتسامة باردة. "وهكذا بدأنا نتواصل داخل السجن بالرسائل السرية. هناك، تعرفت على جانغ لي ..." نظر إلى صديقه الصيني الذي رد بنظرة فهم، رغم جهله بالكلمات، "...رجل كراهيته لليابان توازي كراهيتي. تحالفنا نحن الثلاثة."

ليان: "ثم أتى الشوغون بنفسه إلى الجزيرة، ومعه كينغو الذي أخرجه من السجن في اليابان. خطته كانت واضحة: أن يقتلني كينغو بيده. لكن انقلب السحر على الساحر." كان صوته الآن حاداً كشفرة. "قطعت رأس كينغو. وأولكامبور هنا..." أومأ إليه مرة أخرى، "...فجّر رأس الشوغون بطلقة مسدس. خطة الشوغن سهّلت علينا الأمر." تنهد ليان، وكأن ثقل الذكريات يثقله. "بعد ذلك، تركنا السجناء في الجزيرة. كنا نعلم أن أحداً سيأتي... ساموراي طموح يريد رأسي كدرجة على سلم السلطة. لورد ساتو. وصل، ولا شك. ومسح... كل السجناء عن بكرة أبيهم." كانت كلماته الأخيرة عن ساتو ثقيلة ومظلمة. "أما نحن... فهربنا من الجزيرة مع رجل عجوز... كاين. كان له صلة بعشيرة وي المفقودة، ملاحاً أسطورياً في أيامه. عمره تسعون عاماً. كنت عينيه بسبب ضعف بصره... ولسانه أحياناً بسبب ضعف سمعه." غمغم، الألم على فقدان العجوز واضح في صوته. "وفي البحر... هجمت علينا عاصفة كالغضب الإلهي. صرختُ له: 'عدل الدفة يا كاين!' لكنه... لم يسمعني. لم ترحمنا الأمواج. مزّقت السفينة إرباً... وها نحن هنا، يا سيد آرام. جرفنا البحر إلى شاطئك."

ساد صمت طويل ومليء بالثقل بعد أن توقف ليان عن الكلام. فقط صوت خشخشة النار في الموقد الصغير وهمسة الرياح خارج الجدران الخشبية كانت تملأ الغرفة. عينا آرام كانتا مثبتتين على ليان، تلمعان بتعابير معقدة: دهشة، رهبة، شفقة، وتقدير لصراحة الشاب المروعة. أولكامبور وجانغ لي جلسا صامتين، يشعران بثقل اللحظة رغم عدم فهمهما للكلمات، يقرآن القصة في عيني آرام ووقفة ليان المتحدية والمنهكة في آن واحد.

ثم، ببطء، انحنى آرام قليلاً إلى الأمام. عندما تكلم، كان صوته مختلفاً، أكثر ليونة، يحمل شيئاً يشبه الاحترام العميق.

آرام (بالسيبيرية): "أشكرك... ليان وي. أشكرك على شجاعتك في سرد قصتك. على ثقتك." هز رأسه ببطء. "لقد عشت جحيماً لم أتخيله. وحملت أعباءً تكسر ظهور الرجال."

ليان (بإرهاق): "العفو، يا سيد آرام. كان عليك أن تعرف من تستضيف."

رفع آرام يده المتجعدة، وكأنه يطلب الصمت. ثم نظر مباشرة في عيني ليان الزرقاوين، العميقتين كالليل القطبي. كان هناك تردد خفيف في عينيه، ثم عزم. عندما تكلم مرة أخرى، كانت كلماته واضحة، بسيطة، لكنها سقطت في الغرفة الصامتة كصخرة في بركة متجمدة:

آرام: "ليان... لدي طلب منك. طلب واحد."

ليان (حاجباه يرتفعان قليلاً، مستعداً لأي شيء بعد سرد ماضيه): "ماذا تريد، يا عم؟"

أخذ آرام نفساً عميقاً، عيناه لا تبارحان وجه الشاب الوسيم ذا الشعر الأسود والندوب القديمة المخفية تحت جلد وجهه الناعم.

آرام: "أتريد... أن تتزوج ابنتي كارلا؟"

* توسّعت عينا ليان وي بشكل مذهل، كأنهما ستخرجان من محجريهما. الفم الذي روّع بتفاصيل التعذيب والقتل والخيانة، فُتح قليلاً في صمتٍ من الذهول التام. كل لونٍ في وجهه الشاحب، الذي بدا كالثلج خارج النافذة، تلاشى، تاركاً وراءه بياضاً أشبه بالجليد الميت. في تلك اللحظة، كان "الشيطان المقنع"، الساموراي الأسطوري، الهارب من جحيمين، عاجزاً عن النطق بحرفٍ واحد، مسحوباً إلى هاويةٍ من الدهشة لم يخطط لها في أيٍ من تكتيكاته الحربية. *

ينتهي الفصل

2025/07/27 · 26 مشاهدة · 1799 كلمة
نادي الروايات - 2026