الفصل الثالث والعشرون: درع أبيض ودب أسود

( سيبيريا شتاء ١٨١٣م-١٨١٤م )

الصمت في الغرفة الداخلية للكوخ كان ثقيلاً وكأن الهواء تجمد فجأة. ليان وي وقف مشدوداً كوتر قوس، عيناه الزرقاوان واسعتان بشكل غير طبيعي بعد سؤال آرام الصادم. أولكامبور، بحدسه الحاد كضابط مخابرات، التقط التغير المفاجئ في ملامح صديقه.

أولكامبور (بالصينية، بنبرة فضولية): "ماذا قال لك العجوز؟ جعلتك تبدو وكأنك رأيت شبح كينغو!"

التفت ليان ببطء نحو أولكامبور. خدودا الشاحبة عادةً احمرّتا بلونٍ ورديٍ واضح تحت ضوء النار المتذبذب. لم يقل كلمة، لكن نظرة الخجل والذهول التي غمرت وجهه الوسيم كانت كافية.

أولكامبور (عيناه تضيئان بفهم مفاجئ، ثم انفجار ضحك): "لا! مستحيل! هو حقاً...؟ هاهاهاها!" انحنى أولكامبور وهو يمسك بطنه، ضحكاته المدوية تهز كتفيه، دموع تلمع في زوايا عينيه. **"الشيطان المقنع... خطيباً! هاهاها! يا للقدر!"

جانغ لي (محتاراً، ينظر بين ليان الضارب في الحمرة وأولكامبور المتهالك من الضحك): "ماذا؟ ماذا حدث؟ ليان؟"

همس ليان، صوته غاضباً ومحرجاً: "طلب مني... أن أتزوج كارلا."

لم يمر ثانية واحدة حتى انفجر جانغ لي هو الآخر في ضحك عالٍ، يضرب ركبته بيده. "كارلا؟! الفتاة السيبيرية؟! هاهاها! يا ليان، حتى في سيبيريا لا تهرب من المصير!"

ازداد احمرار وجه ليان، وهو يحاول تجاهل ضحك صديقيه اللاذع. آرام، جالساً بوقار، كان يراقب المشهد بعينين حادتين، يفهم من الضحك والإشارات أن رسالته وصلت، وإن كان رد الفعل كوميدياً.

ليان (بالسيبيرية، محاولاً استعادة رباطة جأشه): "انسَ أمرهم يا سيد آرام. لكن... أخبرني، لماذا؟ لماذا تريدني أنا بالذات لأتزوج كارلا؟"

نظر آرام إليه بجدية، صوته منخفضاً وحميمياً: "لأنني أرى فيك... طيبة، ليان وي، رغم كل ما مررت به. ورأيت جسدك، قوي وممتاز، يستطيع حمايتها. كارلا... هي كل ما تبقى لي. ليس لها إخوة يساندونها. أنا عجوز، بلغت السبعين العام الماضي. هي من تجمع الحطب، وتصطاد، وتقوم بأعمال الرجل في هذا البرد القارس. أريد... من يضمن لها الأمان والحماية بعد رحيلي." كانت عيناه تلمعان بقلب الأب القلق.

أخذ ليان نفساً عميقاً، نظرة التحدي تعود تدريجياً إلى عينيه الزرقاوين بينما يخبو احمرار خديه. "سأوافق... لكن بعد عامين، يا سيد آرام." رأى نظرة الاستفسار في عيني العجوز. "أمامي مهمة. يجب أن أدخل الصين، أن أجد بقايا المقاومة، أن أعرف حقيقة عشيرتي وي... من أين أتينا، من كنا. بعد أن أنجز هذا... سأعود."

ابتسم آرام ابتسامة صغيرة، مشوبة بالحزن والقبول. "حسناً. عامين. وكعربون شكر على صدقك... خذوا ما تحتاجونه من قرية كريستوف. أي شيء. فقط قولوا: 'هذا طلب من آرام'."

---

في صباح اليوم التالي، وجد ليان أن جرح ساقه، الذي لم يكن عميقاً في الأصل، قد التأم تماماً بفضل الأعشاب السيبيرية وعناية كارلا الخفية. أعلنوا استعدادهم للنزول إلى القرية. خطتهم كانت واضحة: شراء مؤن إضافية، معاطف إضافية للبرد القارس، تصميماً لدرع جديد لليان، وأخيراً، شراء خيول قوية للرحيل.

جو قرية كريستوف كان نابضاً بالحياة رغم الصقيع. أكواخ خشبية منفوشة بالثلج، مداخن تنفث دخاناً رمادياً، وأطفال يلعبون بثياب صوفية سميكة. عند سماعهم عبارة "طلب من آرام"، انفتحت الأبواب بترحاب.

عند بائع المعاطف، أصر جانغ لي على تجربة معطف فرو ثعلب ضخم جعله يبدو كدب صغير متمايل. تعثر وهو يدور ليرى نفسه في مرآة صغيرة، مما أثار ضحك أولكامبور والأطفال المتجمعين.

في السوق الصغير، حاول أولكامبور شراء سجائر فرنسية نادرة من تاجر عجوز. حوار الطرشان بلغة إشارة مضحكة وانتهى بأن أخذ أولكامبور نوعاً سيبيرياً قوياً جعله يسعل كالمجنون في أول نفثة.

المحطة الأهم كانت عند الحداد، رجل ضخم بذراعين كجذوع شجرة. قدم له ليان رسمة دقيقة لدرع ساموراي، لكن أبيض اللون هذه المرة، مع إمكانية إضافة نقوش ذهبية بسيطة.

الحداد (محدقاً بالرسمة، صافحاً رأسه): "هذا... كثير عليّ! معقد ومكلف! ماذا ستدفع لي مقابل هذا العمل الفني؟"

ليان (بهدوء واثق): "هذا... طلب من آرام."

تغيرت ملامح الحداد فوراً. نظرة من الاحترام الممزوج بالخوف السريع. "آرام؟! حسناً... حسناً. سأنفذه. في أسرع ما يمكن. ولا حاجة... لا حاجة لدفع." انشغل بالعمل فوراً، نار الفرن تتأجج.

بعد ساعات، عادوا والحداد يقدم لليان درعاً أبيض لامعاً، صفائحه مصقولة كالمرآة، تزين حوافها وزخارف بسيطة على الصدر خطوط ذهبية رفيعة. كان تحفة تتناسب مع هيئة ليان المهيبة. تردد ليان في طلب الخوذة السوداء المرعبة. بدلاً منها، اشترى من متجر قريب قبعة ساموراي تقليدية من القش (جينغاسا)، بسيطة وأنيقة.

عائدين إلى كوخ آرام، ارتدى ليان درعه الجديد فوق ملابس صوفية سميكة. الشمس السيبيرية المنعكسة على الدرع الأبيض جعلته يبدو كفارس أسطوري خرج من ثلوج الأساطير. مشط شعره الأسود الطويل الناعم للخلف بإحكام، تاركاً شعرة واحدة عنيدة تهبطان بإغراء على جبينه الوسيم. كان التناقض بين مظهره الملكي وتلك الشعرة الهاربة يضفي عليه سحراً غريباً.

قبل أن يتوجهوا لشراء الخيول، أوقفهم آرام.

آرام (مشيراً نحو الجنوب): "قبل أن تشدوا الرحال... هناك دب. دب ضخم، أسود كالفحم، لكن على كتفه بقعة بيضاء كبيرة كالثلج. يتربص جنوب القرية. أريدكم أن تقتلوه. إن لم تقدروا... فلا تستهينوا به. قوته، كما يُقال، تعادل مئتي جندي مدرب."

ليان (حاجباه يرتفعان): "موقع هذا الدب بالضبط؟"

جانغ لي (قلقاً): "أنت متأكد من هذا يا ليان؟"

ليان (نظرة ثاقبة في عينيه): "سمعت عنه. في سوق بوسان. كان هناك صياد... عائد بيد واحدة. أقسم أن دباً سيبيرياً أسطورياً بحجم نصف سفينة هو من أكل يده. ربما هو نفسه."

آرام (يومئ): "في الجنوب الغربي. غابة الصنوبر الكثيفة. عمره تقريباً واحد وثلاثون عاماً. ستجده مجروحاً حتماً، لكنه صامد. هائل القوة. جسده خريطة من الندوب القديمة... شهادات على صراعاته مع الزمن والصيادين."

لم يتردد ليان. اقتنع بأن جلد هذا الدب الأسطوري سيكون درعاً طبيعياً فوق درعه الأبيض، ورمزاً لقوته. في إسطبل القرية، اختار حصاناً عربياً أصيلاً، فاحم السواد، قوي البنية، وعيناه تلمعان بالذكاء. "اسمك كاجي." همس ليان، تيمناً بحصانه القديم الذي فقده في اليابان.

---

الطريق نحو الجنوب الغربي كان وعراً ومغطىً بثلوج عميقة. استغرقت الرحلة ليلتين.

في ليلتهم الأولى، حاول أولكامبور أن يطبخ "طبقاً فرنسياً" على النار باستخدام لحوم مجففة وجذور سيبيرية. النتيجة كانت معجونة رمادية ذات رائحة مشبوهة جعلت حتى الحصان كاجي يشيح بوجهه. اضطر الجميع لأكل بسكويت صلب.

جانغ لي، أثناء حراسته في الليلة الثانية، سمع صوت زئير بعيد. استل سيفه بسرعة خاطفة... ليكتشف أنه كان فقط أولكامبور يشخر بصوت عالٍ كالدب داخل خيمته!

عند مشارف غابة الصنوبر المذكورة، أصبح الجو أكثر قتامة. الأشجار العالية تحجب معظم الضوء، والثلوج على الأغصان تشكل سقفاً أبيض متصدعاً. نزلوا عن خيولهم.

ليان (صوته منخفض كهمسة الريح): "اهدأوا. هذا الدب... خطير على غير المتوقع. ليس كأي وحش واجهناه."

أولكامبور (مستسلماً لمسدسه): "ما هذا الاستنتاج الغريب يا ليان؟"

ليان (يشتم الهواء بعمق): "الا تشمها؟ رائحة... التعفن. عفن عميق، ممزوج بصدأ الدم القديم. قوية جداً... رغم أنها قادمة من بعيد." أشار نحو الأرض تحت الثلوج المتكدسة. "انظروا هنا... واهنئوا."

دفع الثلج بعناية. ظهرت عظام مبعثرة، ثم جمجمة كبيرة لأنثى غزال، مثقوبة بضربة قاتلة. ثم أخرى... وأخرى. كانت الأرضية مخفية تحت طبقة رقيقة من الثلج النظيف، مختزنة مقبرة من بقايا فرائس الدب وعابري السبيل الأقل حظاً.

ليان: "سنترك الخيول هنا. نتقدم... بهدوء تام. كظلال."

تسللوا بين الأشجار العملاقة، خطواتهم لا تصدر صوتاً فوق الثلج الطري بفضل أحذيتهم السيبيرية. التوتر كان مسموعاً في أنفاسهم المتجمدة. الرائحة الكريهة كانت تزداد قوة، خانقة. ثم... ظهر.

وراء مجموعة أشجار صنوبر ميتة، في بقعة مضاءة بوهج شاحب من خلال السحاب، كان الدب جاثماً. ضخامة كوخ صغير. فراؤه الأسود القاتم كان أشعثاً ومغطى بطبقة من الوحل المتجمد. البقعة البيضاء الواسعة على كتفه الأيسر كانت كعلامة نذيرة. الندوب – خطوط عميقة بيضاء اللون حيث لا ينمو الفراء – تزين وجهه وجانبيه، كسجلات لحروب لا تحصى. عيناه الصغيرتان، غائرتان في جمجمته الضخمة، تلمعان بذكاء شرير وألم قديم. كان يمضغ بقايا حيوان ما، صوت تكسير العظام مرعباً في الصمت المطبق.

لم يضيع ليان لحظة. لم يتراجع. لم يخطط. غريزة الصياد القديمة، المزروعة فيه منذ أيام كينغو، انطلقت. اندفع من مخبئه كالسهم، صامتاً كالموت. درعه الأبيض لمع كفلقة ثلج متحركة. لوسيفر خرج من غمده في وميض فضي.

لم يلتفت الدب العملاق حتى. كانت الحركة سريعة جداً. قفزة ليان الأخيرة وضعته فوق كتفي الوحش مباشرة. سيفه الطويل، "لوسيفر"، هبط في قوس مميت، حاداً كالريح القارصة.

شقق!

صوت قطع العظام واللحم كان مقرفصاً. رأس الدب الضخم، بعينيه الواسعتين المفاجأتين وفمه المفتوح على أنياب صفراء، انفصل عن الجسد وارتد على الثلج الأبيض بثقل مروع. الجسد الوحشي ارتعد رعدة عنيفة واحدة ثم انهار، يغرق الثلج المحيط ببحيرة حمراء سريعة التوسع.

وقف أولكامبور و جانغ لي مذهولين، مسدسين في أيديهما لم يطلقا رصاصة واحدة. السرعة والوحشية في الضربة كانت مروعة، حتى لهما. ليان هبط بسلاسة على قدميه، "لوسيفر" لا يقطر دماءً، نظيفاً كالمعتاد. لم ينظر حتى إلى الجثة. اتجه مباشرة نحو الرأس المقطوع، ثم بدأ بسلخ الجلد الأسود السميك ذو البقعة البيضاء بمهارة مذهلة، كأنه يقوم بطقوس قديمة.

"سنخيم هنا الليلة." قال ليان ببساطة، وهو يرمي الجلد الثقيل فوق كتفه، ليبدو كعباءة أسطورية لسيد الثلوج. صفّر لحصانه كاجي الذي اقترب بهدوء. علق ليان قبعة القش (الجينغاسا) على سرج الحصان، ثم جلس قرب الجثة الضخمة ليبدأ في إشعال نار صغيرة، الجلد الأسود المقطوع منتشر بجانبه لتجفيفه.

المساء نزل ببطء، والبرد ازداد قسوة. همس الريح بين أغصان الصنوبر تحمل رائحة الدم والثلج. بينما كانوا يتناولون طعاماً بسيطاً حول النار المتوهجة، شعر ليان وي فجأة بوخزة في عموده الفقري. توترت عضلاته. عيناه الزرقاوان، المنعكستين بلهب النار، رفعتا نحو الظلام الكثيف خلف الأشجار. كان هناك شيء... أو

شخص

... يراقبهم. لم يكن حيواناً. كان حضوراً مختلفاً. ذكياً. صامتاً. خطيراً.

ليان (بصوت حاد كالسيف): "أطفئوا النار!

الآن!

"

ضرب جانغ لي كومة الثلج المجاورة بقدمه، بينما ألقى أولكامبور آخر حطب محترق في الثلج الرطب. صفير بخار قصير، ثم الظلام الدامس يبتلعهم. الصمت أصبح مطلقاً، مقطوعاً فقط بأنفاسهم المتجمدة ودقات قلوبهم المسموعة. في الظلام الحالك، بين أشجار الصنوبر العملاقة التي بدت كعمالقة سوداء، وقفوا متجمدين، أسلحتهم في أيديهم، وهم يحدقون في العتمة حيث كان ليان قد أحس بالوجود الغريب.

ينتهي الفصل

2025/07/28 · 22 مشاهدة · 1511 كلمة
نادي الروايات - 2026